بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ١١ يونيو ٢٠١٢

وما زالو يتطاولون في البنيان


سبعمائة وثلاثون يوما كاملة مرت منذ نشرت في هذه الجريدة مقالا بعنوان "يتطاولون في البنيان" سطرت فيه عددا من التساؤلات والملاحظات حول ظاهرة المباني العالية التي باتت مسيطرة على مشهد التطوير العمراني في المدن السعودية الكبرى على وجه الخصوص . لم أكن أتوقع بالطبع أن يؤدي ذلك المقال إلى إحداث تغيير مباشر على واقع هذا المشهد ، ولكنني رجوت على الأقل أن يحدث حالة من المراجعة والتقييم وربما حتى المناقشة المضادة لمضمون تلك التساؤلات والملاحظات التي تضمنها المقال . وبعد مرور هذه المدة ، طالعت اليوم خبر عقد اجتماع لمستثمري مشروع برج جدة الشاهق الذي أعلن أنه سيكون الأعلى في العالم لمناقشة سير العمل في هذا المشروع . هذا المشروع ليس الوحيد الذي يقع في تصنيف المباني العالية التي ناقش المقال جدواها ، ولكنه بالتأكيد يمثل حالة متطرفة من التعبير عن هذا الاتجاه في تطوير المباني العالية ، خاصة مع كل تلك الأرقام الفلكية التي تضمنها الخبر عن مساحة المشروع ومكوناته وتكلفة تنفيذه . والمشكلة أن كل تلك المدة منذ نشر ذلك المقال شهدت تصاعدا مطردا لأرقام الطلب على المساكن ، وارتفاعا متواصلا لأسعار الأراضي ، وعجزا مستمرا عن إيجاد حلول مثمرة لأزمة الإسكان المستشرية ، بما في ذلك تعثر مشاريع تطوير المناطق العشوائية التي تشهدها على وجه الخصوص مدينة جدة موطن هذا المشروع الخارق .
مدينة جدة ، عروس البحر الأحمر التي علتها ملامح الشيخوخة المبكرة ، تعيش كثيرا من المشاكل الهيكلية في بنيتها العمرانية والقصور المشهود في بنيتها التحتية وشبكات الخدمات فيها . هي ذات المدينة التي لا زال أهلها يتذكرون صور كارثتي السيول المتتابعتين فيها دون أن يرو بعد ثمرة جهود المعالجة التي تم الإعلان عنها مؤخرا . وهي ذات المدينة التي يئن سكانها من ازدحام الطرق والشوارع فيها ، خاصة مع تأخر وتعثر العديد من مشروعات الجسور والأنفاق التي كان يفترض إنجازها منذ سنوات مضت . وهي ذات المدينة التي يعاني أهلها من انقطاع المياه المتكرر ، وتجوب شوارعها صهاريج الصرف الصحي التي تسد ثغرة النقص في تنفيذ شبكاتها التحتية . وهي ذات المدينة التي يصرخ سكانها بالشكوى من ارتفاع تكاليف إيجار المساكن حتى بلغت عنان السماء فيما هم عاجزون عن تحقيق حلم تملك مساكنهم في ظل عجز أجهزة الدولة وعلى رأسها وزارة الإسكان عن تحقيق اختراق حقيقي في معالجة هذه الأزمة . وهي ذات المدينة التي لا زال أهلها يحلمون بإنجاز مشروع المطار الحلم فيما هم وضيوفهم يعانون الأمرين من مطارها الحالي الذي لم تفلح جهود الترقيع التي طالته في تحسين بيئته المهلهلة . هذه الحالة من التناقض الصارخ لا يمكن إلا أن تثير التساؤلات حول جدوى بناء مثل هذا المشروع في مثل هذه المدينة الجريحة ، فهي أحوج إلى هذه المليارات لمعالجة مشكلاتها وتوفير حياة كريمة لسكانها بدلا من التباهي والتفاخر والمنظرة وسباق التطاول في