بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٨ فبراير ٢٠١١

قضية الإسكان في ظل عودة الملك

أبدأ بالتهنئة الخالصة لأبناء الوطن بعودة مليكهم القائد، هذه العودة التي انتظرها الجميع لمواصلة مسيرة التنمية وإدارة الدولة، مع أن غيابه عن أرض الوطن لم يكن غيابا عن التفاعل مع الأحداث الدائرة فيه وحوله؛ إذ كان على مدار الأشهر الثلاثة الماضية حاضرا في خضم الأحداث المحلية والإقليمية والدولية. وأزف التهنئة الخالصة كذلك لملك القلوب على عودته لأرض الوطن، وعلى هذا الحب الجارف الذي عبرت عنه جحافل المستقبلين والمحتفلين في شوارع مدن المملكة قاطبة. فهنيئا للملك بهذا الحب، وهنيئا للوطن وأهله بعودته سالما معافى.
عودة الملك يوم الأربعاء الماضي تزامنت مع صدور عدد من القرارات بلغ عددها 19 قرارا. هذه القرارات جاءت لتعبر عن معايشة حقيقية لواقع الوطن والمواطنين، ومعرفته بما يعانونه من مشكلات تؤرق حياتهم. وفي الحقيقة، فإن هذه القرارات، على الرغم من أنها تمثل نقلة نوعية في التعاطي مع احتياجات المواطنين، إلا أنها لن تحقق الأثر المأمول دون تفاعل حقيقي من أجهزة الدولة ذات العلاقة. إذ إن الدعم المالي الكبير الذي وفرته هذه القرارات يتطلب آليات فاعلة لتوظيف حكيم يحقق العوائد التنموية المأمولة منها. هذا التفاعل الذي أتحدث عنه لا يعني فقط التنفيذ الفوري والجاد لهذه القرارات؛ إذ إن هذا التنفيذ سيأتي عبر الآليات القديمة ذاتها التي يدور حولها الكثير من الجدل والنقاش، بل إنه يتطلب أيضا مسعى جادا لتحقيق نقلة نوعية على المستوى المؤسساتي، ومراجعة فاعلة لآليات العمل في مختلف الجوانب التي تناولتها تلك القرارات. إن الدولة وعلى رأسها هذا الملك الصالح لم تبخل يوما بتوفير الموارد والمتطلبات المالية اللازمة لدعم مسيرة التنمية وتلبية احتياجات المواطنين. لكن هذا السخاء المالي لم يحقق في بعض الأحيان مسعاه المأمول، وهو ما جعل بعض المشكلات تبدو كما لو كانت مستعصية على الحل. إن كل طروحات النقاش والحوار التي يطرحها كتاب الرأي لم تتناول بالنقد في أي وقت جانب الإسهام المالي من قبل الدولة في حل مشكلات التنمية، لكنها كانت دوما تسعى إلى تحقيق تغيير نوعي في توجهات واستراتيجيات إدارة التنمية، وارتقاء فاعل بآليات عمل أجهزة الدولة وأداء موظفيها، حتى تحقق المساعي المبذولة الأهداف المرسومة، ويتحقق الرخاء للوطن والمواطنين.
إحدى القضايا التي أقصدها بحديثي هنا قضية الإسكان، إذ تضمنت قرارات الأربعاء الماضي قرارين يتعلقان بهذه القضية. الأول هو دعم ميزانية الهيئة العامة للإسكان بمبلغ 15 مليار ريال، والآخر هو دعم ميزانية صندوق التنمية العقاري بمبلغ 40 مليار ريال. ومع أن تخصيص هذه المبالغ يعبر عن اهتمام كبير من الدولة ومليكها بقطاع الإسكان، إلا أن هذا الاهتمام يجب أن يتسق مع مراجعة جادة لآليات عمل هاتين المؤسستين اللتين تضطلعان بأدوار رئيسة وحيوية في إدارة هذا القطاع الحيوي. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، خاصة منذ نشأة الهيئة العامة للإسكان قبل قرابة ثلاث سنوات، كان مجمل النقاش الدائر على صفحات الجرائد يتناول بالنقد والتحليل آليات عمل هذين الجهازين، والحاجة الملحة إلى مراجعة هذه الآليات لتحقيق الفاعلية المطلوبة منهما في معالجة مشكلات هذا القطاع. كما أن قرارات مجلس الوزراء الموقر الأخيرة أكدت هذا المطلب، خاصة فيما يتعلق بصندوق التنمية العقاري، الذي دأب على العمل وفق الآليات ذاتها على مدى الـ 40 سنة الماضية، دون أن يحقق أثرا حقيقيا في معالجة المشكلة، بالنظر إلى كم الطلبات المتراكمة لديه للحصول على قروض الإسكان.
