بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، ٣١ يناير ٢٠١٢

هيئة المهندسين وحديث ما بعد الانتخابات

أعلم مسبقا أن بعض الإخوة القراء سيجيّرون مجمل حديثي في هذا المقال على أنه رد فعل على خسارتي في انتخابات مجلس إدارة الهيئة السعودية للمهندسين التي جرت في الأسبوع قبل الماضي، ولا أعتقد أنني أستطيع إقناعهم بعكس ذلك مهما أقسمت ومهما فعلت. لكنني أرجو أن تصل رسالتي من هذا المقال إلى مسامع من لهم السلطة لتطوير آليات الانتخاب في الهيئة، ليس فقط لضمان إنتاج مجالس إدارة تحقق الفعالية والكفاءة المطلوبتين لتحقيق تطلعات منسوبي القطاع الهندسي، ولكن أيضا لتكون نموذجا يحتذى في بقية المؤسسات المدنية، والتي تمثل هيئة المهندسين الحالة الأولى من بينها جميعا التي تتمتع بميزة الانتخاب لتشكيل كامل مجلس إدارتها، وهي الميزة التي ربما يعود عدم توظيفها بالشكل المطلوب وبالا عليها وعلى أهل القطاع، عوضا أن تكون ميزة يحسدون عليها.
قلت سابقا في مناسبات عديدة أن ثقافة الانتخاب جديدة على مفاهيم أفراد الشعب السعودي، وأن ممارستها لا يتوقع لها أن تنتج تشكيلات مؤسسية حقة بما يغلب عليها من شخصنة في الاختيار تعمد إلى الانتخاب بناء على سمعة المرشح أو مكانته أو قبيلته أو حتى طول لحيته عوضا عن أن تكون موجهة لاختيار المرشحين بناء على مؤهلاتهم وخبراتهم وخططهم وبرامجهم. والمشكلة أن لوائح الانتخابات في هيئة المهندسين أسهمت في ترسيخ هذه الممارسة في إطار بحثها عن العدالة بين المرشحين، كونها حرمت على المرشحين التواصل مع ناخبيهم وتعريفهم ببرامجهم الانتخابية. وأنا لم أستطع أبدا أن أفهم لماذا يطلب النظام من سبعة آلاف ناخب أن يجتمعوا جميعا في مكان واحد للاستماع إلى حديث 70 مرشحا يخصص لكل منهم خمس دقائق فقط للحديث عما سيقدمونه للهيئة، عوضا عن أن يتاح لأولئك الـ 70 مرشحا أن يصلوا إلى السبعة آلاف ناخب كل بطريقته ووفق قدراته الخاصة، خاصة أننا نتعاطى هنا مع فئة يعدها الكثيرون من نخب المجتمع وأكثرها قدرة على قيادة مسيرة التنمية والتطور المجتمعي، ولا يتوقع منها أبدا الابتذال والإسفاف في حملات انتخابية مخلة، كتلك التي شاهدناها سابقا في انتخابات المجالس البلدية.
المشكلة الأخرى في قضية آلية انتخابات هيئة المهندسين أنها لا يمكن أن تحقق الوصول إلى تشكيلة منسجمة لمجلس الإدارة بالنظر إلى أنها تتبع آليات الانتخاب الفردي المؤهل لدخول المجلس بناء على عدد الأصوات التي يحصل عليها كل مرشح. وإذا تذكرنا أن أولئك المرشحين لم يقدموا في الأساس أي برامج انتخابية محددة ومفصلة وواضحة للعيان، فإن هذه الآلية تنتج في الغالب الأعم مجالس إدارة مختلطة الأهواء والاتجاهات تفتقر إلى الانسجام المطلوب بين أعضائها للعمل وفق برنامج موحد يحظى بالإجماع الذي يحقق تضافر الجهود لوضعه موضع التنفيذ بالفاعلية المطلوبة. وقد نادى الكثيرون بتطبيق انتخابات القوائم كبديل عن الانتخاب الفردي لتحقيق هذا المطلب وهذه الميزة الحيوية، خاصة في الوقت الذي بتنا نرى فيه صراعات ومنافسات شخصية بين بعض المرشحين، حتى وصلت إلى حد التخوين والاتهامات بين أعضاء المجلس الواحد، وهي حالة لا أدري كيف يمكن أن تحقق التعاون المطلوب بين أعضاء المجلس، ولا أدري إلى أين ستؤدي بهذه الهيئة المسكينة وهذا القطاع الجريح.
المشكلة الأكبر في وجهة نظري هي في انجراف بعض الأجهزة الحكومية لدعم بعض المرشحين الذين ينتمون إليها عبر وسائل يدور حولها كثير من الجدل بالرغم من مشروعيتها الظاهرية. فالمجلس المنتخب للدورة القادمة من عمر الهيئة سيضم ستة من أعضائه العشرة منقسمين بين شركة أرامكو السعودية والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة. هذا الواقع لم يأتِ ولا يمكن أن يأتي بمحض الصدفة، وهو يمثل نتيجة مباشرة للدعم الذي قدمته هاتان الجهتان للمرشحين الذين ينتسبون إليهما عبر حشد أصوات المهندسين العاملين فيهما لصالح أولئك المرشحين، وهو ما يتم عبر قيام تلك الجهات بسداد رسوم تسجيل وتجديد عضوية أولئك المهندسين في الهيئة مقابل منح أصواتهم لأولئك المرشحين. أنا هنا لا أتحدث بالطبع عن أولئك المرشحين ولا أتهمهم بعدم الكفاءة، بل إن معرفتي الشخصية ببعضهم تؤكد قدرتهم على بذل جهود مقدرة في إدارة دفة الهيئة. ولكن قبول مبدأ تدخل بعض الجهات، حكومية كانت أو خاصة، لدعم بعض المرشحين في مثل هذه الانتخابات يفقدها النزاهة والعدالة المطلوبة، ويفتح الباب على مصراعيه للسيطرة على المؤسسات المدنية استنادا إلى القدرات المالية أو السلطوية لتلك الجهات. قد يقول قائل إن تلك الجهات إنما قامت بسداد رسوم عضوية مهندسيها دعما لهم للانخراط في أنشطة الهيئة، وأقول لهؤلاء ولماذا لم تفعل ذلك إلا قبيل الانتخابات، وغفلت عن هذا الجهد الخيري طيلة السنوات الثلاث الماضية. ولو أن هذا الدعم كان معلنا وواضحا ومعبرا عن مصلحة الجهاز لأمكن لفهمي المتواضع أن يهضمه ويتقبله ولو على مضض. ولكن أن يقوم جهاز حكومي أو شبه حكومي بصرف مبالغ من ميزانية الدولة لتحقيق مصالح أشخاص من منسوبيها ودعمهم للفوز في مثل هذه الانتخابات، فإنني وغيري الكثيرون عاجزون عن فهم هذه المعادلة ناهيك عن تقبلها. وإذا كانت هيئة مكافحة الفساد تبحث عن حالات تضع يدها عليها لتثبت جديتها في القضاء على مشاهد الفساد المستشري في عالمنا، فإنني أضع أمام أعينها هذه الحالة التي أعدها من أكثرها جلاء وحدّة.
أرجو ألا يشعر أحد بالامتعاض من حديثي هذا، فهو لا يروم إلا المصلحة العامة، ولا يحمل أي اتهام لأحد بعينه. كل ما أريده أن ينال القطاع الهندسي حظه من الاهتمام والتقدير، عوضا عن أن يكون حقل تجارب تعصف به المصالح الخاصة والأهواء المتعارضة حينا، ونقص الكفاءة وقلة الحيلة حينا آخر. ولأن هذا الحديث لن يعدو أن يكون فضفضة على صفحات هذه الجريدة، فإنني أزف التهنئة خالصة للفائزين في انتخابات مجلس إدارة هيئة المهندسين في دورتها القادمة، راجيا الله العلي القدير لهم التوفيق والسداد، ومتمنيا عليهم أن يكونوا على قدر المسؤولية وعلى قدر ثقة أهل قطاع حملوا مسؤوليته ولو رغما عنهم.

