بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، ١٩ أكتوبر ٢٠١١

استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية - بقية من حديث


أكمل اليوم حديثي الذي بدأته في مقال الأسبوع الماضي عن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية واستثماراتها التي تشكل أحد مصادر التمويل فيها ، وأبدأ بتقديم شيء من الشرح الذي أروم منه الإجابة على تساؤلات أحد الإخوة الذي سجلو بعض التعليقات المتسائلة حول مضمون ذلك المقال . الأخ الكريم رأى أن ما طرحته تضمن شيئا من التناقضات المخلة ، فهو رأى أن دعوتي للمؤسسة لتنويع مصادر الدخل والاستثمار وخلق فرص استثمارية جديدة تعود على المؤسسة بعوائد مجزية تدعم احتياجاتها التمويلية وتمويل مبادرات الشباب ودعم جهود البحث والتطوير ودعم الحاضنات التقنية والصناعية إنما هو من أنشطة المسئولية الاجتماعية وليس فرصا استثمارية بالمعنى الاستثماري الذي يحقق عوائد مجزية للمؤسسة . ورأى أيضا تناقضا فيما ذكرته من أن المؤسسة أشغلت نفسها بالعمل كمطور عقاري بما يمكن أن يشغلها عن أداء مهامها الأساسية ، ثم دعوتي المؤسسة إلى قيادة مبادرات حقيقية لتأسيس كيانات متخصصة في التطوير العقاري المتخصص في مجال الإسكان . وأقول في معرض الإيضاح أن المؤسسة وهي تشتكي من قلة القنوات الاستثمارية المحلية ، وتوظف هذه الشكوى لتبرير توجهها المتنامي للاستثمارات الخارجية ، إنما هي تغمض أعينها عن الفرص الخفية في السوق المحلية ، والتي يمكن لها أن تعمل فيها كصانع للسوق وخالق للفرص التي يمكن أن توجه إليها استثماراتها لتحقيق عوائد مجزية من ناحية ، والمساهمة في تنمية الاقتصاد المحلي من ناحية أخرى . إن هذه الفرص الكامنة في مبادرات الشباب ومجالات النقص العديدة والمشكلات التي نعيشها في مختلف مجالات الحياة والتنمية تتطلب توجيه يد الرعاية إليها ليس فقط من قبيل المسئولية الاجتماعية ، وإنما من قبيل رعاية هذه الفرص وتنميتها لتتحول إلى كيانات استثمارية ناجحة يمكن أن تعود على أصحابها والمستثمرين فيها بالعوائد المجزية التي يتطلعون إليها . هذا الدور الذي أتحدث عنه هو الدور الذي يسمى اصطلاحا بالمستثمر الملاك ( Angel Investor ) ، والذي يقوم فيه باستثمار جزء من رأس ماله المغامر لاقتناص الفرص الوليدة والواعدة لتكوين كيانات تجارية واستثمارية تنمو على المدى الطويل لتحقق له عوائد مجزية . أما عن الجزء الثاني من التعليق فأقول أن المؤسسة قد قررت بعد فترة من التجربة المليئة بالمعاناة أن تنتقل من ممارسة التشغيل الذاتي لمشروعاتها الاستثمارية إلى الاستثمار في كيانات متخصصة في تلك المجالات . فالمؤسسة على سبيل المثال حولت استثماراتها المباشرة في القطاع الطبي إلى كيانات متخصصة في هذا القطاع ، فأنشأت شركة رعاية الطبية التي أصبحت تملك تلك المرافق الطبية التي كانت المؤسسة فيما مضى تقوم على تشغيلها ذاتيا . وم ذات المنطلق جاءت دعوتي للمؤسسة لقيادة مبادرات حقيقية لتأسيس كيانات متخصصة في التطوير العقاري المتخصص في قطاع الإسكان ، والبعد عن العمل المباشر في التطوير العقاري من خلال موارد المؤسسة البشرية الذاتية . هذا التحول يحقق للمؤسسة إمكانية التفرغ لأداء مهامها الأساسية ، وللكيانات التي تسهم في تأسيسها والاستثمار فيها فرصة النمو والتخصص وتنمية القدرات الذاتية ، وهو ما سيعود عليها بعوائد استثمارية مجزية على المدى الطويل .
