بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٧ يونيو ٢٠١١

أزمة الطاقة بين أرامكو السعودية وشركة الكهرباء


الزيارة التي تسنى لي أن أحظى بها لشركة أرامكو السعودية قبل حوالي أسبوعين كشفت لي كثيرا من المعلومات حول أزمة الطاقة ونزيف النفط ، وهو ذات الموضوع الذي تناولته بالحديث في مقال نشرته في هذه الصحيفة قبل تلك الزيارة بعدة أشهر . تلك المعلومات فاقمت كم القلق والمخاوف التي عبرت عنها في ذلك المقال ، بعد أن أوضحت الأرقام والإحصاءات كم المخاطر ومقدار الهدر في استهلاك النفط لإنتاج الطاقة ، وهو ما لم تتناوله حتى الآن شركة الكهرباء بما يستحقه من اهتمام ، كونها لا زالت حتى الآن تتبنى إنتاج الطاقة الكهربائية بوسائل تقليدية عفا عليها الزمن ، وتتسبب في إهدار المصدر الرئيس لموارد الدولة المالية ، في الوقت الذي تتبارى فيه الأمم الأخرى في تطوير مصادر الطاقة البديلة . بينما كنا نتنقل بين أرجاء الشركة وفق برنامج الزيارة الحافل ، وردت إلى هاتفي الجوال رسالة قصيرة تحمل خبر منح الدولة شركة الكهرباء قرضا حسنا قيمته أكثر من 50 مليار ريال ، وهو القرض الثاني خلال سنة واحدة بعد القرض السابق الذي بلغت قيمته 15 مليار ريال . وبعد كل هذه المليارات التي قدمتها الدولة للشركة في شكل قروض حسنة معفاة من الفوائد ، حصلت الشركة في الأسبوع الماضي على قرض جديد بقيمة مليار دولار من أحد البنوك الفرنسية . خبر القرض الأخير أثار لدي كثيرا من علامات الاستفهام حول حاجة الشركة إلى هذا القرض الصغير نسبيا مقارنة بكل تلك المليارات عديمة التكلفة التي حصلت عليها الشركة من الدولة . فإذا كانت الشركة تستطيع الحصول على قروض من أسواق التمويل المحلية والعالمية فلماذا تستنزف موارد الدولة التي كان من الممكن توجيهها لدعم مشاريع التنمية الأخرى ، وما هي خطة الشركة لتوظيف كل تلك المليارات في معالجة جذور المشكلة المتعلقة بنمط إنتاج الطاقة الكهربائية ونزيف النفط الذي يمثل مورد الدولة الرئيس .
قبل أن أسترسل في الحديث ، أجد لزاما علي أن أسوق للقاريء الكريم خلاصة تلك المعلومات والأرقام والإحصاءات التي حصلت عليها أثناء زيارة شركة أرامكو السعودية حول هذا الموضوع . فالشركة تقول أن الاحتياطي المسجل من النفط يبلغ حوالي 260 مليار برميل ، وأن كثافة الطاقة في المملكة تبلغ 480 وحدة مقابل 220 وحدة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال . وكثافة الطاقة تعرف بأنها معدل استهلاك وحدة واحدة من الطاقة لكل وحدة من الناتج القومي ، ويتم احتسابها بقسمة كمية الطاقة المستهلكة محليا على الناتج الإجمالي المحلي للدولة . هذه المقارنة تعني أن معدل استهلاك الكاقة في المملكة يبلغ أكثر من ضعف مثيله في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بالناتج القومي لكل منهما ، وهو ما يمثل مؤشرا خطيرا حول تفاقم معدلات استهلاك الطاقة محليا . شركة أرامكو تقول أيضا أن الزيادة في معدل استهلاك الطاقة ستصل إلى حوالي 170% خلال 20 سنة ، وهو ما يتطلب إنفاق أكثر من 1.2 تريليون ريال لإنتاج الطاقة الكهربائية بذات الوسائل الحالية بخلاف النفقات المطلوبة للبنية التحتية ومد الشبكات والأعمال الأخرى ذات العلاقة . هذه الزيادة المطردة في استهلاك الطاقة مع كل ما توقعه من زيادة في الهدر تمثل واقعا يعاكس التوجه العالمي الذي يؤكد تناقص معدلات استهلاك الطاقة في الدول المتقدمة ، حيث أن كثافة الطاقة في دول أوروبا على سبيل المثال تتناقص بمقدار 7% سنويا . تقول الشركة أيضا أن مقدار الفاقد في استهلاك النفط حاليا يبلغ حوالي 500.000 برميل تبلغ قيمتها حوالي 50 مليار ريال سنويا ، وتتوقع الشركة أن يزيد هذا الفاقد مع استمرار نمط الاستهلاك الحالي ليصل إلى أكثر من 250 مليار ريال في العام 2030 م . إن هذه الأرقام والمعلومات تثير الرعب وتدق ناقوس الخطر حول مشكلة خطيرة تحدق بمستقبل اقتصادنا الوطني ومقدرات الأجيال القادمة . وكل هذا الهدر والفاقد في استهلاك الطاقة والنفط هو في حقيقته يأتي على حساب الاستثمار في تطوير البنية التحتية والاجتماعية والبشرية ، ويمثل هدرا لمواد ومنتجات يفترض فيها أن تكون معدة للتصدير لا للاستهلاك الجائر . والحديث عن الاستهلاك الجائر يعيد إلى الذاكرة مخاطر واقع استهلاك البنزين الذي يعد الأرخص على مستوى العالم ، ويعود بخسائر هائلة على موارد الشركة والدولة ، خاصة إذا علمنا أن حوالي 35% من البنزين المستهلك محليا يتم استيراده من خارج المملكة في ظل قصور إمكانات المصافي المحلية لمواجهة الطلب المحلي المتنامي على البنزين الرخيص .