الجمعة، ٢٧ يناير ٢٠١٢

أغلقوا كليات الهندسة

الخبر الذي استفزني ودفعني لكتابة هذا المقال وتحت هذا العنوان اليائس هو خبر تصريح أمين محافظة جدة، الذي أعلن فيه قبل نحو أسبوعين أن الأمانة ستقوم بالتعاقد مع مكاتب استشارية عالمية للقيام بمهام الإشراف على مشاريعها. هذا الخبر بالنسبة لي كان كالشعرة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ إنه جاء ليشعل جذوة مأساة حال القطاع الهندسي في المملكة، والذي لم يتحرك حتى الآن أحد من المسؤولين لإنقاذه من الانهيار على الرغم من كل الأصوات التي ارتفعت عاليا مستنجدة ومنادية دون أن يسمع أحد هذا النداء. وفي اليوم الذي قرأت هذا الخبر المحبط أتى إلي ابني الأكبر الذي يدرس الآن في المرحلة الثانوية ليناقش معي خيارات مستقبله الأكاديمي في المرحلة الجامعية، فوجدتني أنبري معارضا اختيار مجال الهندسة على الرغم من أنني أزعم أنني أب ديمقراطي أتيح المجال لأبنائي لتبني خياراتهم الخاصة في شؤون حياتهم. والسبب في ذلك هو أنني لم أرد لهم أن يكونوا ضحايا لهذا الخيار الذي يفترض به في العادة أن يكون خيارا مفضلا يؤمّن لصاحبه حياة كريمة ومكانة اجتماعية مميزة، فإذا به في بلادي قد عاد وبالا على الكثيرين ممن اقتحموه وتخصصوا فيه، بغض النظر عن المجال الذي اختاروا العمل فيه بين القطاعين العام والخاص، وليس أحدهما أفضل حالا من الآخر.
لنلق نظرة إذن على حال المهندسين، عسى أن يعرض هذا الشرح الصورة كاملة وجلية للمسؤولين عن هذا القطاع، فالمهندس في القطاع الحكومي يتولى في الغالب مسؤولية إدارة مشروعات التنمية التي تقوم على تطويرها مختلف الأجهزة الحكومية، وهي تلك المشروعات التي تصل تكاليف تنفيذها إلى مليارات الريالات، وبلغت في ميزانية هذا العام نحو 240 مليار ريال. ومع ذلك فإن هذا المهندس ما زال يستجدي كادرا وظيفيا يحترم مكانته ويقدر مسؤولياته ويميزه عن غيره من حملة الشهادات النظرية والإدارية الذين لا يحملون عبء المسؤولية الجسيمة التي يحملها. وإذا علمنا أن عدد المهندسين السعوديين العاملين في القطاع الحكومي يبلغ نحو ستة آلاف مهندس، فإننا نتساءل عن العبء الذي يمكن أن يوقعه هذا الكادر الحلم على ميزانية الدولة وخزانتها التي تعيش وفرة غامرة ببركة وفضل من الله. وأنا لا أدري في الحقيقة كيف يمكن للعدد ذاته من المهندسين وبالدخل المتدني ذاته أن يكون مسؤولا عن هذا العدد المتزايد من المشروعات عاما بعد آخر. إن هذا العدد من المهندسين العاملين في القطاع الحكومي يمثل نحو ثلث إجمالي عدد المهندسين السعوديين في المملكة، وهو بذلك يستحق استجابة جادة لمطالبهم بالكادر الحلم، على الأقل لضمان استمراريتهم في العمل في القطاع الحكومي وعدم تسربهم إلى القطاع الخاص، مع أنني أعلم يقينا أن القطاع الخاص ليس أفضل حالا من القطاع الحكومي، خاصة إذا علمنا أن كثيرا من القطاعات الحكومية تعمل على سد النقص في مواردها البشرية الهندسية المتخصصة عبر طرح عقود الدعم الفني التي يتم من خلالها توظيف مهندسين أجانب للقيام على إدارة مشروعات تلك الجهات الحكومية، وفي كثير من الأحيان تفوق رواتبهم تلك التي يحصل عليها المهندسون السعوديون الذين يشرفون عليهم. أجزم أن هذا التناقض العجيب يشكل سببا أساسيا في ظاهرة تعثر المشروعات الحكومية، وأيضا في كثير من حالات الفساد والرشا التي نسمع عنها، التي لا أوافق ولا يوافق عليها أحد بالطبع، لكنني أستطيع أن أتفهم حدوثها في ظل هذا الواقع المخل.
قلت إن المهندس في القطاع الخاص ليس أفضل حالا من زميله في القطاع الحكومي، فهو في القطاع الخاص أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يعمل موظفا في إحدى شركات القطاع الخاص التي تعمل في أحد مجالات العمل الهندسي، أو أن يؤسس مكتبا هندسيا ليخوض غمار مجال الخدمات الهندسية المملوء بالعثرات والعقبات. ففي الخيار الأول يجد المهندس نفسه مضطرا لمنافسة أقرانه من الأجانب الذين تعج بهم تلك الشركات والمكاتب، ومضطرا كذلك لقبول معدلات الرواتب التي يحصلون عليها. وفوق ذلك، فهو محروم من أي مستقبل وظيفي متدرج، محروم من التأهيل والتدريب الذي يفترض أن يرتقي بقدراته ليضعه في مواقع المسؤولية، ومحروم أيضا من الاستقرار والأمن الوظيفي، ويواجه احتمال عدم تجديد عقده السنوي في قطاع يعاني تقلبات السوق والعديد من العقبات والمشاكل التي لا تحقق له ولا لموظفيه الاستقرار المطلوب. أنا هنا بالطبع لا أتحدث عن الشركات الكبرى كشركتي أرامكو وسابك وغيرهما من الشركات التي يحلم كثير من الشباب بالانتماء إليها، لكنني أتحدث عن شركات المقاولات والعقارات والمكاتب الهندسية التي تمثل الشريحة الأكبر من الكيانات الموظفة للمهندسين، التي تعاني مناخا مهنيا مملوءا بالعقبات، ويعاني الأمرّين منذ أن بدأت البنوك التجارية حالة التحفظ في الإقراض والتمويل التي تلت الأزمة المالية العالمية.
أما في الخيار الآخر في القطاع الخاص، فإن المهندس الذي يختار تأسيس مكتبه الهندسي عليه أن يخوض غمار تجربة مليئة بالمعاناة، وأن يواجه منافسة شرسة أشعل جذوتها هذا التوجه العارم لتوظيف المكاتب الاستشارية العالمية على غرار ما صرح به أمين محافظة جدة، والذي سبقته إليه جهات أخرى كثيرة، بما فيها وزارة المالية التي تعد المشغل الأكبر لمكتب دار الهندسة الذي يعمل في المملكة دون تصريح مهني رسمي من هيئة المهندسين، والهيئة العامة للاستثمار التي فتحت الباب على مصراعيه للمكاتب الاستشارية الأجنبية للدخول إلى سوق المملكة. الأهم من ذلك أن وزارة التجارة والصناعة ما زالت تصر على تطبيق أنظمة المهن الحرة والشركات المهنية التي تمثل السبب الرئيس في ضعف وتهلهل الكيانات الاستشارية المحلية، بالنظر إلى أنها ترسخ فردية العمل من ناحية، وتمنع عنه مصادر التمويل من ناحية أخرى. وفوق ذلك، فإن هذه الأنظمة تحرم المهندسين من أبسط حقوقهم في توريث كياناتهم لأبنائهم وأسرهم، وتحرمهم بالتالي من مصدر رزقهم الوحيد في هذه الحياة، وهو ما ألجأ كثيرا من أصحاب المكاتب لإهمال مكاتبهم وتركها لمهندسين أجانب يديرونها مقابل نسبة من الدخل يلقونها فتاتا لأصحاب المكاتب الذين اتجهوا لتأسيس أنشطة تجارية تؤمن لهم ولأسرهم عيشا كريما.
هذا العرض لا يقدم كل أوجه المعاناة في القطاع الهندسي المسكين، وربما يكون العنصر الأهم في هذه المعاناة هو تلك الحالة من الضعف التي تعتري هيئة المهندسين السعوديين، التي تعاني ضعف السلطات والصلاحيات الممنوحة لها لإدارة هذا القطاع، والتي نراها مستباحة في كثير من الحالات من أجهزة حكومية أخرى بكثير من الاستعلاء والازدراء. وفي ظل هذا الواقع، فإنني أجد لزاما عليّ أن أقترح على المسؤولين في الدولة أن يعمدوا إلى إغلاق كليات الهندسة منعا لتخريج مزيد من الضحايا إلى هذا القطاع، وليكن في المكاتب الاستشارية الأجنبية والمهندسين الوافدين الملجأ الذي يرومونه لإنجاز مشروعات التنمية، على الأقل على سبيل تشريع الخطأ ليرفع عنهم أصابع اللوم والتقريع التي يسلطها عليهم أمثالي من المهندسين المساكين.