من جهة أخرى ، فإن المؤسسة هي في الحقيقة ضحية واقع وجدت نفسها فيه مسئولة عن مهمة جسيمة دون أن توفر لها الدولة المناخ الملائم والوسائل اللازمة لتمكينها من أداء هذه المهمة بالشكل المطلوب . فالمؤسسة أجبرت على أن تعمل تحت كادر ديوان الخدمة المدنية ، وأصبحت في النتيجة غير قادرة على استقطاب كفاءات بشرية متخصصة لقيادة جهودها وتنفيذ خططها الاستثمارية ضمن المعدلات المنخفضة للدخول التي يوفره كادر الخدمة المدنية ، وهو ما حدا بالمؤسسة إلى الالتفاف على هذا الواقع عبر تأسيس شركة "حصانة" المستقلة لتكون ذراعها الاستثماري المتخصص ، حتى تتمكن من استقطاب وتوظيف كفاءات بشرية تمكنها من تنمية قدراتها الاستثمارية . إن حالات الفشل والخلل في كثير من استثمارات المؤسسة هو نتيجة لضعف القدرات الاستثمارية لدى منسوبيها وغياب تبني منهج احترافي لاختيار الفرص الاستثمارية الملائمة وتنويع المخاطر وغير ذلك . ونحن نرى كثيرا من الحالات التي يتم وضع مؤسسة التأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد في مقدمة المستثمرين في عدد من الشركات التجارية الجديدة وكأنما تأتي هذه القرارات فرضا عليهما وليس بقرار استثماري داخلي ناتج عن دراسة وتحليل عميق لهذه الفرص ، وها نحن نرى بعضا من هذه الاستثمارات وقد أصابها الفشل أو التعثر . ومع أن توجه المؤسسة لفصل نشاطها الاستثماري في شركة حصانة المستقلة هو توجه محمود بشكل عام ، إلا أن هذا التوجه يجب أن يشهد فصلا حقيقيا للقرار الاستثماري عن سلطة قيادات المؤسسة ، خاصة وأن النموذج الآخر لشركة الاستثمارات المملوكة للمؤسسة العامة للتقاعد لا يعد نموذجا ناجحا في وجهة نظر الكثيرين . أخشى ما أخشاه هنا هو أن تكون هذه الشركة الجديدة سببا في إهدار المزيد من الموارد إن هي لم تتمكن من العمل بعقلية مختلفة وصلاحيات مستقلة عن قيادة المؤسسة . والأمر الآخر الذي يمكن للمؤسسة أن تقوم به هو تأسيس مجموعة مستقلة من المستشارين الذين يمكن أن توظف المؤسسة خبراتهم المخزونة وقدراتهم الفكرية لدعم خططها وتوجهاتها الاستثمارية . وهو ما يمكن أن يحقق للمؤسسة آلية فاعلة لتوظيف خبرات محترفة في المجال الاستثماري دون أن تكون محملة على بنود مصروفات الرواتب الشهرية فيها .
