بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٠ فبراير ٢٠١٢

رسوم الأراضي البيضاء ... حان وقت التطبيق

استمعت باهتمام إلى حلقة يوم الأربعاء الماضي من البرنامج الإذاعي الثانية مع داود الذي يقدمه الإعلامي المبرز داود الشريان ، وهي الحلقة التي خصصها لمناقشة موضوع فرض رسوم الأراضي البيضاء وأثره على سوق العقار . هذه الحلقة شهدت مشاركات عديدة من نخبة من الكتاب والمتخصصين في الشأن الاقتصادي والعقاري ، وازدحمت بالعديد من الأسماء اللامعة التي لم أتمكن معها من الحصول على فرصة لأدلي بدلوي فيها حول هذا الموضوع ، فرأيت أن أسطر في هذا المقال خلاصة ما أردت قوله حينها ، وأن أعلق أيضا على بعض ما استمعت إليه من بعض المعارضين ممن تحدثو في هذا اللقاء . وفي المجمل ، فإن هذه الحلقة من هذا البرنامج الرائد أبرزت بجلاء كم التأييد الجارف لحتمية فرض الرسوم على الأراضي البيضاء كوسيلة هامة لمعالجة مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي التي تعد العقبة الأبرز في سبيل حل مشكلة الإسكان في المملكة . كما أنها أبرزت أيضا حالة من تعارض المصالح التي عبرت عنها آراء المعارضين الذي كانو بالعموم من أهل القطاع العقاري ، أو ممن ينتمون إلى أنديته ولجانه ومؤسساته . الغريب أن هذا النقاش وهذا الصراع الفكري حول هذه القضية الهامة لا زال الطرف الأهم فيه غائبا عنه ، وهو القطاع الحكومي بكل مؤسساته المسئولة عن إدارة شئون القطاع العقاري بكل مستوياته واختصاصاته ، وهو غياب أخشى معه أن يبقي هذا الحوار حبيس البرامج وصفحات الجرائد ، ليكون حوارا أشبه بحوار الطرشان .
قلت أن معظم المتحدثين في تلك الحلقة من البرنامج أجمعو على حتمية فرض الرسوم على الأراضي البيضاء ، ولخصو بالعموم كل الأسباب التي تدفع بصحة هذا الرأي ، بل وتضعه على رأس قائمة أولوليات القرارات التي يتطلع الجميع إلى تبنيها من جهات التشريع في الدولة . وأنا لا أملك إلا أن أتفق مع هذا الرأي ، ومع كل المسببات التي ساقها المتحدثون ، بما في ذلك أنها تشكل الوسيلة الأنجع والأوقع لفك احتكار الأراضي وإدخالها في دورة التطوير وإنتاج الوحدات السكنية . الشيء الذي أضيفه في هذا الحديث هو أن هذه المعالجة ليست موجه ضد أحد بعينه ، ولا يجب أن يراها العقاريون سلاحا منصوبا ضد مصالحهم وأرزاقهم . بل على العكس ، فإن تخفيض أسعار الأراضي سيعود عليهم بالنفع على المدى الأبعد ، إذ أنه سيفتح لهم الأبواب مشرعة للانخراط في مشروعات التطوير والبناء ، ومن ثم تحقيق مكاسب مجزية من تفعيل دورة استثمارية إنتاجية مكتملة تعود على كل أركان المجتمع بالخير والرخاء . إن الجهة الوحيدة التي يستهدفها سلاح الرسوم هم أولئك المحتكرون الذين يحتجزون ملايين الأمتار المربعة من الأراضي على مدى سنوات طويلة دون أن يبذلو شيئا لا في سبيل امتلاكها ولا في سبيل إحيائها وتطويرها ، وهم بالمناسبة في معظمهم ليسو من أهل قطاع العقار ولا ينتمون إليه من قريب أو بعيد . هذا الواقع يفرض الحاجة إلى التأكيد على أهمية تبني مفاهيم العدالة في أعلى مستوياتها عند فرض الرسوم على تلك الأراضي ، فلا يجب أن يستثنى منها أحد ، ولا يجب أن ينجو من لظاها أحد ، بما في