البنيان . مشروع برج جدة ليس مشروعا لأهل جدة ، بل هو مشروع للنخبة الذين يملكون الإمكانات المادية ليعيشو غمار التجربة الثرية التي سيقدمها ، وهو مشروع لاستنزاف موارد الناس الذين سيغريهم المشروع بزيارته والتجول في أسواقه وجنباته وربما أيضا الصعود إلى قمته الشاهقة ليتفرجو على جدة من عل لكي لا يرو ما أصابها من تلف . أحد المستثمرين قال أن هذا المشروع سيكون رافدا للسياحة في هذه المدينة ، وأنا لا أدري هل هو بهذا الحديث يضحك على أهل جدة أم على نفسه أم على رفاقه من المستثمرين ، فعن أية سياحة يتحدث في مدينة يحدث أهلوها أنفسهم بهجرانها بعد أن حاصرتهم وأرقتهم معاناتهم اليومية فيها ، وعن أية سياحة يتحدث في بلد لا يملك أيا من المقومات الأساسية لصناعة سياحية حقيقية . حتى أولئك الذين يمكن أن يستقطبهم هذا المعلم العالمي من سياح الخارج سيصطدمون بواقع عجزهم عن الحصول على تأشيرات لدخول بلد لا زال مغلقا في وجه أفواج السياحة العالمية .
بعيدا عن الحديث العاطفي ، فإنني أجدد أيضا ذات التساؤلات التي طرحتها في مقالي السابق في معرض الحديث عن هذا المشروع في هذه المدينة الجريحة . فهل بنية جدة العمرانية يمكنها أن تستوعب مثل هذا البرج والأبراج المحيطة به ، وهل شبكات الطرق التي كانت مصممة لمبان أقل ارتفاعا وفق الأنظمة السابقة يمكنها أن تستوعب حجم الحركة المرورية التي تصبها تلك الأبراج فيها ، وهل تملك أجهزة الدفاع المدني الإمكانات والقدرات الفنية والبشرية لمواجهة أية حرائق أو كوارث يمكن أن تصيب أيا من هذه الأبراج لا سمح الله . كل هذه التساؤلات وغيرها مما أوردته في مقالي السابق تتطلب وقفة جادة لمراجعة هذه الظاهرة الخطيرة ، على الأقل ، كما قلت سابقا ، لتقنين هذه الظاهرة والسيطرة على هذا السباق المحموم للتطاول في البنيان ، وتشجيع توجيه الاستثمارات إلى مجالات أخرى تمثل في بعضها حاجات حقيقية وملحة ، وعلى رأسها قطاع الإسكان ، وكذلك لتفعيل استراتيجية التنمية الوطنية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر منذ سنوات دون أن تجد سبيلا للتطبيق الحقيقي على أرض الواقع ، وهي تلك التي تدعو إلى توزيع وتوازن الاستثمارات عبر محاور التنمية الإقليمية والوطنية عوضا عن تركيزها في المدن الكبرى التي باتت تعاني حالات من النمو السرطاني الخطير .
خلاصة القول ، هذا المشروع وغيره من المشروعات المشابهة ، بما فيها مشروع مركز الملك عبد الله المالي ومدينة الاتصالات والتقنية وأبراج استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وغيرها الكثير إنما هي مشروعات تهدر موارد الوطن ومقدرات أبنائه . وإذا كانت كل تلك الكيانات التي تقوم عليها تعمل من منطلق استثماري بحت بحثا عن الربح الجزيل ، فهل يمكن أن تبقى الدولة وأجهزتها ، وعلى رأسها وزارة الشئون البلدية والقروية ، في هذه الحالة المستمرة من الصمت والتراخي ؟ . أرجو ألا تمر سبعمائة وثلاثون يوما أخرى أكتب بعدها مقالا آخر عن مشروع خارق آخر من مشاريع التطاول والتفاخر الجوفاء .