في المقابل ، فإنه لا يبدو أن أيا من مؤسسات الدولة يعي حقيقة المخاطر التي تؤشر لها هذه الأرقام والمعلومات الخطيرة ، فكل الأمور لا زالت تجري وفق ذات النمط المعتاد من إهدار الموارد والطاقات ، وما من جهد موجه ومركز لتطوير بدائل اقتصادية وفعالة لإنتاج الطاقة ، ولا لترشيد الاستهلاك الذي نشهد أوجه الهدر فيه في كل مناحي حياتنا . ونحن لا زلنا حتى الآن نرى أعمدة الإنارة في الطرق مضاءة في وضح النهار ، بما فيها طريق الملك عبد الله حديث الافتتاح الذي كان من المتوقع أن يوظف أفضل التقنيات لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية . ولا زلنا نرى المباني الحكومية تشع بإضاءتها ليلا في الوقت الذي أغلقت فيه أبوابها وآوى موظفوها إلى منازلهم ، بما فيها جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن التي تضاء أنوار مبانيها وطرقها ليلا وهي لما تبدأ تشغيلها الفعلي بعد . ووزارة الإسكان التي تم تكليفها بمهمة بناء 500.000 وحدة سكنية لم تعلن حتى الآن عن تبنيها أية مناهج لتوظيف تقنيات تسهم في ترشيد استهلاك الطاقة ، ناهيك عن استهلاك مواد البناء في ظل الآليات التقليدية التي لا زالت الوزارة تعتمدها في منهجها الذي تدور حوله الكثير من التساؤلات . الأهم من ذلك أن شركة الكهرباء ، المسئول الأول عن إنتاج الطاقة الكهربائية ، لا زالت تتبنى إنتاج الطاقة الكهربائية بذات الوسائل القديمة التي توجه إليها أصابع الاتهام في هدر النفط ، ولا زالت تستخدم ذات المولدات التي تعمل بأقل من نصف طاقتها الإنتاجية . أخشى ما أخشاه أن توجه كل تلك المليارات التي حصلت عليها الشركة من الدولة ومصادر التمويل الأخرى لبناء وحدات إنتاجية تستخدم ذات الآليات العقيمة في إنتاج الطاقة ، وهو ما يؤشر إليه غياب جهود البحث والتطوير لمجالات الطاقة البديلة التي غضت الشركة عنها بصرها مؤثرة استمرار نهجها الحالي ، وهو ما تدل عليه تصريحات المسئولين في الشركة ووزارة المياه والكهرباء .
خلاصة القول ، قضية إنتاج الطاقة ونزف النفط قضية خطيرة تحمل في طياتها كثيرا من المشاكل والمخاطر التي تحدق بمستقبل بلادنا ، وهي تتطلب من الجميع أولا الاعتراف بهذا الوضع المخل ، ووضع الأصبع على مواطن الخلل ، والعمل على وضع حلول عاجلة لمعالجة هذه القضية معالجة جذرية ممنهجة . وأول ما يجب فعله هو تنظيم مؤتمر وطني حول هذه القضية المصيرية ، يجلس فيه المسئولون في الجهات ذات العلاقة جنبا إلى جنب ، ويضمو أيديهم وعقولهم بنية مخلصة للخروج بالحلول التي تتطلبها هذه المعالجة . أما استمرار النهج الحالي من إلقاء التهم وتبادل المسئوليات فإنه لن يعود على مقدرات الأمة ومسيرة التنمية سوى بمزيد من الهدر وتعميق المخاطر .