قلت سابقا، وقال غيري الكثيرون: إن صندوق التنمية العقاري عليه أن يعمل لرفع فاعلية توظيف موارده الضخمة عبر توجيهها لدعم وتمويل تطوير المساكن من قبل مطورين متخصصين وأكْفاء، عوضا عن الاستمرار في ترسيخ آليات البناء الفردي للمساكن. وقلنا إن الصندوق يجب أن يتحول إلى بنك للإسكان ليتمكن من تأسيس برامج للادخار ترتبط بتوفير وحدات سكنية للمواطنين، وتقديم قروض تنموية موجهة للتطوير المؤسسي للمساكن. وقلنا إن الصندوق وإن استمر في تقديم القروض الفردية، فإن عليه أن يطور آليات منح القروض لتحقيق العدالة النوعية في منح القروض عوضا عن المساواة الظالمة التي يمارسها وفق آلياته الحالية. وقلنا إن الصندوق عليه أن يوجه جزءا من موارده الضخمة لدعم جهود البحث والتطوير لتحسين آليات وأنظمة بناء المساكن، والارتقاء بمعايير الجودة فيها، حتى يمكن أن تحقق متطلبات الجهات التمويلية العاملة وفق أنظمة الرهن العقاري، عوضا عن البنية العمرانية المتهالكة التي أنتجتها الآليات الحالية للصندوق. وقلنا أيضا إن الهيئة العامة للإسكان يجب أن تؤدي دورها الحقيقي في تنظيم وتطوير قطاع الإسكان عوضا عن الانخراط والغوص في البناء المباشر للمساكن. وقلنا إن الهيئة لن تتمكن مهما حشدت من جهود، ومهما وفرت لها الدولة من موارد مالية، أن توفر كم المساكن المطلوب وفق الأرقام التي أوردتها خطط التنمية، خاصة في ظل شح الأراضي الذي تشتكي منه الهيئة. وقلنا إن الهيئة أخطأت بالتحول إلى مطور عقاري مكبل بقيود أنظمة المشتريات الحكومية، وهي القيود ذاتها التي ينظر إليها الكثيرون، وأنا منهم، على أنها السبب الرئيس في ظاهرة تعثر المشاريع الحكومية. قلنا كل هذا وغيره الكثير، وكل ما قلناه ليس الهدف منه التقليل من جهود هذه الأجهزة، لكن الهدف هو السعي إلى تحقيق الجدوى المأمولة من هذه الجهود وتلك الموارد المالية الضخمة التي وفرتها الدولة بسخاء، التي كان آخرها تلك المخصصات التي تضمنتها قرارات الأربعاء الماضي.
خلاصة القول، إن تلك القرارات لا تمثل فقط تأكيدا من المليك والدولة على أهمية هذه القضية، لكنها توقع مسؤولية كبرى على القائمين على هذه الأجهزة لتحقيق الأهداف المرجوة منها. وسبق أن أكد الملك هذه المسؤولية، وقال إنه لن يقبل أي تقصير في أداء المهام في ظل هذا السخاء الذي نشهده في توفير الموارد المالية التي تتطلب التوظيف الأمثل لتحقيق أهداف التنمية. إنني وزملائي كُتّاب الرأي إذ نطرح هذه المرئيات، فإننا لا نهدف إلا إلى تحقيق المصلحة العليا لإنجاح مسيرة التنمية، فنجاح أولئك المسؤولين لن يعود على أي أحد بمصالح شخصية، بل إنه سيعود بالخير والرخاء على الوطن والمواطنين؛ تلبية لتطلعات هذا الملك الصالح الذي فرح الوطن كله بعودته سالما، فما من وسيلة للتعبير عن هذا الفرح أجمل وأجدى وأوقع من عمل جاد لتحقيق تطلعاته وأداء الأمانة التي ألقاها على عواتق أولئك المسؤولين.

الأحد، ٢٠ فبراير ٢٠١١

قضية الكفاءات بين الاستيراد والتوطين


قضية الكفاءات قضية القضايا في عالم الأعمال ، وبدون القدرات البشرية المتمكنة لا يستطيع أي تاجر أو شركة أو مؤسسة أن تؤدي مهامها بالكفاءة المطلوبة لدعم مسيرة التنمية . والكفاءات مصطلح عام يسري على كل التخصصات والمهن ، وبالتأكيد فإن كل عمل يحتاج إلى نوعيات معينة من الكفاءات التي تختلف متطلباتها من مجال لآخر . وهذه القضية كانت على الدوام مجالا للطرح والنقاش من العديد من كتاب الرأي ، كونها قضية وطنية بالدرجة الأولى . وما أطرحه اليوم لا يعدو كونه إسهاما في هذا النقاش ، عله يوجه الانتباه إلى جوانب مهمة من هذه القضية .