لماذا لا يوجد لدينا مطورون عقاريون


هذا السؤال طرحه وحاول الإجابة عليه المهندس سعود القصير المدير العام السابق لشركة دار الأركان للتطوير العقاري في المحاضرة التي ألقاها في الملتقى الذي نظمته الجمعية السعودية لعلوم العقار قبل حوالي أسبوعين . مجرد طرح هذا السؤال من هذا الرجل يعكس اعترافا صريحا بهذه المشكلة ، وهي حالة شكلت من ناحية عقبة كأداء في سبيل حل أزمة الإسكان في المملكة ، علاوة على كونها أصبحت ذريعة لتبني وزارة الإسكان منهج البناء الذاتي والمباشر في مشروع خادم الحرمين الشريفين لبناء 500,000 وحدة سكنية . المحاضر الخبير عرض عددا من الأمور التي رأى أنها تبرر هذه الحالة الشاذة في سوق يمثل فيه القطاع العقاري ثاني أكبر القطاعات الاقتصادية بعد القطاع النفطي ، بما فيها قصور التمويل الموجه لدعم شركات التطوير العقاري ، والعقبات اليروقراطية في إجراءات الجهات الحكومية لاعتماد المخططات وتراخيص البناء ، وصعوبة المنافسة السعرية مع المطورين الأفراد في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية لشركات التطوير العقاري الكبرى في ظل سيطرة ثقافة الاسترخاص والبناء "التجاري" لدى شريحة صغار المطورين ، وغير ذلك من المبررات التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان . حديث المحاضر الكريم ، بالرغم من صحة ما احتواه ، جاء مجددا لموقف إلقاء اللوم والمسئولية على الآخرين وتبرئة أصحاب القطاع من أي كم من المسئولية عن هذا الواقع المخل ، وهو ذات الموقف السلبي المتخاذل الذي يتبناه أصحاب أي قطاع من القطاعات الاقتصادية التي تواجه حالات من الخلل الهيكلي فيها . ومع أني أقر بصحة معظم ما ورد في تلك المحاضرة ، وحقيقة ضعف الدور الحكومي وقطاع التمويل في دعم شركات التطوير العقاري ، إلا أن أصحاب القطاع أنفسهم يتحملون شيئا من المسئولية في هذا الواقع ، خاصة في ظل عجزهم عن تبني أية مبادرات جادة للارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم في هذا المجال ، وعجز اللجان العقارية عن أداء دور فاعل ومؤثر لمد جسور الحوار البناء والفعال مع القطاعات الحكومية ذات العلاقة .
أحد أهم المشاكل التي تسم القطاع العقاري في المملكة هي أن معظم الشركات العقارية تفتقر إلى الاحترافية والتخصص ، وهي في معظمها شركات عائلية يغلب عليها الفكر الفردي في الإدارة . غياب التخصص أمر لا يمكن نكرانه ، فمعظم الشركات العقارية تخلط بين الاستثمار والتطوير والتسويق والتثمين وإدارة الأملاك ، بل وتمد يدها أحيانا إلى الأعمال الهندسية والبناء والصيانة وغيرها من الأنشطة التي يفترض أن تقوم بها كيانات متخصصة . حتى الشركات التي رفعت راية التخصص في التطوير العقاري ، بما فيها شركة دار الأركان للتطوير العقاري على سبيل المثال ، وقعت في فخ الخلط بين استثمار وتطوير الأراضي والمباني السكنية والتجارية والعامة ، إلى جانب التسويق والتمويل وإدارة الأملاك وغير ذلك من الأنشطة والخدمات . المشكلة أن معظم تلك الشركات العقارية العائلية تعيش حالة من التشبع في الأموال والأصول العقارية وتحصيل العوائد المجزية السهلة من تجارة الأراضي ، وهو ما يجعلها أقل حرصا على خوض ما تعتبره مخاطرات مهنية واستثمارية في قطاعات أكثر عمقا وتخصصا ، كقطاع التطوير المتخصص لمشاريع الإسكان على سبيل المثال . حتى الشركات العقارية العامة المدرجة في سوق الأسهم تعيش حالة مماثلة من سيطرة الفكر العائلي والفردي على الإدارة ، بما فيها شركة دار الأركان التي استقال محاضرنا المحنك من مهمة إدارتها لتعود إلى أيدي مؤسسيها الأصليين .