الأحد، ١٩ يونيو ٢٠١١

مشاهدات من داخل أرامكو السعودية


أعترف أنني لم أكن أعرف الكثير عن شركة أرامكو السعودية ، وأجزم أن الكثيرين من أبناء وطني هم أيضا كذلك . كل ما نعرفه عن هذه الشركة يقتصر على اختصاصها بأعمال التنقيب والإنتاج والتسويق للمنتج الذي يمثل المصدر الأول والرئيس لموارد الدولة المالية ، علاوة على ما نسمعه عنها بين الفينة والفينة من أخبار محلية وعالمية ، بما في ذلك تلك الأخبار عن خلافاتها مع شركات التطوير العقاري ، وشركات صناعة الإسمنت ، وغيرها من القطاعات التي تتعارض أجنداتها مع أجندات هذه الشركة . والحقيقة ، أن شركة أرامكو السعودية تبنت دوما استراتيجية إعلامية متحفظة ، فابتعدت عن إطلاق التصريحات والبيانات الصحفية ، وآثرت الصمت في معظم الأحيان حيال ما يدور حولها من جدل ، وما تنشره الصحف ووسائل الإعلام حولها من أخبار . كثيرون هم من كانو ينظرون إلى هذه الشركة وكأنها دولة مستقلة داخل الدولة ، تعمل وفق أنظمة وآليات تختلف عما يجري في كل مؤسسات الدولة الأم ، وتتمتع بمساحة واسعة من حرية التصرف وقوة التأثير ، حتى أنها تضم نمطا مختلفا من أنماط الحياة الاجتماعية داخل أسوارها الحصينة . وفي الأسبوع الماضي ، تسنى لي أن أحظى بفرصة لزيارة هذه الشركة والتعرف عليها من الداخل ، وخرجت من هذه الزيارة القصيرة المركزة بالكثير من الانطباعات والمعلومات التي وجدت لزاما علي أن أنقلها للقاريء الكريم .
أول الانطباعات التي خرجت بها من هذه الزيارة هو ما رأيته من ممارسة احترافية لفكر العمل المؤسسي . فأرامكو السعودية لا تقوم على قدرات الأفراد ولا على توجهاتهم وخططهم وأفكارهم الفردية ، ولا تتغير استراتيجاتها ومناهج عملها بتغير قادتها ومدرائها . كل القيادات الذين تسنى لي مقابلتهم في هذه الزيارة هم جنود مجهولون ، لا أحد يعرفهم ولا نسمع عنهم في أروقة الإعلام . مع أنهم يعملون على إدارة دفة القيادة في شركة تحمل مكانة الريادة العالمية ، وتقوم على إدارة شئون المورد الأول والرئيس لخزينة الدولة . الأمر الآخر المبهر في هذا الكيان هو تبنيه لأنشطة البحث والتطوير في مجالات عمل الشركة ، وسعيه الدؤوب لتطوير التقنيات والمعارف والعلوم التي تسعى من خلالها لمعالجة المشكلات التقنية التي تواجه عمليات الإنتاج والتكرير والنقل وغير ذلك من عمليات الشركة . وفوق ذلك ، فهي تضم مركزا للبحث والتطوير تقوم من خلاله باحتضان جهود العلماء والباحثين الأفراد ، وتدعم جهودهم البحثية للمساهمة في تحويل أفكارهم واختراعاتهم إلى منتجات حقيقية . ومع أن هذا المركز لم يبلغ ن العمر أكثر من عشر سنوات ، إلا أنه أنتج عددا من براءات الاختراع التي يفوق عددها كل براءات الاختراعات التي أنتجتها بقية المؤسسات البحثية ، بما في ذلك مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية . ومن ناحية أخرى ، فإن هذه الشركة عرفت بسعيها إلى ترسيخ ولاء موظفيها وانتمائهم لها ، وذلك عبر توفير بيئة عمل مريحة ومحفزة للانتاج ، فهي توفر لهم المساكن ببرامج تمويل مريحة ، وتوفر لأبنائهم برامج تعليمية مميزة ، وتوفر لهم ولأسرهم خدمات صحية متقدمة . أكثر ما أبهرني في هذه الزيارة هو مراكز وغرف العمليات التي يتم من خلالها إدارة كل عمليات الشركة ، وهي التي صنفت إلى مسارين رئيسيين ، الأول للعمليات التحتية التي تختص بأعمال التنقيب والحفر والإنتاج وما يتعلق بها ، والثاني للعمليات الفوقية التي تختص بالتخزين والشحن والنقل وما يتعلق بها . وفي كل تلك العمليات ، تقوم الشركة باستخدام وتوظيف أحدث التقنيات والتجهيزات الفنية والآلية ، علاوة على أفضل القدرات البشرية من علماء وباحثين وموظفين وعمال . مشهد غرف العمليات التي أشرت إليها ذكرني بتلك المشاهد التي نراها في الأفلام والبرامج الوثائقية عن غرف عمليات ناسا وقوقل ومايكروسوت وغيرها من الشركات العالمية المتقدمة .