من بداهة القول أن مجالات العمل تتنوع في تخصصات مختلفة ، وهذه التخصصات تكون في مجملها ما يسمى بسوق العمل الذي يفترض أن يكون الموجه الرئيس لبرامج التعليم الوطنية لتكون رافدا لهذا السوق عبر توفير خريجين ذوي مهارات وقدرات ومعارف تلائم متطلبات سوق العمل . وهذه التخصصات تتراوح بين تخصصات نادرة مثل بعض التخصصات الطبية والتقنية والمعرفية وغيرها ، وتخصصات متوافرة وهي التي يغلب عليها التخصصات النظرية . وعند الحديث عن قضية استيراد الكفاءات نجد أن واقع الممارسة يشير إلى غلبة جانب الاستقدام من خارج المملكة ، الأمر الذي يخلق انحرافا في التوازن بين القوى العاملة الوطنية والأجنبية . وبطبيعة الحال ، فإن الأولوية في أي اقتصاد يجب أن تكون لتوظيف القوى العاملة الوطنية على حساب الأجنبية منها . وفي حال عدم توفر الكفاءات المحلية عندئذ يكون استقدام الكفاءات واستيرادها أمرا مبررا . ولكن الواقع الذي نشهده في المملكة يناقض هذا المبدأ ، إذ نجد أن سوق العمل يعج بالوجود الأجنبي الذي يكون استيراده في كثير من الأحيان أمرا غير مبرر . وكثيرا ما نرى عمالة أجنبية تأتي إلى المملكة دون حاجة فعلية ، ومنهم الكثيرون الذين يقومون بشراء التأشيرات بهدف القدوم إلى المملكة ومن ثم البحث عن فرص عمل ينافسون فيها المواطن صاحب الأحقية ، خاصة وأن معدلات أجورهم تقل عن تلك التي يمكن أن يقبل بها المواطن ، وخاصة في ظل غياب حد أدنى للأجور يرفع من تنافسية المواطن أمام الأجنبي في سوق العمل .
الغالب في هذه القضية النزعة إلى إلقاء اللوم على القطاع الخاص في توظيف واستقطاب العمالة الأجنبية ، وهناك من يتهم المسئولين في القطاع الخاص في مواطنتهم وعدم حرصهم على مصالح المواطنين . ومع أن الكثير منهم ليسو براء من هذه التهمة ، إلا أن القوانين والتشريعات التي تسمح بالاستقدام على عواهنه هي المسئول الأول عن هذه الظاهرة . والمشكلة ، أن منظومة الإجراءات التي تتناول مشروعات التنمية لم تأخذ في اعتبارها هذا الجانب . فعلى سبيل المثال ، نظام المشتريات الحكومية الذي يضع أقل الأسعار أساسا لترسية المشاريع هو الدافع الأكبر للبحث عن العمالة الأرخص ، وهو بالتالي من يفسح المجال للكفاءات الأجنبية للتفوق في هذه المنافسة غير العادلة . كما أن غياب تطبيق حد أدنى للأجور يتسبب بشكل مباشر في إضعاف تنافسية المواطن أمام الأجنبي . وبالتالي ، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يأتي بفرض حلول السعودة وإلقاء التهم على القطاع الخاص ، بل إنه يتطلب معالجة شاملة قصيرة المدى لكافة منظومة التشريعات والأنظمة التي تتعلق بمشروعات التنمية لتحقيق أرضية ملائمة تفسح المجال وتعطي الأولوية للمواطن للانخراط في هذه الأعمال عوضا عن الأجنبي قليل التكلفة . علاوة على معالجة شاملة طويلة المدى تتبنى خطة استراتيجية لتطوير قطاع التعليم والتعليم العالي لتوفير التخصصات والكفاءات التي يحتاجها سوق العمل .