من جهة أخرى ، فإن المؤسسة وهي تبحث عن مصادر لتمويل استثماراتها وتنمية مواردها المالية التي ستمكنها من الإيفاء بالتزاماتها تجاه المشتركين قد أغفلت أحد أهم مصادر التمويل المتاحة ، وهو مدخرات المواطنين . فالمؤسسة لا زالت حتى الآن تعمل على استثمار مواردها من رسوم الاشتراك ، والتي تمثل المصدر الوحيد لدخل المؤسسة في الوقت الراهن إلى جوانب عوائد استثماراتها القائمة . وأنا أتساءل هنا إن كانت المؤسسة قد فكرت ، إن لم يكن هناك مانع نظامي ، في تأسيس محافظ استثمارية توظف مدخرات المواطنين وتضخها في استثمارات تقوم المؤسسة على إدارتها وتنميتها والمشاركة في أرباحها . إن المؤسسة بما تملكه من موارد مالية سائلة كبيرة ، ومكانة استثمارية رائدة ، وسمعة ائتمانية مميزة ، يمكن لها أن تصدر صكوكا استثمارية تجمع مدخرات المواطنين السائبة التي تبحث عن عوائد مجزية ، وتوظفها في مشروعات واستثمارات تعود بالنفع على الجميع ، وتحقق للمؤسسة مصدرا إضافيا من مصادر التمويل . قد يقول قائل أن المؤسسة تملك موارد مالية سائلة كبيرة تغنيها عن استقطاب أموال ومدخرات المواطنين . وأقول في المقابل أن هذا الأسلوب قد تم تبنيه في كثير من الشركات والكيانات التي تتمتع بمثل هذه الموارد المالية ، ومنها على سبيل المثال شركة سابك وشركة الكهرباء ، ومع ذلك فهي تقوم بإصدار صكوك وتأسيس محافظ استثمارية تجمع من خلالها مزيدا من الأموال لتمكينها من التوسع في استثمارات مجزية تعود على الجميع بالنفع . وهو ما ينسجم مع الدور الاجتماعي الذي يطبع عمل المؤسسة واختصاصها بخدمة القطاع الخاص ومنسوبيه .

استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في الميزان


تلعب المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية دورا حيويا في البنية الاقتصادية للمملكة ، وتقوم هي وشقيقتها المؤسسة العامة للتقاعد بدور فاعل في إدارة مقدرات العاملين في القطاعين الحكومي والخاص ومدخراتهم التقاعدية ، لتأمين عيش كريم لهم ولأسرهم وأبنائهم في نهاية مشوارهم الوظيفي . ومن بداهة القول أن تمويل هذين الصندوقين يمثل التحدي الأكبر والأهم أمام قدرتهما على الإيفاء بالالتزامات المالية المترتبة عليهما ، إذ أن الاعتماد على موارد الصندوقين من اشتراكات المنتسبين المستقطعة من الرواتب الشهرية لا يمكن أن تحقق لهما الاتزان المطلوب . ويمثل هذا الواقع تحديا أكبر في حالة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بالنظر إلى غياب آليات فاعلة تلزم مؤسسات القطاع الخاص بتسجيل كافة منسوبيها وبأجورهم الحقيقية . أبسط مثل على ذلك هو أن أكثر من 24% من المشتركين المسجلين في المؤسسة لا تزيد أجورهم عن الحد الأدنى البالغ 1500 ريال ، فيما تقل أجور 47% أخرى عن 3000 ريال . وإذا احتسبنا نسبة الاستقطاع التي يفرضها نظام المؤسسة والبالغة 18% من الأجر الشهري لتقوم عند التقاعد بصرف معاش تقاعدي شهري لا يقل عن 1725 ريال ، أي أكثر من الحد الأدنى للأجر المسجل للمشترك ، فإننا سنلمس مقدار الخطر الذي يحدق بالمؤسسة وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المشتركين . وقضية التمويل في صناديق التقاعد يتم التعاطي معها في كل الدول عبر تبني وسائل تدعم مصادر التمويل الأساسية من اشتراكات الموظفين ، بما فيها الدعم الحكومي والاستثمار وغير ذلك من الوسائل . هذا المقال يتناول واقع استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بصفته أحد أهم وسائل التمويل فيها ، وهو ما أرى أنه ينطبق أيضا على حالة المؤسسة العامة للتقاعد بشكل عام .