كل هذا ليس إلا غيضا من فيض مجالات التميز التي شاهدتها في زيارتي لهذه الشركة ، زيارة خرجت منها مملوءا بمشاعر الفخر والحبور . ومع ذلك ، فقد اختلطت هذه المشاعر بشيء من مشاعر الحسرة والخذلان تجاه بقية المؤسسات والشركات في بقية القطاعات في المملكة . كل تلك المميزات التي رأيتها في أرامكو السعودية تفتقر لها معظم الكيانات والشركات العاملة في المملكة ، بما فيها مؤسسات القطاع الحكومي . فغياب الفكر المؤسسي وسيطرة الفكر الفردي في العمل ظاهرة مستشرية ، والقائد في الأغلب الأعم هو صاحب السطوة في القيادة وتوجيه دفة العمل ، ودائما ما نرى خطط تلك الإدارة واستراتيجيات تلك الوزارة تتغير بتغير قادتها ، وهو ما يوقع كثيرا من الهدر والخلل في أداء تلك الأجهزة . كما أن الموظفين هم في العادة في ذيل قائمة الاهتمامات ، ولم أسمع عن أية مؤسسة حكومية أو خاصة تبنت أية برامج لخدمة الموظفين كتلك البرامج التي رأيتها في ارامكو السعودية . والأمر ذاته ينجر على بقية الجوانب ، فما من اهتمام بالبحث والتطوير وتنمية الإبداع واحتضان المبادرات ، ولا من جهود حقيقية لتوطين التقنية وتوظيفها توظيفا فعالا . كنت دوما أستغرب وأستنكر تكليف شركة أرامكو السعودية بالإشراف على بعض المشروعات التي تحمل أهمية خاصة ، وهو ما كنت أرى فيه تعبيرا فاضحا عن قصور الجهات القائمة على تلك المشروعات ، علاوة على الحياد بتلك الشركة عن مهامها الأساسية ، وتحويلها إلى ممارسة نشاط إدارة المشاريع الذي يفترض بغيرها القيام به . والسؤال هنا ، ألا يمكن أن تكون كل شركاتنا وأجهزتنا الحكومية على غرار أرامكو السعودية ، ولماذا لا تؤخذ هذه الشركة نموذجا يحتذي في جودة الأداء ورقي العمل .
ومع كل هذه الانطباعات الإيجابية التي خرجت بها من هذه الزيارة ، إلا أنني لمست أيضا شيئا من أوجه القصور التي يمكن لهذه الشركة أن تعمل على معالجتها لزيادة فعالية دورها المجتمعي . وأول هذه الجوانب هو في الحاجة إلى زيادة المشاركة المجتمعية من قبل الشركة ، وزيادة جرعة برامج المسئولية الاجتماعية فيها . كلنا يتطلع إلى أن تخرج أرامكو السعودية من هذه القوقعة ، وتزيد من كم تفاعلها مع محيطها الجغرافي ، فتنشر ثقافة العمل الممارسة فيها في ذلك المحيط ، ربما عبر دورات تدريبية وبرامج توعوية تنظمها . أحد هذه البرامج يمكن أن يكون برنامجا تتواصل فيه الشركة مع المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها للمساهمة في تطويرها والارتقاء بها . الأهم من ذلك ، هو ما يمكن أن تقوم به الشركة لمعالجة المشكلة الأفدح التي نشهد معالمها ، وهي مشكلة نزيف الطاقة . وما يمكن أن تقوم به الشركة في هذا المجال متعدد الجوانب ، بدء من التواصل مع المؤسسات الحكومية ذات العلاقة ، ومرورا بأداء دور توعوي إعلامي مركز يبرز حجم المشكلة ويسهم في معالجتها ، وانتهاء بالتواصل مع المؤسسات التشريعية كمجلس الشورى ومجلس الوزراء لصياغة القوانين والتشريعات اللازمة لدرء هذا الخطر المحدق .