أحد الجوانب التي يبدو أنها استعصت حتى على الدراسة هو نظام الكفالة الذي أؤمن جازما بأنه يمثل أحد أهم الأسباب لضعف القدرة التنافسية للكفاءات الوطنية . وهذا النظام في واقع ممارسته الحالية يشكل حماية قصوى للعامل الوافد ، ويمكنه من الانتقال السلس دون عناء بين جهات العمل المختلفة ، وهو ما يتناقض مع صلب الهدف الأساسي لهذا النظام ، وذلك في ظل ما يشهده واقع الممارسة من مكاتب العمل في التعاطي مع ممارسات الوافدين في هذا المجال . وفي الحقيقة ، فإن هذا النظام الذي وصم المملكة في الرأي العام العالمي بممارسة الاستعباد الوظيفي لم يحقق الأهداف المرجوة منه ، بل إنه انقلب وبالا على واقع العمل ، وسبب الكثير من المعاناة لأصحاب العمل والعاملين على حد سواء . وبالرغم من أن هذا الموضوع قد تناوله الكثير من كتاب الرأي بالتحليل والتمحيص والنقد ، إلا أنه لم يحظ بعد بالاهتمام الكافي ليكون موضعا لدراسة جادة تنظر في إمكانية مراجعته وتطويره أو حتى إلغائه ، على الأقل على سبيل التأسي بما شهدته بعض من دول الخليج في هذا المجال ، وهي الدول التي تتشابه مع المملكة في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسكانية .
أعود إلى الحديث عن استيراد الكفاءات ، وأقول أن استقطاب الكفاءات المتخصصة والنادرة أمر محمود ومفهوم ، ولا يمكن بدونه إنجاز العديد من المشروعات النوعية التي تشهدها التنمية الوطنية . إلا أن هذا الاستيراد لا يجب أن يكون الحل الدائم على مر السنين ، ولابد من السعي لسد النقص في هذه المجالات عبر خطط وبرامج واضحة المعالم تسعى إلى توطين الخبرات والتخصصات النادرة ، ونقل الخبرات العالمية إلى أبناء الوطن . ومن جانب آخر ، فإن ما لا يمكن فهمه بأي حال من الأحوال ، هو الاستشراء الواضح لظاهرة استيراد كفاءات في مجالات متدنية ، بل وأحيانا في مجالات تتعارض مع متطلبات الأمن والاستقرار الوطني . وهناك الكثير من المشاهد التي تدل على هذا الواقع ، ولا أتحدث هنا عن العمال الحرفيين الذي يقومون بمهام يترفع عنها المواطنون في العادة ، فكلنا يرى بين الفينة والفينة وافدين يقومون بممارسة التسول عند إشارات المرور والمحلات التجارية ، أو يعرضون خدمات التوصيل في سياراتهم الخاصة في مطارات مدن المملكة . عندما أرى بيانات وزارة الداخلية عن مطلوبين أجانب أتساءل عما إذا كان الإجرام هو من بين المجالات التي يحتاج سوق العمل لاستيراد الكفاءات المتخصصة فيها . هذا الواقع الأليم ما هو إلا نتيجة حتمية للاستيراد المفتوح للعمالة ، والذي يشكل أداة لتجار التاشيرات للتربح السريع دون حرص حقيقي على مكتسبات الوطن . والمشكلة ، أن هذه الممارسات تتم في العادة من أفراد يملكون النفوذ والسطوة التي تمكنهم من القيام بمثل هذه المخالفات دون حسيب أو رقيب ، في الوقت الذي يعاني فيه أصحاب الأعمال الحقيقية الأمرين في الحصول على متطلباتهم الفعلية من تأشيرات العمل لاستيراد الكفاءات اللازمة للقيام بأعمال حقيقية ضمن مشروعات التنمية .
خلاصة القول ، واقع الاستقدام يتطلب مراجعة حقيقية وشاملة لمعالجة هذه المشاهد التي نراها في حياتنا اليومية ، وللتأسيس لتوظيف فعال للكفاءات التي يمكن أن تقدم لقضية التنمية قيمة مضافة حقيقية . وكلنا ينظر بعين الأمل إلى وزارة العمل ووزيرها الجديد لرفع راية هذا التوجه وهذه المعالجة ، ليس فقط لدعم مسيرة التنمية ، بل لحمايتها من ممارسات ومشاهد لا يمكن قبولها بأي حال من الأحوال .