ذلك الجهات الحكومية التي تملك مساحات شاسعة من الأراضي المسورة دون أية حاجة فعلية لها . كما أن هذا التطبيق يجب أن يكون مصحوبا بآليات فاعلة تضمن له تحقيق الأثر المأمول منه ، فيجب مثلا أن يتم فرض وتحصيل هذه الرسوم سنويا وفي وقت محدد دون تسويف أو تأجيل ، إذ أن تحصيل هذه الرسوم وقت البيع لن يحقق أية فائدة من هذا الفرض ، بل على العكس ، سيعود بآثار سلبية على صلب المشكلة عبر تحميل هذه الرسوم على المشتري ومن ثم على المستهلك النهائي . المطلوب أن تكون هذه الأراضي المكنوزة جمرة في يد كانزيها ، فإما أن يعمدو إلى تطويرها والبناء عليها ، وإما أن يعمدو إلى بيعها والتخلص منها للخلاص من أعباء الرسوم المفروضة عليهم .
من جهة أخرى ، فإن فرض الرسوم على الأراضي البيضاء لن يكون إجراء كافيا لحل مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي ، بل يلزم أن يصاحبه حزمة من الإجراءات والخطوات المصاحبة والموازية . من هذه الإجراءات وقف تداول الأراضي الخام ، ومنع بيعها إلا بعد التطوير والإحياء . إن هذا الإجراء سيكون له أكبر الأثر في منع ظاهرة المضاربة والتداول في الأراضي الخام ، والتي تمثل في رأيي أحد أهم جذور مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي ، كونها السبب الرئيسي وراء تضخيم قيمة الأراضي الخام عبر بناء دورات متعددة من الربحية الزائفة من هذا التداول المتكرر . الشريف منصور أبو رياش ، وهو كان أحد المتحدثين في حلقة الأربعاء الماضي ، أشار دون أن يقصد إلى هذه المشكلة عندما قال أن العقاري الذي يشتري أرضا خام بسعر خمسمائة ريال للمتر المربع مثلا عليه أن ينفق عليها تكاليفا أخرى مقابل التطوير ومد الخدمات ونسب الاستقطاع للخدمات وغير ذلك ، متسائل عن السعر الذي سيبيع به الأراضي بعد ذلك . وأقول للأستاذ منصور وأقرانه من العقاريين أن المشكلة ليست في تكاليف التطوير التي لا مفر منها البتة ، بل في الثمن الذي اشتريت به الأرض الخام ، وهو سعر الخمسمائة ريال في المثال الذي ذكره . فمن أين أتى ذلك السعر ، وما هي القيمة التي تحملها أرض خام فارغة حتى تباع بمثل ذلك السعر . المشكلة أن ذلك الرقم أتى أساسا من تداول تلك الأرض بين المضاربين قبل وصولها إلى المطور العقاري ، وهي المشكلة التي يجب العمل على معالجتها وبترها من الأساس إن أردنا حلا فاعلا لهذه المشكلة من جذورها .
خلاصة القول ، فرض الرسوم على الأراضي البيضاء حان وقته وأصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى . والاعتماد على الزكاة الشرعية كوسيلة لمعالجة هذه المشكلة لن يحدث الأثر المطلوب في ظل تفاوت الرؤى الفقهية حولها واعتمادها على النوايا التي لا يعلمها إلا الله . والجهود التي يقوم بها صندوق التنمية العقاري ببرامجه المبدعة لن تنجح في تحقيق حلم تملك المسكن للمواطنين إن لم تسارع الدولة بوضع الحلول التي تسهم في توفير عنصر الأرض الذي يمثل العنصر الأهم لبناء وتوفير المساكن . وبعد كل هذا الإجماع حول حتمية هذا الإجراء ، فما الذي يمكن أن يقنع أصحاب القرار في الدولة بالإسراع في تبنيه وإقراره ، أو على الأقل بوضعه على محك الدراسة الجادة بدلا من هذا التجاهل والصمت المطبق .