احتكار الأراضي ودوامة الإنفاق الحكومي

الدكتور صالح السلطان كاتب مرموق وصاحب قلم متخصص باقتدار في الشأن الاقتصادي، وهو بكل تأكيد ليس في حاجة إلى شهادتي هذه، فهو أكبر من أن يشهد له مثلي ممن ينهلون من معين علمه وخبرته. والدكتور صالح نشر مقالاً في هذه الصحيفة في الأسبوع الماضي بعنوان ''الاحتكار ليس سبب غلاء الأراضي في السنوات الأخيرة''، وهو المقال الذي حشد كثيرًا من ردود الأفعال والتعليقات التي جاء معظمها محملاً بانفعالات لحظية تجاوزت الفهم الصحيح لمضمون الرسالة التي أراد الكاتب الكريم إيصالها للقراء. ومع أنني أتفق مع مجمل ما جاء في هذا المقال، إلا أنني أود أن أدلي بدلوي في الحديث عن هذا الموضوع، عسى أن يسهم حديثي في التأسيس لمعالجة هذه المشكلة التي شكلت حجر الأساس في أزمة الإسكان، التي يبدو أنها أصبحت مستعصية على الحل.
مجمل ما أراد الكاتب الكريم قوله إن مسألة حبس الأراضي ليست جديدة على تركيبة سوق العقار السعودي، فهي ممارسة كانت وستظل شائعة في ثقافة الاستثمار العقاري في المملكة، طالما أنها بقيت بمنأى عن المعالجات التشريعية التي تحد منها وتمنع أثرها على واقع السوق. الكاتب قال أيضًا إن تفاقم الأزمة في السنوات الأخيرة بالتالي لا يعود إلى هذه الممارسة بالنظر إلى وجودها في الأساس في تركيبة السوق العقاري، إنما إلى زيادة الإنفاق الحكومي الذي أسهم في زيادة الطلب الذي أبرز بدوره حاجة إلى توظيف تلك الأراضي المحبوسة في دورة تطوير وإنتاج الوحدات السكنية والعقارية بأنواعها المختلفة، وأبرز بالتالي أثر ذلك الحبس على واقع السوق. وأنا لا أملك في الحقيقة إلا أن أتفق مع هذا التحليل الذي ساقه الكاتب، وأزيد على ذلك أن زيادة الإنفاق الحكومي أسهمت في زيادة الأسعار في مجمل متطلبات المجتمع الحياتية وليس في الجانب العقاري والإسكاني فحسب. هذا التحليل يقدم في رأيي المتواضع تفسيرًا للحالة التي يعيشها سوق العقار في المملكة، وواقع الأزمة التي يعانيها خاصة في جانب الإسكان، لكنه لا يقدم تبريرًا مقبولاً لهذه الأزمة، ولا لغياب أو تأخر تطبيق الحلول التي تعالج هذا الواقع، وتسهم في تقليل الآثار السلبية الناجمة عنه. وأقول إن ظاهرة حبس الأراضي، التي يتفق كلانا على أنها ممارسة قديمة في سوق العقار السعودي، هي ممارسة خاطئة من الأساس، بغض النظر عن تأثيرها السلبي المتفاقم نتيجة لزيادة الإنفاق الحكومي. والحقيقة أن هذه الممارسة كانت نتيجة للثقافة التي أسست لها الدولة عبر آليات منح الأراضي، والتي كانت سببًا مباشرًا في تحويل الأرض من عنصر إنتاج إلى عنصر استثمار، وأصبحت بالتالي سلعة تباع وتشترى وتخضع للمضاربة والاحتكار الذي تتفاوت آثاره تبعًا لتغير الطلب الذي يتأثر بعوامل كثيرة منها معدل الإنفاق الحكومي. وعندما نعود بالذاكرة إلى ما قبل 40 سنة خلت، أي قبل تأسيس صندوق التنمية العقارية، فإننا نرى أن أسعار الأراضي كانت لا تمثل أي عبء يذكر في منظومة البناء والتطوير العقاري، ونرى أيضًا كيف تضاعفت هذه الأسعار بمعدلات قياسية بمجرد إطلاق صندوق التنمية العقارية، وبدأ منح قروض البناء في ذلك الحين، وهو الذي خلق طلبًا متزايدًا أسهم في زيادة الأسعار نتيجة للحاجة إلى شراء الأراضي للبناء عليها، بدلاً من توفير تلك الأراضي من الدولة بشكل مباشر وبتكاليف رمزية. من هنا يتضح الخلل الهيكلي في بنية سوق العقار السعودي الذي جعل الأرض سلعة تجارية بدلاً من أن تكون عنصرًا غير ذي قيمة في مجمل تكلفة البناء.
قد يقول قائل إن برنامج منح الأراضي يمثل تفعيلاً من الدولة لمنهج توفير الأراضي معدومة القيمة لتكون أساسًا للبناء. وأقول إن هذا الكلام كان يمكن اعتباره صحيحًا لو أن تلك الأراضي كانت فعلاً جاهزة للبناء، ولو أن الدولة فرضت البناء عليها ومنعت تداولها بغرض الاتجار والتربح. لكن الممارسة التي انتشرت على أرض الواقع تبنت تداول تلك الأراضي والسيطرة عليها من قبل تجار العقار، وذلك لأنها لم تكن جاهزة للبناء بالنظر إلى مواقعها البعيدة عن البنى العمرانية للمدن وافتقارها إلى الخدمات والمرافق التي تجعلها جاهزة للبناء، كما أن السماح بتداولها وبيعها حولها إلى سلع تجارية تحقق لملاكها عوائد مالية لحظية غير مجدية على المدى القصير، فيما باتت مجالاً للاحتكار والاكتناز من العقاريين الذين بادروا بشراء تلك الأراضي بغرض التربح من زيادة أسعارها على المدى الطويل، دون أن يقدموا أي قيمة مضافة على تلك الأراضي لا بالبناء ولا بمدها بالخدمات ولا حتى بالرصف وتمهيد الطرق على أقل تقدير. ومن جهة أخرى، فإن منح الأراضي ذات المساحات الشاسعة كانت سببًا مباشرًا في ترسيخ هذه الظاهرة، إذ كانت تلك الأراضي، وما زالت، تحبس لفترات طويلة حتى يتقدم أحد العقاريين بعرض لشرائها وفتح مساهمة عقارية لدفع ثمنها وتطويرها وتجزئتها، ليتم بيعها فيما بعد بالمزاد العلني الذي يتقدم له في العادة صغار العقاريين الذين يقومون بدورهم بعرضها للبيع في دورات متتالية ومتتابعة من الربحية التي يتم بناؤها في سعر الأرض، حتى تصل إلى المستهلك النهائي مشبعة مضخمة الثمن. هذا الواقع هو الذي جعل العقاريين يعلنون تذمرهم من وقف المساهمات العقارية بقرار وزارة التجارة قبل نحو ست سنوات، وهو القرار الذي جاء بهدف حماية صغار المستثمرين من أولئك العقاريين الدخلاء على السوق، والذين كانوا سببًا مباشرًا لتلك المساهمات المتعثرة التي احتجزت مدخرات الناس وجمدت ملايين الأمتار من الأراضي ومنعتها من التطوير والدخول في دورة البناء والإنتاج.
خلاصة القول، الإنفاق الحكومي يتسبب كما هو الحال دائمًا في زيادة الطلب على كل السلع بما فيها الأراضي والوحدات العقارية، وهو ما حصل بالفعل في كل الطفرات السابقة. والسبب الرئيس في مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي هو الحالة والثقافة التي جعلتها سلعًا تباع وتشترى عوضًا عن أن تكون عنصرًا معدوم القيمة في دورة الإنتاج والبناء. وأن يأتي العلاج متأخرًا خير من ألا يأتي أبدًا. ومن ثَمَّ، فإن التشريعات التي تسهم في تصحيح هذا الواقع ومعالجة آثاره السلبية باتت مطلبًا ملحًّا في ظل هذه الأزمة الخانقة التي باتت تثير مخاوف من آثار سلبية على الأمن القومي والوطني. وأول هذه التشريعات هو فرض الرسوم على الأراضي البيضاء المخدومة، والسيطرة على تداول الأراضي بمنع بيعها بغرض المتاجرة والتربح، وربط التملك بالإحياء الفعلي القائم على البناء والتطوير. ولنا في الدول المجاورة شواهد كثيرة على نجاح مثل هذه التشريعات التي أنقذتها من أزمة خنقت أحلام أبناء وطن يملك من الإمكانات والموارد التي حباها بها الله ما فاقت به قدرات تلك الدول.