المشكلة الأخرى في الشركات العقارية السعودية هي سيطرة النمطية والفكر التقليدي على أعمالها وأنشطتها ، بما فيها تلك المحاولات الخجولة في قطاع التطوير العقاري . أنا لم أسمع أبدا أن أية شركة عقارية ، بما فيها شركة دار الأركان ، سعت إلى تبني استخدام أنظمة حديثة للبناء بهدف رفع جودة مشاريعها وتقليل مدد البناء وتحجيم الهدر الناتج عن آليات البناء التقليدية ذاتها التي يستخدمها المطورون الأفراد الذين اشتكى من عدم القدرة على منافستهم محاضرنا الكريم . لم أفهم كيف يمكن لتلك الشركات الكبرى أن تكسب هذه المنافسة وهي تستخدم ذات الآليات وذات الأنظمة البالية في البناء . إن تحقيق مكاسب البناء الشامل والجماعي تتطلب توظيف خبرات ومهارات هندسية وتقنية متقدمة تختلف كليا عن نمط البناء السائد في الوقت الراهن . عندما نستطلع نموذج العمل الذي تبنته شركة دار الأركان على سبيل المثال في مشاريعها الماضية نرى أن الشركة خلقت في هيكل عملها مستويات متعددة من الإدارة ، بدء بإدارة الهندسة والمشاريع داخل الشركة ، ومرورا بشركة إدارة المشاريع العالمية التي أنهت عقدها بعدما استنزفت مواردها المالية ، وانتهاء بمقاولي الدرجة الأولى الذين استعانو كما جرت عليه العادة بشبكة تحتية من مقاولي الباطن ، وهلم جرا . هذه المستويات المتعددة من الإدارة كبدت الشركة مبالغ طائلة تم تحميلها بالطبع على تكاليف المشروعات ، وهو ما أدى إلى تضخيم التكلفة النهائية وسعر البيع للوحدات السكنية . المطورون الأفراد الذين اشتكى منهم المحاضر الكريم لم يقعو بالطبع في هذا الخطأ ، فهم يقومون بإدارة مشاريعهم بقدراتهم الذاتية ، وهو ما جعلهم أكثر قدرة على إنتاج وحدات سكنية أقل تكلفة وأكثر تنافسية . والمشكلة أن نوعية المنتج ومستوى جودته لم يختلف في الحالتين ، بل إنها تتفوق أحيانا في حالة المطورين الأفراد عليها في حالة الشركات العقارية .
أختم بالتعليق على جانب أورده المحاضر الكريم في معرض حديثه عن مبررات غياب شركات التطوير العقاري ، وهو جانب التمويل . والحقيقة ، أن سوق التمويل ، بالرغم من القصور الذي يسمه بشكل عام ، إلا أنه يعيش حالة من الازدهار التدريجي المتصاعد منذ إطلاق نظام الصناديق العقارية تحت مظلة هيئة سوق المال ، هذا إلى جانب قيام بعض البنوك بتوسيع مساهماتها في قطاع التمويل العقاري . المشكلة أن الشركات العقارية ، انطلاقا من حالة النمطية والتقليدية التي تعيشها ، قاومت بكل ما ملكت من قوة تبني هذه الوسائل والحلول التمويلية ، محاولة إعادة الحياة للمساهمات العقارية التي نظمتها وزارة التجارة تنظيما خانقا مميتا . والحقيقة التي ربما لا يعيها أولئك العقاريون هي أن آليات التمويل عبر الصناديق العقارية لا تحقق فحسب توزيع المسئولية في إدارة حقوق المساهمين والمستثمرين ، بل إنها علاوة على ذلك تؤسس دورا رقابيا فاعلا يسهم في الارتقاء بجودة المنتجات العقارية ، خاصة على مستوى شركات الرهن العقاري التي تمثل حلقة الربط بين المطورين من جهة والمستهلكين من جهة أخرى .