الأحد، ١٣ فبراير ٢٠١١

البنوك التجارية - حوار مع مسئول


وهذا المسئول هو مسئول افتراضي ، مع أن هذا الحوار كان حوارا حقيقيا دار الأسبوع الماضي مع أحد المسئولين في أحد البنوك التجارية السعودية العريقة ، ولكنني آثرت أن أجعله اليوم حوارا افتراضيا لأبتعد أولا عن الشخصنة في الطرح ، ولأن كافة الآراء التي عبر عنها هذا المسئول هي في الحقيقة تمثل موقفا موحدا أسمعه من كل المسئولين في كل البنوك ، وكأني بهم وهم ينسقون جهودهم أو ينهلون من معين واحد ، أو ربما لأنهم يعيشون في ذات المستوى المترفع المتعالي عن واقع المجتمع ، بما يعطيهم الحق ليمارسو أرقى حالات التنظير والتفسير والتبرير والتعبير والتأطير ، دون مقاربة حقيقية لهذا الواقع . وفي الحقيقة ، كنت دوما أتساءل عن طبيعة الدور المتعلق بوظيفة كبير الاقتصاديين التي نسمع عنها في البنوك ، إلا أن حواراتي المتكررة مع عدد منهم ، وما نسمعه بين الفينة والفينة منهم ، أوضح لي أن مهمة هؤلاء المسئولين هي إدارة لعبة الأرقام والنظريات الاقتصادية في شكل يغلب عليه مفهوم العلاقات العامة أكثر منه إدارة اقتصادية حقيقية لواحد من أهم القطاعات الفاعلة في مسيرة التنمية .
موضوع الحوار المتكرر المتجدد هو بنوكنا ودورها في التنمية ، وهو موضوع نجده عنوانا لكثير من المؤتمرات والمناسبات والمقالات والطروحات والبيانات التي غالبا ما تكون البنوك هي الراعي الرسمي لها ، وبالتالي تجد أن المتلقي لا يسمع إلا وجهة نظر البنوك المليئة بالعبارات التسويقية وممارسة تلميع الذات . وقضية التنمية هي قضية تهم كل المؤسسات والقطاعات في الوطن ، ونجاح التنمية لا ولن يتم إلا بتضافر جهود هذه القطاعات . ومشكلتنا المزمنة هي في هذا الانفصال المشهود بين هذه القطاعات في منظومة التنمية ، وانفراد كل منها برؤيتها وأهدافها وأجنداتها الخاصة ، والتي تتعارض في كثير من الأحيان بين بعضها البعض ، وكأنها تعيش في جزر منفصلة ، في مشهد من التضاربات والفوضى والفردية والتشتت التي تجعل كل الجهود بالرغم من صدقيتها ومشروعية أهدافها لا تحقق الأهداف المرجوة ، ولا تؤدي بجهود التنمية إلى النجاح المأمول . وبنوكنا التجارية أحد هذه القطاعات ، وربما أحد أهمها على الصعيد الوطني ، كونها تمثل الرافد الأهم لتمويل جهود التنمية . والحقيقة ، أن البنوك ، ربما لكونها بنوكا تجارية ، يغلب على أعمالها وأجنداتها الصبغة التجارية البحتة ، والبحث عن تحقيق الأرباح المباشرة لمجمل عملياتها ، في غياب واضح لأداء دور فاعل ومبادرات حقيقية لمعالجة المشكلات التي تعيق مسيرة التنمية ، والتي يمثل جانب التمويل عنصرا أساسيا فيها .
قلت أن دور البنوك في قضية التنمية هو دور حيوي وهام ، فهي تمثل الرافد الأهم لتوفير التمويل اللازم لخطط ومشروعات التنمية . وحين نتحدث عن التمويل البنكي ، نرى أن البنوك انجرفت في فترات سابقة في توجيه التمويل لكيانات تجارية عائلية ، في ممارسة مغرقة إلى العظم لمفهوم التمويل الشخصي عوضا عن تمويل المشروعات . والمشكلة أن تلك الفترة شهدت تفضيلا للبنوك لتمويل لأفراد والكيانات التي كانت البنوك تعتبرها جهات ذات مراكز ائتمانية مرتفعة ، وأشاحت بوجهها عن تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يعلم الجميع أنها تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد ناجح . وعندما عصفت الأزمة المالية العالمية باقتصادات العالم ، وبرزت حالات التعثر المشهودة من عدد من السماء المرموقة في عالم التجارة والاقتصاد ، بادرت البنوك بإغلاق محافظها وخزائنها ، ورفعت معايير التحفظ في الإقراض والتمويل إلى درجات غير مسبوقة ، وأصبحت كل الكيانات التجارية ، كبيرها وصغيرها ، يستجدي التمويل من البنوك ، حتى اصبحت البنوك تملك فوائض مالية كبيرة لا تدري كيف توظفها ، خاصة إذا علمنا أن حوالي 180 مليار ريال من أموال البنوك تم توظيفها في استثمارات خارجية أو في شكل ودائع لدى مؤسسة النقد العربي السعودي . إن قصور التمويل البنكي للكيانات التجارية والاقتصادية ، وبخاصة الصغيرة والمتوسطة منها ، يمثل عقبة حقيقية في مسيرة التنمية ، وهذا المبلغ الضخم الذي أشرت إليه يمكن أن يشكل دعامة مهمة لهذه الكيانات ، وأن يسهم في معالجة مشاكل البطالة المتفاقمة ، فيما لو وجهته البنوك لدعم الاقتصاد الوطني .