تفيد المعلومات المسجلة عن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بأن إجمالي أصولها الاستثمارية يبلغ حوالي 340 مليار ريال ، منها حوالي 65% استثمارات محلية داخل المملكة ، فيما تبلغ نسبة الاستثمارات الخارجية حوالي 35% من تلك الأصول . وتتشكل استثمارات المؤسسة الداخلية في أسهم ملكية في شركات محلية ، منها شركات المساهمة العامة مثل البنوك التجارية وشركات البتروكيماويات والشركات الصناعية ، علاوة على أسهم ملكية أخرى في شركات مساهمة مغلقة أو شركات ذات مسئولية محدودة بما فيها شركات طبية وسياحية وعقارية وزراعية وغير ذلك . وتبلغ العوائد على هذه الاستثمارات الداخلية والخارجية حسب سجلات المؤسسة أرقاما تتراوح بين 7% إلى 9% في العام الواحد . هذه المعلومات والأرقام جعلتني أسجل حولها عددا من الملاحظات والتساؤلات ، فبالرغم من أن حصة المؤسسة من الاستثمارات الداخلية هي حصة مؤثرة حجما ونوعا ، إلا أنني أرى أن الحصة المخصصة للاستثمارات الخارجية هي أكبر مما يجب ، خاصة عندما نربط هذا الواقع بالجهود التي تبذلها الهيئة العامة للاستثمار لاستقطاب استثمارات أجنبية إلى المملكة ، وخاصة عندما نتذكر كم الفرص الهائلة التي تقدمها المملكة في خططها وبرامجها التنموية . قد يقول قائل أن واقع الاقتصاد العالمي وما خلفته أزماته المتتالية من فرص استثمارية واعدة لا يجوز أن تغمض المؤسسة عنها الأعين ، وأن واقع الاستثمار في السوق السعودي لا يقدم كثيرا من الفرص في ظل انحصارها في قناتي الأسهم والعقار لا غير ، وهما القناتان اللتان وجهت إليهما المؤسسة كثيرا من أصولها الاستثمارية . ولمثل هذا أقول أن مؤسسة بحجم المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ، وبمثل هذه الرسالة التي تحملها ، وبمثل هذا الكم الكبير من الموارد المالية السائلة ، يمكن لها أن تلعب دورا فاعلا في صناعة الفرص الاستثمارية عوضا عن الاكتفاء باقتناص ما يطرحه السوق منها بين الفينة والفينة . إن هذه المؤسسة التي قدمت نموذجا يحتذى في هيكلة عملياتها الداخلية ، وتوظيف التقنية المتقدمة في مجمل أنشطتها وخدماتها إلى الحد الذي جعلها قبلة لجوائز التقدير والامتياز ، يمكنها بقليل من الجهد أن تلعب دورا تنمويا بارزا في هيكل الاقتصاد الوطني . إن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ، وهي المسئولة عن تأمين مستقبل  منسوبي القطاع الخاص ، لهي الأولى بلعب دور فاعل في تنمية هذا القطاع والمساهمة في تنويع مجالاته وأنشطته ، ليس فقط من منطلق وطني بحت ، وهو منطلق مشروع في كل الأحوال ، ولكن من منطلق استثماري يؤكد على الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل والاستثمار ، وخلق فرص استثمارية جديدة تعود على المؤسسة بعوائد مجزية ندعم احتياجاتها التمويلية ، وعلى الوطن بالخير والرخاء والاكتفاء الذاتي . كم أتمنى أن تقوم المؤسسة بتخصيص جزء يسير من أموالها لتمويل مبادرات الشباب ودعم جهود البحث والتطوير ودعم الحاضنات التقنية والصناعية وغير ذلك من الجهود التي تسهم في خلق كيانات استثمارية تدعم تنويع مكونات الهيكل الاقتصادي الوطني .