خدمات الإسكان.. خاتمة الحديث

أختم حديثي اليوم عن موضوع خدمات الإسكان الذي اعتبرته في بداية حديثي أزمة خفية في إطار قضية الإسكان، وذلك لأن هذا الموضوع لم يجد حتى الآن اهتماما كافيا به لا من أهل القطاع ولا من الجهات الحكومية التي تتولى مهام الإدارة والتشريع فيه، وهو ما أحدث كثيرا من الآثار الخفية على واقع مشكلة الإسكان في المملكة جراء الممارسات الخاطئة التي تتم في هذه الخدمات، والنقص الذي يشوبها في دورتها المتكاملة. وكنت قد قلت في مقالي السابق إن بعض هذه الخدمات يتم تقديمها في السوق السعودي بمستوى لا يرتقي إلى الاحترافية المطلوبة بما يحقق فعاليتها في عملية تملك المسكن، فيما يغيب البعض الآخر غيابا تاما عن هذا السوق. وإذ كنت قد تناولت في مقالي السابق الجزء الأول من هذه الخدمات، فإن حديثي اليوم سيتناول الجزء الثاني منها، وهي تلك التي تغيب عن هذا السوق، بالرغم من دورها الفاعل في اكتمال دورة الخدمات المرتبطة بعملية تملك المسكن.
تشمل الخدمات التي يمكن وضعها في هذا التصنيف خدمات الفحص الهندسي والتأمين والضمان ووساطة التمويل والمساندة القانونية، وكلها كما قلت تغيب غيابا كليا عن سوق خدمات الإسكان في المملكة، على الرغم من أنها تشكل عناصر مهمة في عملية تملك المسكن، خاصة في سوق سيطر عليه طوال السنوات الأربعين الماضية نمط التطوير الفردي الذي أنتج مخزونا من الوحدات السكنية التي تعاني من تدهور ملموس في الجودة والتوثيق لعناصر البناء ومكوناته ومعلوماته الفنية والهندسية. فالفحص الهندسي أولا يمثل وسيلة مهمة لتحديد حالة المبنى وتسجيل ما يشوبه من مشاكل هندسية يمكن أن تكون سببا في التأثير على قيمته المادية. وفي كثير من الدول الأخرى تتضمن عملية بيع المسكن تسليم وثائق هندسية متكاملة للمبنى إلى المشتري، وتتضمن هذه الوثائق مخططات التنفيذ الفعلي وبيانات الموردين ومستندات الضمان لعناصر الإنشاء. أما في سوقنا فإن هذه الوثائق لا تتوفر في الغالب، وحتى إن توفر بعضها فإنها لا توثق حالة التنفيذ الفعلي لعملية البناء التي غالبا ما تشهد كثيرا من التغيير والتحوير أثناء إنشاء المبنى. إن غياب هذه المعلومات الموثقة عن المباني السكنية، وهذا الغياب لخدمات الفحص الهندسي لها هو ما يجعل عملية التثمين تتم بهذه الجزافية التي تغفل القيمة الحقيقية للمنشآت، وتستند إلى البيوع السابقة في منطقة المسكن المراد بيعه. هذا الواقع يتطلب انخراط المكاتب الهندسية في تقديم هذه الخدمات، واعتبارها متطلبا أساسيا من متطلبات تثمين المساكن لأغراض البيع والتملك، بما يحقق الأمان للمشترين الغافلين وجهات التمويل على حد سواء.
وفي ظل هذا الواقع الذي يشوب حالة المنشآت السكنية في المملكة تبرز الحاجة إلى خدمات التأمين لتسهم في زيادة عنصر الأمان لأطراف عملية شراء المسكن. وأنا هنا لا أتحدث فقط عن التأمين على المساكن، بل على مجمل المخاطر المرتبطة بهذه العملية. أذكر أن إحدى الدراسات كانت قد أثبتت أن النسبة العظمى من حالات التعثر في السداد من قبل المشترين ببرامج التمويل العقاري تنتج عن مؤثرات وقتية الطابع قصيرة المدى، ومنها على سبيل المثال انتقال المشتري من وظيفة إلى أخرى، أو بروز احتياجات مادية طارئة، أو التعرض لحالات مرضية مؤقتة، وغير ذلك من الحالات التي تؤدي إلى عجز مؤقت عن الانتظام في السداد. وفي الوقت الراهن، فإن جهات التمويل لا تنظر إلى مثل هذه الظروف بعين الاعتبار، وتتعامل بشكل فوري مع حالات التعثر فور وقوعها، وتتخذ حيالها الإجراءات التي تنص عليها عقود التمويل بمصادرة المسكن وإخلائه من ساكنيه وعرضه للبيع لسداد قيمة التمويل، ناهيك عن إدراج اسم المشتري المتعثر في قوائم شركة المعلومات الائتمانية. وأتساءل هنا: لماذا لا يتم تصميم حلول تأمينية تعالج مثل هذه الحالات من التعثر المؤقت، تقوم من خلالها شركات التأمين بتغطية أقساط التمويل لصالح جهات التمويل خلال فترة محددة لا تتجاوز الستة أشهر، حتى يتمكن المشتري من تجاوز ظروفه العابرة، ومعاودة الانتظام في السداد. إن ما سقته هنا ليس إلا مثالا وحيدا من أمثلة عديدة لمخاطر يمكن أن يسهم التأمين في معالجتها وتوفير عنصر الأمان لأطراف عملية تملك المسكن، وهو ما سينعكس إيجابا على تكاليف التمويل وقيمة الشراء الكلية. أحد الأمثلة الأخرى أيضا هو تطبيق التأمين على الخدمات الهندسية بما يمكن المكاتب الهندسية من تفعيل دورها في عمليات الفحص الهندسي، وتقديم ضمانات لجهات التمويل عن صحة تقاريرها الفنية حول حالة المسكن تضمن تعويضها عما يمكن أن يصيبها من عيوب فنية أو تهدم جزئي أو كلي. هذا الواقع يتطلب مبادرة حقيقية من شركات التأمين وقبلها مؤسسة النقد العربي السعودي لتقديم حلول تأمينية مبدعة تسهم في تأمين المخاطر المختلفة المرتبطة بعملية شراء المسكن، وتتيح لهذه الشركات مصادر جديدة للدخل بخلاف عمليات التأمين التقليدية التي تشهد منافسة حادة بين الشركات القائمة في هذا السوق.
إحدى الخدمات التي تغيب عن هذا السوق أيضا هي خدمات وساطة التمويل. وفي الوقت الراهن، فإن على المشتري الذي يرغب في الحصول على تمويل لشراء مسكن أن يطرق أبواب البنوك وشركات التمويل، ويقارن العروض التمويلية المقدمة من كل منها وفق قدراته ومعلوماته الذاتية. ووسيط التمويل يمكن أن يقوم بدور المستشار الذي يقوم بدراسة حالة المشتري والتعرف على قدراته وموارده المالية، وتحديد التزاماته الثابتة والطارئة، والاستقصاء عن حالات التعثر والقصور الائتماني الذي قد يعاني منه المشتري، ومن ثم تصميم وصياغة الحلول التمويلية الملائمة، وتسنيدها بالحلول التأمينية اللازمة التي تسهم في تقليل المخاطر على جهات التمويل، ومن ثم تقليل تكاليف التمويل المحملة على المشتري. مثل هذه الخدمات يمكن أن تسهم إسهاما فاعلا في توفير حلول تمويلية ميسرة لراغبي التملك، خاصة إن هي ابتعدت عن العمولات المرتبطة بقيمة التمويل تحقيقا لمبدأ البعد عن تعارض المصالح.
النموذج الأخير لهذه الخدمات هو ما يتعلق بالمساندة القانونية في كل مراحل عملية شراء المسكن، التي يمكن أن تسهم في تحقيق الأمان لأطراف العملية وحماية المشتري على وجه الخصوص من سطوة جهات التمويل التي تقوم بصياغة عقود التمويل بتحيز مطلق يحمي مصالحها ويضع المشتري في حالة من الإذعان الطوعي. كما أن هذه الخدمات يمكن أن تحمي المشتري من مخاطر الخلل في وثائق الملكية، خاصة في ظل تأخر تطبيق التسجيل العيني العقاري، وما نسمع عنه كثيرا من أخطاء في صكوك الملكية، وذلك عبر فحص مثل هذه الوثائق والتأكد من خلوها من أية شوائب يمكن أن تعود على المشتري وجهة التمويل بكثير من الضرر.
خلاصة القول، خدمات الإسكان يمكن أن تسهم إسهاما فاعلا في تطوير وتحسين مناخ سوق الإسكان وتقليل الهدر الناشئ عن المخاطر المرتبطة بمختلف مكونات ومراحل عملية تملك المسكن. كما أنها يمكن أن تخلق قنوات جديدة في البنية الاقتصادية للسوق، ويمكن أن تسهم في خلق وظائف بأرقام جيدة تسهم في تقليل معدلات البطالة في المملكة. وتقديم هذه الخدمات في السوق السعودي يتطلب مبادرات مبدعة وتنظيما فاعلا لهيكل السوق، وهو ما يمكن أن تتبناه وزارة الإسكان بصفتها الجهة المسؤولة عن إدارة هذا القطاع.