كنت قد تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن قضية الضمانات البنكية ، والحديث هنا يمسها من جانب دور البنوك التجارية ، ففي الوقت الذي توظف هذه البنوك تلك المبالغ الضخمة في استثمارات خارجية بحثا عن الربح المضمون ، تعاني شركات المقاولات المحلية الأمرين في الحصول على التسهيلات اللازمة لتمكينها من الانخراط بفعالية في مشاريع التنمية . والمشكلة ، أن اقتصاديي البنوك يتحدثون عن انحسار الطلب على الائتمان إبان الأزمة المالية العالمية ، فعن أي انحسار يتحدثون ؟ . إن كان القصد هو انحسار الطلب التقليدي من النمط القديم فهذا واقع صحيح . ولكن الطلب على الائتمان لم ينحسر البتة ، بل شهد تزايدا كبيرا في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، خاصة في ظل زيادة المشروعات الحكومية ، وتنامي الطلب على الإسكان والعديد من المنتجات الاستثمارية والتجارية الأخرى . والبنوك تتحدث عن قيامها بتوفير تمويل بلغ حوالي المليار وسبعمائة مليون ريال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال برنامج كفالة الذي يديره صندوق التنمية الصناعي ، ولكن ماذا يمثل هذا الرقم بالنسبة إلى حجم المبالغ المستثمرة في الخارج ، وحجم الطلب الهائل على التمويل البنكي من هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ؟ .
تتحدث البنوك من وقت لآخر عن بعض برامج المسئولية الاجتماعية ، وفي رأيي ، أن التعبير الحقيقي عن المسئولية الاجتماعية يتجاوز بمراحل برامج الأسر المنتجة ومثيلاتها من البرامج ، إن المسئولية الاجتماعية تتطلب انخراطا حقيقيا للبنوك في قضية التنمية عبر توفير التمويل بمختلف أشكاله للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة . إن حملات القروض الاستهلاكية التي تتسابق البنوك لإطلاقها بين الفينة والفينة لا تحقق نهضة اقتصادية حقيقية ، بل تؤدي إلى تعميق مشكلة المديونية غير المنتجة في المجتمع . إن تمويل التنمية الحقيقي هو التمويل الموجه إلى القطاعات الانتاجية والخدمية ، وليس التمويل الموجه لشراء السيارات والأثاث والرحلات الترفيهية . والمشكلة ، أن البنوك الأجنبية التي حصلت على رخص عمل في المملكة ، والتي كان يؤمل منها الكثير في نقل تجاربها في الدول التي جاءت منها ، انخرطت في أداء ذات النموذج الذي تعودناه من البنوك المحلية . وهو ما يشير إلى خلل في دور مؤسسة النقد في هذا المجال ، وحجم القيود التي تفرضها على البنوك العاملة في المملكة لأداء دور حقيقي في مسيرة التنمية . وبالرغم من ذلك ، إلا أن البنوك يمكنها أن تكون أكثر فعالية عبر تبني مبادرات مبدعة وخلاقة لأداء الدور المأمول منها بالرغم من القيود المفروضة عليها . أبسط مثال على ذلك المبادرة بصياغة حلول توظف مفهوم التأمين على الاستثمار لمعالجة مشكلة قصور القدرات الائتمانية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وكذلك تأسيس محافظ استثمارية متخصصة موجهة لدعم مبادرات الأعمال والاستثمارات الناشئة ، عوضا عن التركيز على تمويل الكيانات الكبيرة .
خلاصة القول ، تحقيق أهداف التنمية ومسيرتها الطموحة يتطلب من البنوك رفع راية المبادرة والانخراط الحقيقي والتكامل مع القطاعات العاملة في المملكة كبيرها وصغيرها . والواقع الراهن لن يحقق لهذه البنوك المردود الاجتماعي الذي تتطلع إليه ، ولا المستقبل الآمن في تحقيق الأرباح على المدى الطويل . والأجدر بالبنوك أن تتبنى مفهوم الاستثمار في الكيانات الناشئة لتوفر لأنفسها مراكز ربحية ثابتة على المدى الطويل .