الاثنين، ١٣ يونيو ٢٠١١

رسوم الأراضي البيضاء - دائرة أخرى من دوائر الجدل

تداولت وسائل الإعلام الأسبوع الماضي خبر القرار الذي أصدره مجلس الشورى ، والذي طالب فيه وزارة الشئون البلدية والقروية بفرض رسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن ، وهو القرار الذي أثار عاصفة من ردود الأفعال المؤيدة والمعارضة ، وأدخل الناس مواطنين ومفكرين وكتابا وحتى مسئولين في دائرة واسعة من الجدل حول آثار هذا القرار السلبية والإيجابية ، حتى لكأنه بدا لي أنه صادر من مجلس الوزراء أو المقام السامي وليس من مجلس الشورى . والحقيقة ، أن هذا الجدل الذي أعده جدلا بيزنطيا حول قرار صادر من مجلس الشورى لا يحمل أية صفة سوى صفة التوصية أو المشورة غير الملزمة ، إنما يعبر عن صراع الأهواء والمصالح في هذا الشأن كما هو في كثير من الشئون التي تمس مصالح الناس ومتطلبات معاشهم ، علاوة على أنه يمثل إجماعا على أهمية هذا الموضوع وحتمية تأثيره في قضية أصبحت هاجسا لكل مواطن ، ألا وهي قضية الإسكان . وعلى أية حال ، فإن هذه الدائرة إنما هي واحدة من دوائر الجدل العديدة التي يخوض فيها الناس ، بما فيها الجدل الدائر حول قضايا البطالة ونطاقات التوطين ، والرهن العقاري والإسكان ، وقيادة المرأة للسيارة ، وغيرها الكثير والكثير من القضايا التي لا تعدو أن موضوع للجدل والنقاش والأخذ والرد ، حتى يقيض الله لها من يتخذ منها موقفا حاسما ، ويصدر قرارا بشأنها ، مع أن هذا الحسم وهذا القرار يمكن أن يأتي أحيانا بمردود سلبي ، كونه جاء منفصما ومنفصلا عن اتباع آليات التشريع الفعالة ، والتي يفترض أن يلعب فيها مجلس الشورى دورا محوريا وأساسيا ، عوضا عن أن يقتصر دوره على إصدار قرارات لا تتجاوز مكانة الرأي والمشورة والتوصية ، علاوة على مراجعة التقارير البائتة للدوائر الحكومية ، أو الاتفاقيات الشكلية بين المملكة والدول الأخرى .
أعود للحديث عن موضوع رسوم الأراضي البيضاء ، فأقول أن هذا القرار ، إن كتب الله له أن يرى النور ، فإنه لن يكون حلا سحريا لمشكلة ارتفاع أسعار الأراضي ، فالمشكلة تتطلب العديد من الإجراءات والآليات التي يمكن لها في المحصلة أن تحقق المعالجة المأمولة . قلت إن كتب الله له أن يرى النور ، ويأتي هذا القول انطلاقا مما رأيته وسمعته من موقف وزارة الشئون البلدية والقروية من هذا الموضوع ، وهي التي أجزم أنها لم توله ما يستحق من الدراسة والتمحيص ، مع أنه كان دوما حديث الصحف وكثيرا مما تضمه من مقالات ، ومطلبا سابقا من مجلس الشورى قبل عدد من السنوات لم يجد من يلقي له بالا في ذلك الحين . كنت قد حضرت منذ حوالي الأربعة أشهر لقاء مع أحد كبار المسئولين في الوزارة ، وطرح أحد الحضور سؤالا على ذلك المسئول حول موضوع فرض الزكاة أو الرسوم على الأراضي البيضاء في المدن . أجابه المسئول بأن موضوع الزكاة إنما هو موضوعي شرعي فقهي لا دخل للوزارة به ، أما موضوع الرسوم فإن الدولة ولله الحمد ليست بحاجة إلى فرض أية رسوم وقد حباها الله موارد مالية ضخمة تغنيها عن إثقال كاهل المواطنين بفرض أية ضرائب أو رسوم . تلك الإجابة من ذلك المسئول أبرزت مقدار غياب الفهم للدوافع الحقيقية وراء هذا المطلب ، والآثار المأمولة منه في تصحيح ومعالجة الحالة المرعبة التي وصلت إليها أسعار الأراضي ، وما أصبحت تشكله من عقبة كأداء في حل قضية الإسكان وغيرها من قضايا التنمية العمرانية . وإذا كانت الوزارة المسئولة لا تملك هذا الفهم لهذه المشكلة ، فكيف لها أن تتفاعل بإيجابية مع قرار أو توصية مجلس الشورى . وإذا كان الرهن العقاري قد استغرق حتى ما يزيد على الخمس سنوات ولما يبصر النور بعد ، فكيف بنا ونحن نطالب بقرار يتعلق بموضوع ليس قاصرا على الفهم الصحيح وحسب ، بل إنه يمثل خطرا محدقا بكثير من أصحاب المصالح المتنفذين ، الذين يمكن أن يكونو من المؤثرين في اتخاذ القرار في ذات الوقت . إن هذا التعارض في المصالح هو ما يفسر غياب دور اللجان العقارية في المناداة والمطالبة بفرض هذه الرسوم ، وهو ما يفسر تلك الهجمة الشعواء التي شنها عدد من الخبراء من أصحاب الصنعة على قرار مجلس الشورى ، مع أنه لم يصل ولم يقارب بعد مرحلة النفاذ .