خدمات الإسكان .. بقية من حديث

الأخ صالح بطيش أحد القراء الذين يكرمونني بقراءة مقالاتي ويتفاعلون معها بالتعليق بين الفينة والفينة. ويبدو أن حديثي عن أزمة خدمات الإسكان في مقالي السابق لم يرق لهذا القارئ الكريم، وبالتأكيد أن رأيه هذا لم يأت نتيجة لتصادف تشابه اسمه مع اسم بطل القصة التي سردتها في ذلك المقال، لكنه في رأيي يعبر عن ثقافة عامة تنظر إلى قضية الإسكان على أنها قضية سد النقص في الوحدات السكنية وليس على أنها قضية صناعة متكاملة تعاني مشكلات محورية في هيكلها العام تستند إلى خلفيات تاريخية وجذور عميقة من الخلل في الآليات والأداء والتعاطي الشامل. وفي رأيي المتواضع ، فإن أزمة خدمات الإسكان أسهمت بشكل مباشر وفاعل في مفاقمة هذه الأزمة نتيجة القصور الكبير في الممارسة الاحترافية لهذه الخدمات، وافتقار سوق الإسكان إلى اكتمال هذه المنظومة نتيجة غياب بعض هذه الخدمات عن هيكل الصناعة. وحديثي اليوم يسعى إلى إبراز أوجه هذا النقص وأثره في مجمل القضية وواقع القطاع برمته، عسى أن يسهم في تطوير فهم حقيقي لهذه المشكلة بما يسهم في معالجتها معالجة جذرية فاعلة على المدى الطويل.
قلت في مقالي السابق إن خدمات الإسكان يمكن تعريفها بأنها منظومة الخدمات التي تقدمها جهات تخصصية مختلفة لإتمام عملية تملك المسكن. وأوضح اليوم أن هذه المنظومة تشمل خدمات الوساطة والتسويق والتثمين والفحص الهندسي والتأمين والضمان ووساطة التمويل والمساندة القانونية، وكل هذه الخدمات تشكل عناصر مهمة في عملية شراء المسكن. وفي سوق الإسكان السعودي يتم تقديم بعض هذه الخدمات بمستوى لا يرتقي إلى الاحترافية المطلوبة بما يحقق فعاليتها في هذه العملية، فيما يغيب البعض الآخر غيابا تاما عن هذه السوق. فخدمات الوساطة والتسويق والتثمين يتم تقديمها من قبل مكاتب عقارية مهلهلة تنتشر في شوارع مدننا انتشار النار في الهشيم، وتمارس من قبل أفراد لا يملكون المهارات التخصصية والوسائل التقنية اللازمة لتحقيق الاحترافية المطلوبة فيها. كما أن تطبيق مبدأ عمولة السعي كنسبة من قيمة الصفقة كأساس لتحديد أتعاب خدمات الوساطة والتسويق يخلق نوعا من تعارض المصالح الذي يصبح معه الوسيط ممثلا للبائع عوضا عن أن يكون ممثلا للمشتري يحافظ على مصالحه ويحميه من المخاطر التي تحيط بالصفقة، ويجعل الوسيط أكثر حرصا على إتمام صفقة الشراء بأعلى قيمة ممكنة حتى يعظم عمولته من هذه الصفقة. إن الواقع الذي نراه في هذا القطاع يبرز بوضوح كثيرا من الممارسات التي يقوم فيها هؤلاء الوسطاء بإخفاء أي معلومات عن الوحدات السكنية التي يسوقونها والتي يمكن أن تؤثر سلبا في قرار المشتري، وهو ما يعد شكلا من أشكال الغرر الذي تحاربه الشريعة، خاصة أن الأغلبية الكاسحة من هذه الوحدات قد تم بناؤها بجهود فردية من المواطنين، وليس من قبل شركات التطوير الإسكاني المتخصصة، التي تغيب تماما عن هيكل سوق الإسكان في المملكة، وهو ما جعل هذه الوحدات تفتقر إلى معايير الجودة، وتعاني كثيرا من التضخم في التكلفة الناجم عن الهدر في المواد والوقت والجهد الناجم عن جهود التطوير الفردي، وتفتقر إلى التوثيق الهندسي لمكونات البناء، التي تشكل الأساس الحقيقي والاحترافي لتحديد قيمة الوحدة السكنية.
إن هذا الواقع يصبح أكثر فداحة في ظل الطريقة التي تقدم بها خدمات التثمين التي تتم استنادا إلى البيوع السابقة ومعدلات الأسعار في المنطقة وليس إلى القيمة الحقيقية للوحدة السكنية. أبسط مثال على حجم الخلل الذي يمكن أن ينتج عن هذا الواقع هو ما فعله رب الأسرة الذي اشترى مسكنا في أحد أحياء الرياض بمبلغ 900 ألف ريال، ثم قام ببيعه بيعا صوريا لزوجته بمبلغ ثلاثة ملايين ريال دون أن يحدث في المسكن أي تغيير أو تطوير، وأصبحت بذلك القيمة الموثقة لهذا المسكن تعادل أكثر من ثلاثة أضعاف قيمته الحقيقية التي اشتراه بها في الأصل، وأصبحت بذلك هذه القيمة مؤشرا مزيفا ومضخما لقيمة الوحدات السكنية في ذلك الحي. هذا النموذج من الممارسات الهوجاء وغير الاحترافية التي تتم بعيدا عن أعين الرقابة والتنظيم تسهم بشكل كبير في هذا الخلل الذي نعيشه في أسعار الوحدات السكنية، وربما يكون هو أحد أكبر أسباب هذا التضخم المزعج الذي نراه في هذه السوق، كيف لا والمجال مفتوح للجميع ليقوم كل بوضع أي رقم يريده لمسكنه، حتى لو كان هذا الرقم بعيدا عن القيمة الحقيقية لذلك المسكن.
إن الدور الذي قامت به البنوك التجارية في هذا المجال لهو دور ملموس كان له أكبر الأثر في مفاقمة المشكلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. فالبنوك التجارية في مسعاها لتعظيم محافظها الموجهة للتمويل العقاري مارست كثيرا من التساهل في أسس التثمين العقاري، وصارت تكتفي بتقارير رثة بسيطة تضع سعرا للوحدة دون تحليل لهذا السعر، ودون تقييم حقيقي لحالة الوحدة السكنية وقيمتها الحقيقية. هذا الخلل نتج عن الرؤية الخاطئة لدى البنوك لعمليات التمويل العقاري ومعاملتها على أنها عمليات تمويل تجاري تقليدية تستند إلى ضمان تحويل الراتب وليس إلى قيمة الوحدة التي يتم تمويلها. وهي بذلك تقوم في حقيقة الأمر بتحديد مبلغ للتمويل يستند إلى دخل المشتري وقدرته الشرائية، ولا تكترث في النتيجة بقيمة الوحدة وإذا ما كانت قد ضخمت بفعل تعارض المصالح الذي يطبع دور الوسطاء العقاريين. هذا الواقع برمته أسهم في تضخيم أسعار المساكن، وفاقم من حجم المشكلة، خاصة في ظل تأخر صدور أنظمة الرهن العقاري الذي كان يؤمل أن تؤسس لصناعة تمويل عقاري محترفة بدلا من التمويل التجاري المكلف الذي تمارسه البنوك التجارية.
أكمل حديثي في المقال المقبل ــ بإذن الله، وفيه سأتحدث عن الخدمات الغائبة عن سوق الإسكان في المملكة، والأثر الناجم عن هذا الغياب في واقع السوق وصلب المشكلة.