الأحد، ٦ فبراير ٢٠١١

الضمانات البنكية ونزف التنمية

الحديث عن تعثر المشاريع حديث ذو شجون، وهو حديث متواصل وقائم طالما قامت المشكلة وبقيت جذورها ومسبباتها دون علاج. وربما كانت كارثة جدة أحد الأحداث المتكررة التي تشد الانتباه لهذه المشكلة، خاصة بعد تصريح معالي أمين جدة الذي قال فيه إنه وضع يده على أكثر من 30 مشروعا متعثرا بعد توليه مهام منصبه المحمل بالهموم والمسؤوليات الجسام. كنت دوما أوجه أصابع اللوم والاتهام إلى نظام المشتريات الحكومية كأحد أهم مسببات هذه المشكلة، واليوم، أخص بحديثي أحد جوانب هذا النظام الذي أعتقد جازما أنه يمثل أحد جوانب المشكلة، وهو قضية الضمانات البنكية.
أبدأ حديثي كالعادة بتعريف الموضوع، فالضمانات البنكية هي ضمانات مالية أبدعها نظام المشتريات الحكومية كوسيلة لحفظ حقوق الدولة في عقودها مع المقاولين والموردين والمستشارين الذين يتم تكليفهم بتنفيذ مشاريع التنمية. والضمانات البنكية ثلاثة أنواع، أولها هو الضمان الابتدائي، وهو الضمان الذي يتم تقديمه مرفقا مع العرض المقدم من المقاول لإثبات جديته في العرض، وتساوي قيمته في العادة 1 إلى 2 في المائة من قيمة العرض. وثانيها هو ضمان الدفعة المقدمة، وهو الضمان الذي يقدمه المقاول مقابل تسلم قيمة الدفعة المقدمة، وهي تتراوح في العادة بين 5 و10 في المائة من قيمة العقد. وثالثها هو الضمان النهائي أو ضمان حسن التنفيذ، وهو الضمان الذي يقدمه المقاول لحماية صاحب العمل من أخطاء التنفيذ، وهو يعادل في العادة نسبة 5 في المائة من قيمة العقد، ويحتفظ به صاحب العمل لمدة سنة كاملة بعد إتمام الاستلام الابتدائي للمشروع، وحتى إتمام استلامه استلاما نهائيا. وهذه الضمانات تصدر من قبل البنوك التجارية العاملة في المملكة، ويتم تغطيتها بما يسمى التغطية النقدية التي تتراوح بين الصفر المئوي والتغطية الكاملة تبعا لعقد التسهيلات الائتمانية الذي يعقده المقاول مع البنك. ومع أن الضمانات البنكية بدأت بإبداع من نظام الدولة للمشتريات الحكومية، إلا أنه أصبح تطبيقا شائعا حتى في المشاريع التي تقوم بها مؤسسات القطاع الخاص وشبه الخاص، بما في ذلك شركات أرامكو وسابك والاتصالات والشركات العقارية وكافة الشركات الصغيرة والكبيرة، وحتى الأفراد أصبحوا يشترطون مثل هذه الضمانات في عقود مشاريعهم.
أنتقل تاليا إلى الحديث عن المشكلات المرتبطة بقضية الضمانات البنكية، وأول هذه المشكلات هي في أن هذه الضمانات هي بحق وسيلة من وسائل الإذعان في العقود، وتجعل المقاول في موقف الطرف الأضعف نتيجة لامتلاك صاحب العمل لحق تسييل هذه الضمانات دون قيد أو شرط وفي أي وقت يشاء. ومشكلة الإذعان في العقود هي صلب المشكلة في سوء أداء المقاولين والتي تؤدي في النتيجة إلى تعثر المشاريع. فالعقود المنحازة لأحد طرفيها لا يمكن أن تجعل مناخ العمل صحيا، ويغلب على أداء المقاولين في ظل هذا المناخ السعي للتلاعب وتقليص المصروفات على المشاريع حتى لو كان ذلك على حساب الجودة، علاوة على أنها تقوم في الغالب الأعم بالعمل على تجنيب قيمة تلك الضمانات من حساباتها المالية؛ تحرزا لمصادرة تلك الضمانات، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكاليف وقيم عقود المشاريع دون حاجة، محملة ميزانية الدولة أعباء غير منظورة.