قلت أن فرض الرسوم على الأراضي البيضاء لن يكون حلا سحريا لمعالجة مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي ، فالحل كما أقول دائما لابد أن يأتي شاملا كاملا ممنهجا قائما على فهم عميق لجذور المشكلة . ولكن هذا المطلب هو في الحقيقة مطلب ملح أيما إلحاح ، حتى ولو أتى مبتورا عن مجمل منظومة الحل ، وحتى إن لم يحدث الأثر المأمول منه على المدى القصير ، بل حتى لو أنه أتى بأثر معاكس فصعد بأسعار العقارات ، وهو ما لا أراه ممكن الحدوث حتى ولو أراد أصحاب المصلحة . إن ما تبذله الدولة في سبيل مد الخدمات إلى مواقع نائية على أطراف المدن إنما هو من موارد ومقدرات الدولة التي تمثل حقا لمواطنيها ، ولهم من هذا الحق أن يدفع المستفيدون ثمن إيصال تلك الخدمات إلى أراضيهم فيما هم يختزنونها ليزيدو من أرباحهم على حساب مكتسبات الناس وتوفير متطلبات حياتهم ومعاشهم وتعطيل التنمية في مدنهم وقراهم . إن الغرض الرئيس من فرض الرسوم على الأراضي البيضاء ليس دعم خزينة الدولة ، فهي كما قال ذلك المسئول في غنى عن هذا الدعم ، وليس الانتقام من ملاك الأراضي واستنزافهم ، فالوطن أكبر من ذلك ، بل إن الهدف هو دفع هؤلاء الملاك ليعيدو الأرض إلى ما يجب أن تكون عليه ، أداة للبناء والتعمير ، بدل أن تكون سلعة تباع وتشترى . الأرض يجب أن تكون عنصرا في دورة إنتاجية مكتملة العناصر هدفها إنتاج وحدات عقارية قابلة للاستخدام والاستهلاك ، ولا يجب أن تكون لها أي قيمة مبالغ فيها قبل اكتمال ذلك المنتج النهائي . وهي في ذلك مثلها مثل أي مادة خام في أي دورة إنتاجية صناعية ، فقيمة المنتجات الأساسية التي تنتجها وتبيعها شركة سابك على سبيل المثال لا تخضع لممارسات المضاربة والاحتكار التي نشهدها في حالة الأراضي ، وحتى لو وقع مثل ذلك الاحتكار هبت الدول والجهات الحكومية لمحاربته والاقتصاص منه . في الوقت الذي تعظم قيمة هذه المواد الأساسية بعد تحويلها إلى منتجات نهائية قابلة للاستخدام والاستهلاك .
خلاصة القول ، فرض الرسوم ناهيك عن الزكاة الشرعية على الأراضي البيضاء مطلب ملح أيما إلحاح ، وما يشهده هذا الموضوع من جدل يعكس كما قلت صراعا على المصالح . والمطلوب أن يتم تناول هذا الموضوع بشكل عاجل بيد الرعاية والحسم التي مدها قائد المسيرة خادم الحرمين الشريفين إلى كثير من الأمور التي بقيت معلقة لمدد طويلة فيأمر فيه بما يستحقه من إنفاذ . فلو ترك هذا الموضوع بيد مجلس الشورى ووزارة الشئون البلدية والقروية فإنه لن يرى النور حتى يكون هذا الغلاء المشهود قد أهلك الحرث والنسل ، وقضى على كل الآمال بمعالجة أم القضايا ، قضية الإسكان ، حتى ولو أنيط الحل بوزارة الإسكان ومنهجها الذي تدور حوله كثير من الشكوك .