خدمات الإسكان.. الأزمة الخفية

أزمة الإسكان في المملكة هي بحق القضية الأهم التي تشغل بال قطاع كبير من المواطنين، ويدور حولها كثير من الجدل حول مسارات الحلول والمناهج التي تبنتها الجهات الحكومية ذات العلاقة لجسر الهوة الشاسعة بين العرض والطلب في الوحدات السكنية، ومعالجة مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي والوحدات العقارية لتتجاوز بمراحل قدرات وإمكانات المواطنين البسطاء الذين يبحثون عن تحقيق حلم تملك المسكن. والحقيقة أن كل الجهود المبذولة حاليا قد ركزت على التعاطي مع جوانب محددة من جوانب الأزمة، والتي تتركز في جوانب العرض والطلب والتمويل. ومع أن هذه الجوانب تمثل محاور رئيسة من محاور الحل، إلا أن هناك جانبا آخر يحمل أهمية كبرى في منظومة الحل، ويشهد تغييبا وإهمالا كبيرين من كل الجهات ذات العلاقة بهذه القضية. هذا الجانب هو جانب الخدمات المتعلقة بقطاع الإسكان، والتي تمثل منظومة من الأدوات والخدمات التي تسهم في تدوير عجلة القطاع وتفعيل دورته التنفيذية. هذا المقال يسعى إلى توجيه الانتباه لهذا الجانب الحيوي عسى أن يجد له مكانا في أجندة اهتمامات الجهات التي تسعى إلى حل أزمة الإسكان في المملكة.
أبدأ أولا بتعريف مفهوم خدمات الإسكان، وأقول إنها منظومة الخدمات التي تقدمها جهات تخصصية مختلفة لإتمام عملية تملك المسكن. هذه الخدمات تتباين في طبيعتها ونوعيتها ومستوى وتوقيت الحاجة إليها تبعا لاحتياجات الأطراف ذات العلاقة بعملية تملك المسكن، وتبعا لواقع السوق وكم المعلومات المتوافرة في هذه العملية. النموذج الأقرب للجهات التي تقدم هذا النوع من الخدمات هي المكاتب العقارية التي تقوم بدور الوسيط بين البائع والمشتري، وهو نموذج أعده قاصرا حتى الآن عن أداء الدور المأمول منه نتيجة لقصور الفهم لدى العاملين في هذه المكاتب باحتياجات السوق ومتطلبات أطراف العملية، علاوة على غياب مبدأ الحياد في الوساطة العقارية نتيجة لكون هذا الوسيط يحصل على أتعابه كنسبة من صفقة شراء المسكن، وهو ما يعني بالضرورة انحيازه إلى طرف البائع في هذه العملية. وفي السوق السعودية الذي يتصف قطاع الإسكان فيه بالفوضوية وغياب الاحترافية ونقص المعلومات الفنية والتسجيلية حول الوحدات السكنية فإن الحاجة إلى منظومة متكاملة من الخدمات المتعلقة بقطاع الإسكان أصبح أكثر إلحاحا مما مضى، خاصة مع دخول أطراف أخرى في عملية تملك المساكن بخلاف البائع والمشتري، بما في ذلك جهات التمويل التي تعد المحرك الرئيس لسوق تملك المساكن. والمشكلة التي أراها في السوق السعودي أن جميع الأطراف في سوق الإسكان يفرضون شروطهم ومتطلباتهم ومعاييرهم الخاصة دون أن يتمكن أحد من التوفيق بين هذه المتطلبات التي يشوبها في أغلب الأحيان كثير من التعارضات التي تحول دون إتمام عملية تملك المساكن، أو على الأقل تجعلها أكثر عناء وصعوبة بما يحملها مزيدا من التكاليف غير المنظورة التي تسهم في تعميق مشكلة ارتفاع الأسعار بشكل عام.
لكي أوضح الصورة حول ما أريد طرحه في هذا الموضوع سأسرد فيما يلي قصة تجربة شراء مسكن لمواطن سعودي نمطي يمثل الشريحة الأكبر من متوسطي الدخل في المملكة. فصالح قرر وزوجته شراء منزل بعد سنوات من نزيف الموارد في إيجار شقة لم يرحمهما مالكها وهو يزيد من قيمة الإيجار عاما بعد عام. وبعد أن حددا ملامح المسكن الحلم والحي الذي يريدان السكن فيه بدأ صالح بالتجول بين المكاتب العقارية في ذلك الحي، وفي كل مرة كان مندوب المكتب، وهو أجنبي في الغالب، يعرض عليه عددا من الوحدات المعروضة لديه من قبل ملاكها، وكل ما كان يزوده به عن تلك الوحدات هو كم يسير من المعلومات لم يكن يتجاوز مساحة الوحدة وموقعها والشوارع التي تطل عليها وما تضمه من غرف ومنافع، وأخيرا يضعه بين مقياسي السوم والحد الذين يمثلان الوسيلة الوحيدة لتقييم الوحدات العقارية في المملكة. بعد أن وجد صالح عددا من الوحدات التي يمكن أن تناسب متطلباته بدأ جولة مضنية على تلك الوحدات بصحبة مندوبي المكاتب العقارية الأجانب الذين كانت كل مهمتهم فتح باب الوحدة للمعاينة دون إضافة أية معلومات عنها. ولأن صالح لا يملك أية خبرة أو معرفة هندسية فإنه كان مضطرا لفحص تلك الوحدات بعينه المجردة وبصورة سطحية. وبعد عدة أشهر من البحث والتجوال بين المكاتب العقارية والوحدات السكنية التي كانت تحمل لوحات تعلن عرضها للبيع وجد صالح ضالته في وحدة توافق متطلباته وإمكاناته، وبدأ جولة أخرى على البنوك وشركات التمويل العقاري بحثا عن العرض الأفضل الذي يلائم إمكاناته المتواضعة، وهي تجربة لم تكن أقل عناء من تجربة البحث عن المسكن بكل ما واجهه من تلك البنوك من شروط وطلبات وجد صالح أنها كانت بعيدة كل البعد عن تلك الحملات الإعلانية المغرية التي كان يراها على صفحات الجرائد عن قروض سهلة وميسرة من تلك البنوك. وبعد أخذ ورد وبحث وتمحيص توصل صالح إلى اتفاق مع أحد تلك البنوك، واستكمل كل الإجراءات التي فرضها عليه بما فيها تحويل راتبه إلى ذلك البنك، وقام بتوقيع عقد الشراء مع البنك واستلم مفاتيح المسكن وبدأ رحلة أخرى من المعاناة في الانتقال إلى المسكن الجديد ووضع بعض اللمسات الشخصية عليه ومعالجة بعض العيوب الظاهرة فيه. فرح صالح وزوجته بتحقيق الحلم، وعاشا مزيدا من الأحلام الوردية التي أرادا لهذا المسكن أن يكون منطلقا لتحقيقها. بعد فترة حل الشتاء الأول على صالح وزوجته، وبدأت رحلة جديدة من المعاناة من مشاكل فنية بدأت تظهر هنا وهناك في المسكن الذي اشتراه، وبدأت أسقف المنزل تسرب المياه مع أول هطول للمطر، وبات صالح وزوجته يضربان كفا بكف على هذا المسكن الذي اشترياه ليكون سكنا لهما فإذا به ينقلب وبالا عليهما، وأصبحا الآن أمام حلين أحلاهما مر، فإما تكبد مزيد من الأموال لإصلاح المنزل وترميمه، وإما الرجوع إلى البنك لإلغاء الصفقة وخسارة جزء مما دفعه مقابل الخروج من هذه الورطة.
قصة صالح هي قصة كل مواطن سعودي يريد شراء مسكن يأوي إليه، وهي قصة تقليدية يمكن أن يكون البعض قد عاش أجزاء منها أو عانى ما هو أشد مما عاناه صالح فيها. وما أريد قوله من هذه القصة هو أن صالح وأشباهه يضطرون إلى خوض غمار هذه المعاناة دون معين أو مرشد، والوسيط العقاري الذي أرشده إلى المسكن انتهى دوره بإتمام الصفقة وقبض العمولة دون أن ينبهه إلى المخاطر التي كانت تحدق به. إن سوق الإسكان في حاجة ملحة إلى منظومة متنوعة من الخدمات التي كانت لتمكن صالح من تحقيق حلمه بشكل أكثر يسرا وأقل خطرا وربما أقل تكلفة مما تكبده في هذه الصفقة الخاسرة. وسأطرح في المقال المقبل ـــ بإذن الله ـــ رؤية لهذه المنظومة وما يمكن أن تسهم به في تطوير قطاع الإسكان وحل الأزمة التي تحيق به.

النفايات البلدية.. الثروة المهدرة

لا ينكر أحدٌ كم التطور الذي تشهده مدننا السعودية، على وجه العموم، ومدينة الرياض على وجه الخصوص، وهي المدينة التي حظيت بمنظومة من المؤسسات المحترفة التي تقوم على إدارتها وتنميتها، وعلى رأسها أمانة منطقة الرياض، والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. ولكن كل هذا التطور وتلك المشروعات التي تشهدها هذه المدينة خاصة عجزت عن إيجاد حلول جذرية لمشكلة تسبّبت على الدوام في تشويه صورة شوارع المدينة وأحيائها، ألا وهي مشكلة النفايات البلدية. والحقيقة أن هذه المشكلة لا تتعلق فقط بالآثار السلبية على صورة المدينة ومستوى حياة سكانها، ولكنها تعد بحق إحدى أفدح صور الهدر في الموارد التي لم يلق أحدٌ لها بالاً حتى الآن على الرغم من كل الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية التي تحملها، وعلى الرغم من كل التجارب العالمية التي سبقتنا في هذا المضمار.
أبدأ حديثي بإلقاء نظرة على واقع إدارة النفايات البلدية في مدينة الرياض كحالة تحاكيها في مجمل أركانها كل المدن السعودية. أول عناصر هذا الواقع وأبشعها تلك الصناديق التي تنتشر على جنبات الطرق الرئيسة وفي داخل الأحياء، وهي صناديق بالية مشوّهة كثيراً ما تزاحم السيارات في المواقف، أو تعترضها في وسط الطريق، تسكنها القطط وربما أنواع أخرى من الحيوانات والقوارض، وتفيض بمحتوياتها من النفايات من جرّاء تأخر تفريغها. أجزم أنه لا يختلف اثنان على رفض هذا المشهد المقزز في شوارع المدينة وأحيائها، ولكنني أتحسر كثيراً في كل مرة أرى فيها تلك الصناديق وقد امتلأت بكثير من المواد التي كان من الممكن استخدامها واستثمارها بشكل أفضل. العنصر الثاني الذي لا يقل بشاعة عن الأول هو سيارات النفايات التي تجوب الأحياء لتفريغ الصناديق من محتوياتها، وهي ليست إلا صندوقاً ضخماً متنقلاً من تلك الصناديق يجوب الطرق والأحياء لينشر الروائح الكريهة والمشاهد المقرفة. أما العنصر الثالث الذي لا يراه عامة الناس فهو مكبات النفايات التي تعد بحق فضيحة بيئية بكل المقاييس، مع العلم أن المملكة هي إحدى الدول الموقعة على اتفاقية كيوتو، التي تمنع ردم النفايات ودفنها بسبب ما تنتجه من أبخرة ضارة بالصحة والبيئة. المشكلة أن الواقع الحالي يجر على مدننا ونمط حياتنا كثيراً من المشاكل والتبعات، ومنها - على سبيل المثال - المشاكل الناتجة عن خروج خادمات المنازل لوضع النفايات في الصناديق وما يتبع ذلك من مشكلات اجتماعية يعانيها الكثيرون، وصور أخرى كثيرة من مثل هذه المشكلات التي ليست إلا نزراً يسيراً من حجم الثمن الفادح الذي يدفعه المجتمع من هذا النمط الرجعي لإدارة النفايات البلدية. وأنا أتساءل كثيراً عن السبب الذي يمنع الأمانات والبلديات في المملكة من اعتماد مبادرة بسيطة تلزم أصحاب المنازل بوضع غرف للنفايات في أسوار منازلهم يتم فتحها من داخل المنزل لوضع النفايات بها ومن ثم تفتح من الخارج من قبل عمال جمع النفايات لنقلها إلى سياراتهم بشكل منظم. أليس هذا حلاً بسيطاً يسهم في تحسين نمط التعامل مع هذه القضية؟
انتهى المشهد، ثلاثة عناصر فقط هي كل ما تضمه منظومة إدارة النفايات في المملكة، وهو ما يعبّر بجلاء عن تواضع النظرة الرسمية والمهنية في التعاطي مع هذه القضية. ومنظومة إدارة النفايات في المملكة لا تضم أي وسائل لتصنيف النفايات وفرزها بحسب نوعياتها وإمكانات إعادة استخدامها، ولا تضم أي معامل أو مصانع تستقبل هذه النفايات ''المفروزة'' مسبقاً لتدخلها في دورة إعادة التدوير والاستخدام، ولا تضم حتى أي محاولة لبيع هذه النفايات إلى مَن يمكن أن يستفيد منها في دورة إنتاجية مكتملة. هذه العناصر التي أتحدث عنها هي عناصر أساسية في دورة إدارة النفايات البلدية في الكثير من الدول، بما فيها بعض الدول المجاورة التي نعدها متأخرة في ركب التطور ومسيرة التنمية. حتى العناصر المحدودة التي تتم بها إدارة النفايات في المملكة تعاني تدني المستوى وتدهور الأداء، ناهيك عن هدر الموارد، وهو ما يُدمي القلب في هذه القضية، خاصة عندما نقرأ عن ترسية عقود نظافة المدن بمئات الملايين من الريالات، والتي أعدها هدراً بواحاً لمقدرات الوطن، ليس فقط نتيجة صرف هذه الملايين مقابل أداء متردي المستوى في نظافة المدن، ولكن عبر تفويت فرص هائلة في استثمار تلك النفايات في منظومة متكاملة ممنهجة محترفة تشمل عمليات الجمع والفرز والنقل والتدوير. أنا أعلم شخصياً عن شركات عالمية عديدة قدمت مقترحات وعروضاً لبعض أمانات المدن في المملكة لتولي منظومة إدارة النفايات وإراحة الأمانات من صرف كل تلك الملايين مقابل امتياز استغلال تلك النفايات وتدويرها، ولكنها لم تجد منها أذنا صاغية. فهل أن تلك الشركات من الغفلة حتى تتحمّل كل تلك التكاليف التي تنفقها الأمانات لجمع النفايات دون أن تجد فيها ثروة مهدرة وفرصة استثمارية سانحة؟
الجانب الأخير الذي أود الحديث عنه هو غياب دور التعليم في هذه القضية، فمناهج التعليم لا تكاد أن تتحدث عنها إلا من منطلق أن النظافة من الإيمان، ولا تتضمن أي محتوى يغرس في النشء مفاهيم التعامل مع النفايات وإدارتها وقيمتها المادية. أنا شخصياً لم أسمع عن مدرسة واحدة في كل المملكة بطولها وعرضها بادرت بوضع حاويات مصنفة للنفايات؛ لتُعلِّم الطلاب مبادئ الفرز والفصل بين أنواعها المختلفة وما يتلوه من وسائل مختلفة لاستخدامها وتدويرها والاستفادة منها. وأنا أتحدث كثيراً عن التعليم؛ لا لأحمّله المسؤولية عن المشاكل التي نعانيها، بل لأنني أؤمن بأن تحسين نمط حياتنا وحل كل مشاكلنا يأتي عبر الاستثمار في تعليم متطوّر ينشأ به جيلٌ جديدٌ أكثر فهماً وقدرة على حل مشاكل مجتمعه من هذا الجيل الذي تعوّد أن يبقى على الدوام متفرجاً دون مبادرة.