التساؤل الآخر الذي أود طرحه هو حول استثمارات المؤسسة العقارية ، وهي الأبرز والأكثر وضوحا للعيان كونها تلوح للرائي في شكل أبراج شاهقة ومبان فارهة في كثير من المواقع في عدد من مدن المملكة . إن مجمل قيمة الاستثمارات العقارية في محفظة المؤسسة الاستتثمارية تبلغ فقط 8 مليارات ريال ، وهو رقم أجده منخفضا بالنظر إلى حجم الفرص المتاحة في هذا القطاع . المشكلة هنا لا تكمن فقط في قيمة هذا الرقم ، ولكن أيضا في نوعية المشروعات التي ضخت فيها المؤسسة هذه الاستثمارات . ففي الوقت الذي يشهد السوق العقاري طلبا متزايدا على الوحدات السكنية ، وعلى منتجات الرهن العقاري ، نجد المؤسسة وقد انخرطت في بناء مشاريع لمجمعات تجارية ومكتبية ، لتسهم هي والمؤسسة العامة للتقاعد في تعميق أزمة الإغراق الذي يشهده السوق من هذا النوع من المنتجات العقارية . الأهم من ذلك أن المؤسسة أشغلت نفسها بالعمل كمطور عقاري بما يمك أن يشغلها عن أداء مهامها الأساسية . وأنا هنا أستغرب إصرار المؤسسة على الاستثمار العقاري المباشر في الوقت الذي قررت بقناعة ذاتية خالصة الابتعاد عن الاستثمار المباشر في مجالات أخرى ، بما فيه المجال الطبي الذي كانت قد بدأت مبكرا بالانخراط فيه ، وقررت أن تتحول إلى مستثمر مساهم في كيانات اقتصادية ، والابتعاد عن التشغيل المباشر لتلك الأنشطة . ما أتطلع إليه في هذا الجانب أن تقوم المؤسسة بجهد فاعل يسهم في معالجة أزمة الإسكان في المملكة ، وتحقيق عوائد مجزية من هذا القطاع الذي لم يجد بعد من يخوضه بما بتطلبه من احترافية واقتدار . وأنا هنا لا أدعو المؤسسة إلى بناء مجمعات سكنية بشكل مباشر ، ولا إلى محاكاة برنامج مساكن الذي طرحته المؤسسة العامة للتقاعد دون أن يحقق الأهداف المرجوة منه . ولكنني أدعوها إلى قيادة مبادرات حقيقية لتأسيس كيانات متخصصة في التطوير العقاري المتخصص في مجال الإسكان وخدماته المختلفة ، ودعم الجهود الموجهة لتطوير تطبيقات أنظمة البناء الحديثة ، وغير ذلك من الفرص المتعلقة بهذا القطاع .

الأحد، ٩ أكتوبر ٢٠١١

ورسوم الأراضي البيضاء أيضا يا خادم الحرمين


المفاجأة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين في كلمته السنوية في مجلس الشورى في الأسبوع الماضي بإعلان مشاركة المرأة في المجلس وانتخابات المجالس البلدية كانت مفاجأة من العيار الثقيل ، حسمت الجدل الدائر حول توجه وقناعة الدولة بحتمية تفعيل دور المرأة في مسيرة التنمية ، وقدمت معالجة جذرية وفاعلة وعاجلة لهذه القضية ، لتكون هذه المعالجة مؤشرا على اهتمام الدولة بهذه القضية ، وعنصر اطمئنان تجاه إمكانية صدور مبادرات أخرى في ذات الاتجاه . كنت دوما أقف من هذه المبادرات الملكية الكريمة موقف المتحفظ المتعجب ، ليس اعتراضا على مضامين هذه المبادرات التي تؤكد حرص الملك القائد على تسريع خطى الإصلاح ، ولكن لأنها تأتي معبرة عن قصور آليات التشريع في المملكة ، والبطء الملحوظ في التعاطي مع المشاكل والقضايا التي تقف حجر عثرة في طريق مسيرة التنمية الوطنية . وإلى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه تصحيحا وتطويرا لهذه الآليات بما يفعل دورها في معالجة هذه المشاكل ، سيظل الوطن وأبناؤه متطلعين بين الفينة والفينة لمثل هذا التدخل الملكي الكريم لتقديم حلول طارئة وعاجلة لهذه المشاكل والعقبات . وأنا هنا أرفع هذا المطلب إلى المقام الملكي الكريم مستجديا كريم تدخله العاجل لحسم الجدل الدائر حول قضية مصيرية شكلت عقبة كأداء في سبيل مسيرة التنمية الوطنية ، ومعالجة أزمة الإسكان التي أصبحت مستعصية على الحل ، حتى مع كل تلك القرارات الملكية السخية بدعم ميزانية وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقاري ، ألا وهي قضية أسعار الأراضي .