الاثنين، ٦ يونيو ٢٠١١

نُطٌق النطاقات - بقية من حديث


منذ أن تم نشر الجزء الأول من هذا المقال في الأسبوع الماضي تواصلت وتتالت الأحداث المرتبطة بموضوعه ، بدءا باستمرار الوزير في جولته المكوكية وعروضه التسويقية لبرنامج نطاقات ، إلى جانب عدد آخر من التصريحات والتلميحات المرتبطة به وبقضايا العمل والبطالة بشكل عام . واليوم أستكمل حديثي عن هذا البرنامج وفرص نجاحه والتساؤلات التي تدور حوله ، معرجا على بعض ما برز خلال الأسبوع الماضي من مستجدات عكست فيما يبدو محاولة من الوزير وجهاز الوزارة لتدارك بعض المواقف السلبية من البرنامج ، وتدعيم فرص نجاحه بعدد من القرارات والإجراءات الإلحاقية . ومع أن هذا الأمر يحمل دلالات إيجابية ، إلا أنه يبرز حالة من عدم النضج يعيشها هذا البرنامج ، فبدا كما لو أنه برنامج تجريبي مرتجل تتم صياغته وتطوير آلياته أثناء تنفيذه ، خاصة وأنه ولد في رحم الوزارة بعيدا عن ما يتطلبه واقع المعالجة من تواصل وحوار وتفاعل مع أركان اللعبة ، وعلى رأسهم هذا القطاع الخاص الذي سيكون عليه أن يدفع ثمن معالجة قضية البطالة ، وله بذلك من الحق أبسطه في أن يدلي بدلوه ويبدي رأيه في هذا البرنامج وغيره من مبادرات الوزارة التي دأب الوزير على الحديث عنها وعن إطلاقها في قابل الأيام .
أحد جوانب الضعف الأخرى في برنامج نطاقات وزارة العمل هو في أنه حمل المسئولية كلها في معالجة قضية توطين الوظائف برقبة القطاع الخاص ، في الوقت الذي يمارس القطاع الحكومي أدوارا مختلفة تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في قدرة القطاع الخاص على أداء هذه المسئولية . فعلى سبيل المثال ، فإن عقود الدعم الفني لأجهزة القطاع الحكومي هي في حقيقتها وسيلة للتوظيف المؤقت والمقنع في القطاع الحكومي ، ومثل هذا التوظيف يغلب عليه استقطاب الأجانب ، من ناحية أنه لا يوفر للسعوديين الاستقرار المطلوب ، علاوة على تلك المنافسة السعرية الحادة التي يفرضها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية . وفي النتيجة ، تقوم مؤسسات القطاع الخاص بتوظيف الأجانب للعمل في أجهزة الدولة ، وعليها في المقابل أن تتحمل تبعات السعودة والتوطين وغير ذلك من الرسوم والتكاليف المنظورة وغير المنظورة . المثال الآخر هو ما تمارسه الدولة من ترسيخ لمفهوم الأمان الوظيفي في القطاع الحكومي ، وليس أدل على ذلك من تلك المزايا التي تمتع بها منسوبو القطاع الحكومي ضمن حزمة القرارات الملكية الأخيرة وما شملته من مكافآت وتحديد للحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي وتصحيح لسلم الرواتب الحكومية ، في الوقت الذي يواجه العاملون في القطاع الخاص مخاطر انعدام الأمان والاستقرار وغياب الحوافز وطول ساعات العمل ، وفوق ذلك المنافسة على معدلات رواتب منخفضة مع وافدين لهم من التوقعات والمتطلبات سقف أكثر انخفاضا منه في حالة السعوديين . وإذا كان وزير العمل يريد لبرنامجه النجاح المأمول ، فإن عليه أن يطلق مبادرة تسبق هذا البرنامج لمعالجة دور القطاع الحكومي في هذه القضية ، خاصة وأن القطاع الحكومي سوف يمثل المصدر الأكبر لتمويل وتنفيذ مشروعات التنمية للسنوات الخمس القادمة على أقل تقدير ، وذلك في ظل انحسار دور القطاع الخاص إبان الأزمة المالية العالمية .
وفي معرض الحديث عن التوظيف المقنع للأجانب في الدولة عبر عقود الدعم الفني ، فإنني أجد لزاما أن أنبه إلى أن عددا من شركات القطاع الخاص ، وبعضها شركات كبرى يشهد لها بتحقيق نسب مرتفعة من توطين الوظائف ، هذه الشركات تقوم بممارسة ذات الآلية من التوظيف المقنع للأجانب ، وذلك عبر التعاقد مع شركات أصغر لتوفير موظفين يكونون على ملاك تلك الشركات ، دون أن تتحمل الشركة أي تأثير سلبي على نسب السعودة فيها ، أو أعباء ومشاكل التوظيف والتأمين والرسوم وغير ذلك من وجع الرأس الذي تتحمله الشركات الأسغر ، وتقوم الشركات الكبرى بدفع ثمنه ، لتخرج ببياض الوجه وجوائز التقدير والعرفان لما حققته من نسب توطين وظيفي مرتفعة ، وهي فيما أزعم ذات الشركات التي ستحتل النطاق الذهبي الممتاز في هذا البرنامج الوليد . وأنا في الحقيقة لا أدري إن كانت الوزارة تعلم حقيقة ممارسة التوظيف المقنع للأجانب أم أنها تتعامى عنها بقصد أو بغير قصد . ومن ذلك ما تتشدق به البنوك التجارية من تحقيقها نسب سعودة مرتفعة تقارب الكمال ، فيما هي تجير توظيف من تحتاج إليهم من أجانب إلى شركات أخرى من شركات التوظيف وتجارة الرقيق الأبيض .