تجربة مؤلمة مع المنافذ الحدودية

تعتبر المنافذ الحدودية بمختلف أصنافها إحدى أهم الواجهات الحضارية للدول؛ فهي تمثل التجربة الأولى للقادمين إلى أية دولة، وعنوانا لما تمثله هذه الدولة ومواطنوها من قيم ومثل وما تملكه من إمكانات. والسعودية بمساحتها الشاسعة ومنافذها المتعددة بين برية وبحرية وجوية تواجه كثيرا من التحديات في هذا المضمار، خاصة أنها تعد قبلة المسلمين الأولى، ويقصدها الملايين منهم بمختلف وسائل النقل لأداء مناسك الحج والعمرة، علاوة على أنها مقصد اقتصادي واستثماري مهم للعديد من رجال الأعمال والعاملين الذين يأتون إليها من مختلف أنحاء العالم.
حديثي اليوم يلخص تجربة شخصية خضتها مع أحد المنافذ البرية على حدود المملكة، ويهدف إلى توجيه الانتباه إلى مجموعة من الملاحظات والمشاهدات التي سجلتها في هذه التجربة، والتي كانت على وجه التحديد في منفذ سلوى الحدودي مع قطر الشقيقة، والتي اصطحبت أسرتي إليها في زيارة قصيرة في إجازة عيد الأضحى المبارك، أعاده الله على الجميع بالخير واليمن والبركات. ومع أن هذه المشاهدات تخص هذا المنفذ على وجه التحديد، إلا أنني أثق أنها تمثل حالة عامة مع جل المنافذ البرية، اللهم إلا فيما يخص المنفذ الحدودي مع البحرين، ربما لأنه يدار من قبل مؤسسة متخصصة ورائدة هي مؤسسة جسر الملك فهد؛ وهو ما يبرز إمكانية تكرار هذا النموذج المؤسسي الرائد لإدارة المنافذ البرية في المملكة.
الملاحظة الأولى تتعلق بحالة المنشآت في هذا المنفذ، وأنا لا أدري في الحقيقة ما عمر هذه المنشآت أو متى تم بناؤها؟.. ولكن أقل ما يقال عنها إنها أقل بكثير مما تستحقه وتمثله المملكة بإمكاناتها المادية بصفتها الدولة النفطية الأولى في العالم. منشآت هذا المنفذ تعاني حالة مزرية من التهالك والتدهور، جدرانها مليئة بالشروخ والتشققات بما يؤكد أنها تعاني نقصا وإهمالا فادحَين في الصيانة الدورية وجودة البناء، علاوة على أنها صممت بطريقة لا تحقق سلاسة الحركة المرورية في المنفذ، خاصة أن عدد مسارات الخدمة لا يزيد على خمسة مسارات، في الوقت الذي يضم الجانب القطري من المنفذ ثمانية مسارات تحقق مزيدا من السلاسة في الحركة. أكبر دليل على ذلك أن إجراءات الخروج من قطر استغرقت أقل من عشر دقائق، فيما استغرقت إجراءات عبور الجانب السعودي من المنفذ أكثر من ساعة كاملة للعدد ذاته من السيارات العابرة، وللقارئ الكريم أن يتصور ما يكون الحال عليه في مواسم الحج والعمرة التي تشهد أعدادا غفيرة من السيارات العابرة، وكم يمكن أن يستغرق إنهاء إجراءات العبور في المنفذ بهذا الواقع الذي يعيشه. الغريب أن كثيرا من المرافق التي يضمها المنفذ تشغل مباني متنقلة مؤقتة تفتقر إلى أبسط مكونات التجهيزات الفنية والمكتبية التي تؤهلها لأداء المهام المنوطة بها، بما في ذلك مكتب مديرية الشؤون الصحية التي يفترض بها أن تضم عيادات الفحص الطبي للقادمين إلى المملكة، وأهمهم القادمون لأداء مناسك الحج والعمرة. أما حالة دورات المياه في المنفذ فهي لا تحتاج إلى كثير من التعليق، وهي في الحقيقة لا تختلف كثيرا عن حالة دورات المياه في استراحات الطرق التي انبرت ألسنة الناس من الشكوى من حالتها المتردية التي لم تجد لها سبيلا للعلاج حتى الآن.
الملاحظة الثانية تتعلق بالتعاطي مع النساء المسافرات أثناء إنهاء إجراءات الجوازات في المنفذ، فالنساء المتحجبات والمنقبات اللائي لا يردن كشف وجوههن لموظفي الجوازات عليهن الترجل من سياراتهن والذهاب إلى مكتب جانبي منزو لإجراء عملية مطابقة الجواز للسيدات من قبل موظفات إدارة الجوازات. الاعتراض هنا ليس على طبيعة الإجراء، ولكن على الطريقة التي تجبر فيها أولئك النسوة على السير بين السيارات المصطفة بطريقة مهينة، والاصطفاف في طوابير خارج مقر المكتب الذي لا يتسع إلا لعدد قليل منهن؛ وهو ما يوقع ويسبب مزيدا من التأخير جراء انتظار السيارات في مسارات الحركة لعودة النساء بعد إتمام عملية المطابقة. في الجانب القطري رأيت سيدات يعملن في نوافذ الخدمة لإنهاء إجراءات السفر للمسافرين العابرين، وهو ما يجعلني أتساءل عن السبب الذي يمنع وضع موظفات الجوازات في الجانب السعودي في مكاتب محتجبة على مسارات الخدمة بشكل مباشر؛ حتى لا تضطر النساء المسافرات للترجل من السيارات والسير بينها للذهاب إلى ذلك المكتب الجانبي، وهو ما يمكن أن يكون وسيلة لخلق فرص وظيفية للفتيات المقيمات في المدن المتاخمة للمنافذ الحدودية.
الملاحظة الثالثة تتعلق بسلوكيات الموظفين في المنفذ، فكثير منهم لا يرتدي الزي الرسمي بالشكل الملائم، وربما كان بعضهم يرتدي زيا آخر بخلاف الزي الرسمي. والأدهى من ذلك أنك يمكن أن ترى موظفا في نافذة الخدمة وهو يدخن أثناء قيامه بمهام عمله في مخالفة صريحة وفاضحة لمبدأ منع التدخين في أماكن العمل الرسمية في المؤسسات الحكومية. والمشكلة هنا ليست فقط في صلب المخالفة، ولكن هذا الموظف المدخن يواجه جمهورا من المسافرين من مختلف الأجناس والأعمار، ولا أدري ما هو النموذج الذي يقدمه للأطفال المرافقين لآبائهم وهو يدخن وهو على رأس العمل وبالزي العسكري الرسمي. وأنا أسوق هذه الملاحظة ليس على سبيل التعميم، ولكن وجود نماذج مخلة بين أولئك الموظفين العاملين في المنافذ الحدودية يتطلب معالجة حاسمة وحازمة؛ حتى يكون موظفو المنافذ الحدودية عنوانا للمواطن السعودي الملتزم بالأنظمة والتعليمات.
خلاصة القول، الملاحظات والمشاهدات التي سجلتها في تلك التجربة تتطلب تدخلا وتعاطيا جادا من قِبل إدارات الجمارك والجوازات؛ حتى تكون منافذنا عنوانا للرقي والرخاء الذي رفعته قيادة هذه الدولة شعارا وراية لها. وكل ما أرجوه أن يقوم المسؤولون على الأجهزة المختصة ذات العلاقة بزيارة هذه المنافذ والوقوف على هذه الملاحظات وغيرها مما يشتكي منه المسافرون، آملا ألا تكون العقبة أمام ما نرجوه من معالجة في هذه المرة، كما هي في كل مرة، مخصصات وزارة المالية ونظام المشتريات الحكومية العتيد.