لقد أصبحت مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي في المملكة هما يؤرق كل مواطن من أبناء هذا الوطن الغالي ، وباتت عقبة كأداء في سبيل تحقيق حلم تملك المسكن الذي يشغل بال النسبة العظمى من المواطنين الذين لم يتح لهم بعد تحقيق هذا الحلم ، والذين تؤكد الأرقام أن نسبتهم تبلغ 70% من أبناء الوطن . إن الوطن وأبناءه يقدرون بكل الحب والتقدير تلك القرارات الملكية الكريمة التي تم الإعلان عنها بالتزامن مع عودة قائد البلاد سالما معافى من رحلته العلاجية ، والتي منحت وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقاري زخما ودعما ماديا هائلين لتمكينهما من أداء دورهما المأمول في معالجة قضية توفير المساكن للمواطنين . ولكن هذه الجهود وهذه المبادرات السخية اصطدمت بجدار مشكلة كبرى عطلت تحقيق هذا الحلم ووضعت القائمين على هذه الأجهزة أمام تحد خطير ، ألا وهي مشكلة توفر الأراضي وارتفاع أسعارها . لب المشكلة أن مساحات شاسعة من الأراضي البيضاء داخل المدن مملوكة لأفراد ومؤسسات عامة وخاصة ، وهي أراض مجمدة معطلة عن الانخراط في عملية التطوير والبناء ، في الوقت الذي بذلت الدولة ولا زالت تبذل جهودا كبيرا وحثيثة لمدها بالخدمات وتزويدها بالمرافق الأساسية ، وتكبدت في سبيل ذلك كثيرا من موارد الخزينة العامة . ونتيجة لذلك ، فإن وزارة الإسكان التي تسعى لتنفيذ الأمر الملكي الكريم ببناء 500 ألف وحدة سكنية لم تجد أمامها سبيلا للحصول على الأراضي اللازمة لبناء هذه الوحدات السكنية سوى اللجوء إلى وزارة الشئون البلدية والقروية للحصول على الأراضي اللازمة لهذا الغرض ، والتي بدورها لم تتمكن إلا من تخصيص أراض هي في معظمها أراض غير قابلة للتطوير كونها بعيدة عن النطاقات العمرانية للمدن . ونتيجة لهذا الواقع المخل ، أصبحت الأراضي المخدومة الواقعة داخل المدن ، والتي تمثل الأداة الأنجع لتحقيق مضامين الأوامر الملكية الكريمة ، معطلة عن الإسهام الحقيقي الفعال في معالجة هذه الأزمة ، وباتت أداة للمضاربة والاحتكار والتربح حتى بلغت أسعارها عنان السماء ، واستعصت على أية محاولة من وزارة الإسكان أو شركات التطوير العقاري أو حتى المواطنين الأفراد لشرائها وإدخالها في دورة التطوير والإنتاج للوحدات السكنية . إن السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة هو غياب التشريعات والأنظمة التي تمنع وتجرم مثل هذه الممارسات الاحتكارية ، وتحرم ملاك هذه الأراضي من المنافع الناشئة عن تجميدها واكتنازها والحيلولة دون توظيفها في معالجة أزمة الإسكان وبقية مشاكل التنمية العمرانية . ويعلم الجميع أن مجلس الشورى الموقر كان قد أصدر قبل حوالي أربعة أشهر قراره القاضي بمطالبة وزارة الشئون البلدية والقروية بوضع ضوابط لفرض رسوم على الأراضي البيضاء المملوكة داخل المدن ، وهو قرار جاء