الشيء الآخر ، أن برنامج النطاقات الوليد لم يتضمن أية معالجة جادة وفاعلة لما تشتكي منه مؤسسات القطاع الخاص من ظاهرة عدم استقرار السعوديين في الوظائف . هذه الظاهرة هي ظاهرة حقيقية لا أدري أيضا إن كانت الوزارة على علم بوجودها وتأثيرها الخانق على قدرة مؤسسات القطاع الخاص على تحقيق ما يطلب منهم من توطين للوظائف . إن التكلفة التي تتكبدها مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص في توظيف شاب سعودي وتدريبه وتأهيله ليكون فردا منتجا في هذه المؤسسة لا تعد شيئا يذكر في مقابل الخسارة التي تتكبدها نتيجة ترك هذا الشاب موقع عمله ، إما لتكاسل نعلم كلنا مقدار استشرائه عند الكثيرين من الشباب الذين لا يملكون ثقافة العمل الجاد ، وإما استجابة لإغراء يسيل له اللعاب من مؤسسة أخرى من مؤسسات القطاع الخاص ذاته ، وهو ما أرى أنه سيكون واقعا أكثر اتساعا في ظل تطبيق هذا البرنامج ، إذ أنه سيفتح الباب على مصراعيه لاستقطاب السعوديين العاملين في القطاع الخاص بالدرجة الأولى لتحقيق نسب التوطين المطلوبة للوصول إلى النطاقات العليا ، خاصة في ظل ما تحدثت عنه سابقا من تفضيل مطلق للشباب السعودي للعمل في القطاع الحكومي . ولا أعتقد أن الوزارة تراهن على استقطاب السعوديين من القطاع الحكومي لترك وظائفهم التي توفر لهم الاستقرار والدلال والراحة لينخرطو في وظائف مؤقتة في القطاع الخاص لا توفر لهم ما يرومونه من استقرار ونمو وظيفي .
الجانب الأخطر في وجهة نظري سبقني بإبرازه أحد الإخوة الذين أدلو بتعليقاتهم على الجزء الأول من هذا المقال ، وهو في حالة السيطرة والتمكين والتسلط التي سيمارسها موظفو القطاع الخاص من الأجانب كنتيجة حتمية لفتح الباب لانتقالهم إلى كفالة مؤسسات أخرى دون موافقة كفلائهم الأصليين الذي يقعون في النطاقين الأصفر والأحمر . إن الواقع الذي عاشه القطاع الخاص في الفترة الماضية من استخدام مثل هؤلاء الأجانب حالة التعاطف التي تمارسها مكاتب العمل معهم عند تقديم الشكاوى ضد كفلائهم ، وما يتم على أرض الواقع من منحهم تراخيص عمل مؤقتة تضعهم في موقع السطوة ، كل ذلك يؤكد المخاطر التي يحملها هذا البرنامج في هذا الجانب ، ويدعو إلى حاجة ملحة لمعالجة فاعلة لهذا الأمر . مع أني لم أستطع أن أفهم بعد كيف يمكن لمؤسسة في القطاع الأاخضر أن تعلم لون النطاق الذي تقع فيه المؤسسة التي يريد نقل كفالة عامل ما منها ، وهل ستكون هذه المعلومات متوفرة على سبيل التشهير بالمؤسسات الواقعة في النطاقين الأصفر والأحمر ، لتكون ساحات مفتوحة لسحب العاملين فيها إلى مؤسسات النطاقين الأخضر والممتاز .
خلاصة القول ، هذا البرنامج يحمل إمكانات كبيرة لتحقيق نجاح منقطع النظير في معالجة قضية البطالة . ولكن هذا النجاح يتطلب وضعه في موضع التنفيذ بموازاة تلك البرامج الأخرى التي يبشر بها الوزير ، والتي أتطلع أن تكون قد تم تصميمها لمعالجة ما أبرزته وتحدث عنه الكثيرون من مواطن الخلل الأخرى في صلب القضية . وقد يكون المفتاح الأهم لمعالجة هذه القضية هو النظر بجدية في مراجعة نظام الكفالة الذي يجزم الكثير أنه فقد فعاليته على أرض الواقع ، وسيفقد مزيدا من هذه الفعالية بعد تطبيق هذا البرنامج ذو النطاقات الملونة التي تجعل نقل الكفالة ميزة مستحقة بدلا من أن تكون عبئا يحد من التوسع في تطبيقه .