ثاني المشكلات أن معظم شركات المقاولات لا تملك قدرة ائتمانية وتسهيلات بنكية كافية للحصول على الضمانات اللازمة للمنافسة بفعالية على المشاريع المطروحة للتنفيذ، وهو ما يؤدي إلى حصر المنافسة على تلك المشاريع في عدد محدود من المقاولين، في تكريس مطلق لظاهرة استئثار عدد محدود من المقاولين بالكم الأكبر من مشاريع التنمية، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى إضعاف قطاع المقاولات بشكل عام. وما زاد الطين بلة في السنتين الأخيرتين إبان الأزمة المالية العالمية، أن البنوك قامت برفع سقف اشتراطات منح الضمانات والتسهيلات البنكية، وأصبحت معظم شركات المقاولات مضطرة لتوفير أغطية نقدية كاملة للضمانات التي تحتاج إلى إصدارها، وهو ما زاد من تعميق المشكلة التي أشرت إليها.
ثالث المشكلات أن احتجاز مبالغ التغطية النقدية لإصدار الضمانات البنكية يؤدي إلى تعطيل مبالغ هائلة من الانخراط في دورة الاستثمار والتنمية. فالمقاول الذي يقدم مبلغا نقديا إلى البنك مقابل إصدار ضمان ما لا يتسنى له استخدام ذلك المبلغ في أية عمليات تشغيلية، وهو ما يحد من قدرة المقاولين من الصرف على مشروعاتهم بالشكل المطلوب، ويؤدي في النتيجة إلى تعثرهم في إنجاز تلك المشاريع التي تعاقدوا عليها. والحقيقة، أن البنوك التي تحتجر تلك المبالغ تقوم باستثمارها في عملياته التجارية المتنوعة دون أن يكون للمقاولين المودعين لتلك المبالغ أي حق في الحصول على نسبة من عوائد استثمارها، وهو ما يمثل إجحافا كبيرا بحق المقاولين، خاصة أنهم يدفعون جميع المصاريف والرسوم الإدارية التي تقوم البنوك بفرضها عليها لإصدار تلك الضمانات.
رابع المشكلات هي غياب الآليات المنظمة لممارسة صاحب العمل حقه في مصادرة الضمان؛ إذ إن صاحب العمل في الأغلب يملك الحق المطلق في مصادرة الضمانات حين شاء، دون أن يكون ذلك مبنيا على أي إجراء إداري أو قضائي للتحقق من تقصير المقاول الموجب لمصادرة الضمانات. والمشكلة أن قصور الأداء القضائي وبطء صدور الأحكام في مثل هذه القضايا يجعل المقاول في موطن الطرف الأضعف، ولو صودر ضمانه دون قناعة منه بتهمة التقصير واضطر إلى اللجوء إلى القضاء فإنه يعاني الأمرين قبل أن يحصل على نتيجة مرضية وعادلة. وحتى لو حصل على حكم منصف فإن تعنت الجهات الحكومية والسلطة التي تملكها وزارة المالية في هذا الأمر تجعل من تنفيذ ذلك الحكم أمرا صعب المنال. هذا الواقع هو ما يجعل المقاولين يعمدون إلى تحميل قيمة الضمانات البنكية فوق القيم الحقيقية للعقود، وهو ما يعد هدرا مخلا لموارد الدولة كما ذكرت سابقا. هذه المشكلة تصبح أشد وقعا في العقود مع القطاع الخاص؛ إذ إن المبادرة إلى مصادرة الضمانات دون وجه حق أصبحت ظاهرة ملموسة كبيرة التأثير، خاصة أن القضاء في بلادنا لا يؤمن بمبدأ التعويض عن الضرر، وهو ما يمكّن صاحب العمل من مصادرة الضمان وتأجيل صرف قيمته لفترة من الزمن يعاني فيها المقاول المسكين الأمرين حتى حصوله على حكم بصرف قيمة الضمان المصادر دون أي تعويض يذكر.
خلاصة القول، مشكلات الضمانات البنكية وما توقعه من أعباء على أطراف التعاقد في مشاريع التنمية معروفة للجميع، خاصة للمقاولين المتضررين من هذا الواقع. وما ذكرته من مشكلات لا يبرز حجم القضية، فهناك الكثير من المشكلات الأخرى التي تزيد من عمق المشكلة. وفي الحقيقة، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة نظام المشتريات الحكومية ونماذج عقوده، والسعي إلى تحقيق مزيد من التوازن بين أطراف العلاقات التعاقدية، وتقنين إصدار الضمانات البنكية في مشروعات القطاع الخاص. وربما يكون التأمين على العقود نموذجا لنوع آخر من الإجراءات الحمائية التي توفر لأصحاب العمل الأمان المطلوب بعيدا عن المشكلات التي توقعها آلية الضمانات البنكية القائمة.