معبرا عن قناعة المجلس بحتمية هذه الخطوة ، واستجابة لمطالب أبناء الوطن من كتاب ومفكرين ، وتطلعات الأفراد والأسر التي تحلم بمساكن تؤويهم في وطنهم الغالي . ومع كل الأهمية التي يحملها هذا المطلب ، إلا أن دور الجهات المسئولة لا زال قاصرا عن التعاطي الجاد معه ، ولا زال قرار مجلس الشورى المذكور حبيس الأدراج والملفات إلى جانب القرارات الأخرى السابقة المتعلقة بمنظومة الرهن والتمويل العقاري . وفي النتيجة ، فإن قضية الإسكان وتحقيق حلم توفير المساكن لأبناء الوطن لا زالت مستعصية على الحل ، ولا زالت القرارات الملكية السابقة معطلة عن التنفيذ والتفعيل في ظل تعذر توفير العنصر الأهم في هذه المعادلة وهو الأراضي القابلة للبناء .
وأمام هذه الواقع المرير ، فإن الوطن وأبناءه يتطلعون إلى تدخل كريم من مقام خادم الحرمين الشريفين لمعالجة هذه المشكلة العسيرة التي وقفت حائلا دون تنفيذ الأوامر الملكية الكريمة وتطلعات الجميع برخاء أبناء الوطن وراحتهم . إن القضايا المصيرية التي تمس أمن المواطن وراحته وتقف حجر عثرة في طريق مسيرة التنمية الوطنية تتطلب تدخلا حاسما يزيل هذه العقبات ويعالج هذه المشاكل ، حتى يرى الوطن وأبناؤه نجاحا حقيقيا على أرض الواقع للجهود الحثيثة والاستثمارات الضخمة التي تضخها الدولة في سبيل تحقيق هذا الهدف . إن معالجة مثل هذه القضايا يتعرض في كثير من الأحيان لتعارضات واضحة في المصالح ، ولخلل في فهم الآثار السلبية الناجمة عنها أحيانا أخرى ، وهو ما يجعلها تسقط من قائمة الأولويات في أجندة الجهات المسئولة ، ويسهم في مفاقمة الواقع الأليم الذي يعاني منه أبناء الوطن . ولأن التاريخ قد أثبت بما لا تصح معه أية مواربة حرص خادم الحرمين الشريفين على رخاء الوطن وراحة أبنائه ، وتحقيق تطلعات الجميع في إنجاح مسيرة التنمية الوطنية ، وهو ما تدل عليه مبادراته الكريمة العديدة التي كان آخرها قراراته القاضية بتفعيل دور المرأة في المجتمع ، وإشراكها في تشكيل مجلس الشورى والمجالس البلدية ، فإنني وبقية أبناء الوطن الغالي نرفع إلى المقام الكريم رجاءنا بتدخل عاجل وحاسم لإصدار التوجيهات الكريمة بفرض رسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن ، ووضع التشريعات التي تنظم وتقنن تداول الأراضي ، بما يحقق التطلعات الوطنية بالسيطرة على مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي ومعالجتها ، ومنع الممارسات الاحتكارية والمضاربية فيها ، وتسهيل إدخالها في دورة التطوير والبناء وإنتاج الوحدات السكنية . إن الوطن وأبناءه يتطلعون بعين الأمل والرجاء إلى استجابة ملكية كريمة لهذا المطلب ، واثقين من حرصه حفظه الله على تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم إلى أن يكون لكل منهم وطن في وطنه ، وسعيه الحثيث لتحقيق كل ما فيه الخير لهذا الوطن وأهله .