ملكية الشركات والشركات الملَكية

الخبر الذي أراه بين الفينة والفينة على صفحات الجرائد دون أن أفهمه أو أعرف المغزى من ورائه هو ذلك الخبر الذي يأتي على صيغة ''إعادة انتخاب الشيخ فلان الفلاني رئيسا لمجلس إدارة الشركة الفلانية''. وأنا في الحقيقة لا أدري ما الذي يهم المجتمع عامة، والمجتمع الاقتصادي خاصة، من هكذا خبر، خاصة أن مثل أولئك القادة في تلك الشركات كانوا على رأس الهرم في قيادتها على مدى فترات طويلة، حتى أصبح معظمهم رموزا لتلك الشركات وسمة لازمة لها. هذا الواقع لا يمثل بالضرورة سببا ومبررا يتم الركون إليه لتبرير فشل أداء بعض تلك الشركات، ولكنه بالتأكيد يمثل حالة تستحق النظر إليها بجدية، خاصة في حالة الشركات المساهمة العامة. وإذ أثارت لدي هذه الظاهرة تساؤلا حول الربط بين ملكية أسهم الشركات وتلك السمة التي يمكن وصفها بالملَكية في تشكيل مجالس إدارة هذه الشركات، فسأتناولها في هذا المقال برؤية قد تبدو جديدة ومزعجة للبعض من الإخوة القراء.
لا يختلف اثنان على أن التجديد والتغيير مطلب مهم في كثير من مناحي الحياة، فهو مجلبة للحيوية والإبداع، ومبعدة للجمود والتكرار والبلادة. وفي حالة الشركات التجارية، وخاصة المساهمة منها، فإن الجمود الغالب الذي يعانيه تشكيل مجالس الإدارة يثير كثيرا من التساؤلات حول أداء تلك الشركات، وحول السبب الحقيقي وراء تحويل تلك الشركات من شركات عائلية إلى شركات مساهمة عبر اكتتابات وهمية مضخمة يتم من خلالها امتصاص مدخرات الناس دون تفعيل مشاركتهم في منظومة الإدارة في هذه الشركات. إن كثيرا من تلك الشركات بقيت ولمدد طويلة تدار من قبل أفراد محدودين يتم انتخابهم وتعيينهم مرة بعد مرة استنادا إلى ملكيتهم لحصص الأغلبية في تلك الشركات، وهو ما يحرم هذه الشركات من دماء جديدة وكفاءات واعدة يمكن أن تضيف الكثير لمحصلة الأداء فيها، ويبقيها تحت سيطرة هؤلاء الأفراد بفكرهم الراكد الذي يفتقر إلى التجديد والإبداع. ومع أني لا أحبذ شخصنة الأمور التي أتحدث عنها، إلا أنه قد يكون من المفيد إيراد أمثلة حول هذا الطرح. فشركات مثل شركة مكة للإنشاء والتعمير، وشركة دار الأركان، ومجموعة الحكير، ومجموعة سامبا المالية، وشركة المملكة القابضة، وغيرها الكثير من الشركات المساهمة التي تتداول أسهمها في سوق المال السعودي، تخضع لسيطرة أفراد ومجموعات عائلية منذ أن تأسست هذه الشركات. وأنا بالطبع لا أريد التشكيك في كفاءة هذه القيادات التي يعزى لها الفضل في تأسيس هذه الشركات وإيصالها إلى المكانة التي تحتلها في منظومة الاقتصاد الوطني. ولكن هذه الاستمرارية الأبدية المبنية على حصص الملكية في هذه الشركات تحد من قدرتها على توظيف قدرات إدارية فاعلة يمكن أن تضيف الكثير لأداء هذه الشركات، وتمثل تعارضا صارخا مع مبدأ الفصل بين الملكية والإدارة الذي يمثل أحد أهم مبادئ التحول من شركات خاصة وعائلية إلى شركات مساهمة.
التساؤل الأهم الذي أطرحه هنا هو عن السبب الحقيقي وراء هذا التحول الذي نشهده من حالة الشركات الخاصة والعائلية إلى شركات مساهمة. ففي ظل هذه السيطرة المستمرة على مجالس إدارة هذه الشركات وعلى سياسة العمل فيها يخيل للرائي أن الغرض الحقيقي من هذا التحول لا يعدو أن يكون استقطاب مدخرات واستثمارات المواطنين وحصرها في حصص أقلية لا تمكنهم من المساهمة ولو بالرأي فحسب في إدارة هذه الشركات. وإذا كان هذا الأمر صحيحا فإنه لا يمثل فقط شكلا من أشكال الاستغلال والتربح، بل إنه يعد خللا فاضحا في آلية الإدارة في مثل هذه الشركات، ويثير كثيرا من التساؤلات حول قدرتها على التطور والنمو وتحقيق عوائد استثمارية مجزية لأولئك المستثمرين. السبيل الأنجع لتصحيح هذا الواقع هو في فرض تنظيمات وتشريعات ملزمة تمنع ترشيح أي شخص لاحتلال موقع في أحد مجالس إدارة هذه الشركات لأكثر من عدد محدد من دوراتها، وليكن لدورتين أو ثلاث دورات بحد أقصى، إضافة إلى تضمين هذه التنظيمات معايير جديدة لاختيار أعضاء مجالس الإدارة في هذه الشركات بعيدا عن حصص الملكية التي يحملها المساهمون. قد يقول قائل إن هذه المقاربة تمثل إخلالا بحق كبار المساهمين في تولي مهام الإدارة في شركات يملكون فيها حصص الأغلبية. وأقول إن هناك حالات أخرى لشركات لم يتم تشكيل مجالس إداراتها استنادا إلى ملكية الحصص، وأكبر مثال على ذلك حالة مصرف الإنماء الذي يملك فيه عامة المواطنين 70 في المائة من أسهم الملكية، في الوقت الذي لا يبلغ فيه تمثيلهم في مجلس الإدارة أكثر من 30 في المائة من عدد المقاعد. وإذا كانت هذه الحالة تمثل نموذجا للحاجة إلى تشكيل المجلس من كفاءات قادرة على إدارة دفة الكيان، فإن ذات المبدأ يمكن أن يتم اتباعه وتطبيقه في الشركات الأخرى بعيدا عن فرض تشكيل المجالس استنادا إلى ملكية الحصص.
خلاصة القول، يجب أن يتم التفريق بين ملكية الشركات وإدارتها، وألا تتحول الشركات المساهمة إلى كيانات ملَكية الشكل تؤول فيها السيطرة لقلة قليلة من كبار المساهمين. والعائد الذي يمكن أن يتحقق لأولئك من تجديد الدماء في مجالس الإدارة يمكن أن يكون أكبر مما يتحقق لها تحت إدارتهم المباشرة. ونحن نرى بعضا من هذه الشركات وهي تتخبط في معدلات أداء لا يرضى عنها أحد، حتى انهارت قيم أسهمها إلى أدنى من ربع قيمتها التي طرحت بها في اكتتابات مزعومة عادت على المواطنين بكثير من الخسائر والويلات.