الاثنين، ٦ فبراير ٢٠١٢

عندما يصبح الدين تجارة

أكتب هذا المقال تحت تأثير ما يمكن وصفه بالشعرة التي قصمت ظهر البعير . والشعرة كانت سؤالا طرحه علي أحد الأصدقاء ، وحرك به مشاعر كامنة في نفسي حول العديد من المشاهد التي رأيتها ويراها الكثيرون حولنا ، والتي تشكل في قناعتي حالة صارخة وفاضحة من المتاجرة بالدين الإسلامي الحنيف ، واللعب على مشاعر الناس واستغلالها لتحقيق مكاسب مادية دنيوية ترخص مهما عظمت أمام عظمة الدين وسمو مكانته . سؤال هذا الصديق كان عن الكيفية التي تم بها تحديد حدود منطقة الحرم في المدينة المنورة ، وعن الفارق في معدلات أسعار العقارات في هذه المدينة بين تلك الواقعة داخل وخارج حدود الحرم ، وذلك بحكم انتمائي إلى هذه المدينة المشرفة . قلت لصديقي هذا أن منطقة الحرم في المدينة المنورة حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف بأنها تلك الواقعة ما بين عير إلى ثور ، وفي حديث آخر ما بين لابتيها ، أي المدينة المنورة . وقلت له أيضا أن هذا التحديد إنما يرسم وصفا عاما لحدود منطقة الحرم ، وهو وصف لا يمكن أن يرسم له خط محدد بالمسطرة كما يراه سكان وزوار المدينة المنورة بتلك العلامات التي وضعت على الطرق في مكة الكرمة والمدينة المنورة . والمشكلة أن هذا التحديد القطعي الصارم قد تم توظيفه بشكل مبتذل وسافر لينعكس على أسعار العقارات في المدينتين المقدستين ، وأصبح وسيلة من وسائل المتاجرة بالدين . وأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لعقارين متجاورين ويتمتعان بذات المواصفات والمعايير ، ويفصل بينهما ذلك الخط الرفيع الذي يحدد حدود منطقة الحرم ، أن يتفاوت ثمنهما تفاوتا كبيرا يصل إلى حد التضاعف أضعافا عديدة . ضربت لصديقي هذا مثالا عن هذا الخلل في مشروع تلال المدينة الذي تقوم على تطويره شركة دار الأركان في المدينة المنورة ، والذي يقع جزء منه داخل منطقة الحرم وجزء خارجه ، وكيف أن أسعار المساكن وقطع الأراضي المتماثلة تتفاوت أثمانها تفاوتا كبيرا استنادا إلى مواقعها من منطقة الحرم ، وهو ما أعده لعمري ظلما فادحا وشكلا مبتذلا من أشكال المتاجرة بالدين ومشاعر الناس وقناعاتهم .
غادرني صديقي بعد هذه الإجابة التي يبدو أنها أحدثت في نفسه شيئا من الصدمة والتشويش ، ووجدتني بعدها أسترجع صورا أخرى من صور هذه الممارسة المخلة الظالمة ، وتذكرت مشهد العقارات الشاهقة المطلة على الحرم المكي الشريف ، خاصة مشهد أبراج البيت التي سمت شاهقة لتعلو حتى على مآذن الحرم ، وتوقع في نفوس طواف بيت الله الحرام شعورا خانقا بسطوة المادة على روحانية المكان . ونحن نعلم جميعا كيف أن أسعار الغرف الفندقية في تلك المباني المحطية بالحرم تتفاوت بحسب إطلالتها ، فالغرف التي تطل على الكعبة المشرفة تعلو أسعارها على تلك التي تطل على الحرم ، وتلك بدورها تعلو على أسعار الغرف التي تطل على جهات أخرى ، وهلم جرا ، حتى أصبح التمتع بالنظر إلى الكعبة المشرفة حكرا على الأثرياء وعلية القوم . قد يقول قائل أن هذا الأسلوب يجري اتباعه في كل أنحاء العالم ، وأن أسعار الغرف في فندق ذي واجهة بحرية مثلا تتفاوت بحسب إطلالتها على البحر . ومع أن هذا القول صحيح ومفهوم بالعموم ، إلا أن تطبيق هذا الأسلوب على الحرمين الشرفين يتعارض مع قدسيتهما الدينية ، ويوظفهما لتحقيق مكاسب مادية على حساب مشاعر الناس وحرصهم على التمتع بالنظر إلى هذين الموقعين المشرفين ، وهو ما أعده أيضا شكلا من أشكال المتاجرة بالدين .
الصور التي استرجعتها في ذاكرتي من صور المتاجرة بالدين لم تكن تتعلق فقط بالشأن العقاري والسياحي ، بل شملت أيضا صورا من صور المعاملات المالية اليومية في حياة الناس ، ومنها على سبيل المثال معاملات البيع بالتقسيط . وبعض شركات التقسيط والبنوك التي تصف عملياتها بالإسلامية تقوم بعمليات البيع بالتقسيط بتكاليف تفوق مثيلاتها التي تصنف على أنها عمليات تمويل تقليدية . هذا الفارق في التكلفة الذي يتحمله المتعاملون استنادا إلى حرصهم على نقاء معاملاتهم أعده شكلا من أشكال الاستغلال والتربح والمتاجرة بالدين ، والجهات التي تمارس هذا الأسلوب تعمد إلى تقديم عروض مغرية تضرب على وتر الدين وحرمانية معاملات الغير ، وتدعمها بختم اعتماد الهيئة الشرعية لتكسبها صفة النقاء والطهر ، في الوقت الذي يدور كثير من الجدل الفقهي حول صحة التكييف الشرعي لهذه العمليات ، خاصة تلك التي تتبنى مفهوم التورق أساسا لهذا التكييف . أحد المستشارين القانونيين في أحد البنوك الإسلامية برر هذا الارتفاع في تكلفة عمليات التمويل الإسلامية بأنه يتطلب جهودا إضافية في ترتيب العقود والمعاملات والوثائق الخاصة بهذا النوع من العمليات ، إضافة إلى ارتفاع نسبة المخاطر المترتبة عليها فيما يتعلق بتعثر السداد ومنع تطبيق غرامات التأخير عليها . وأنا في الحقيقة لم أستطع أن أفهم أو أقبل هذا التبرير ، إذ أن حرص المتعاملين على البعد عن الوقوع في المعاملات المحرمة شرعا لا يجب أن يوقع عليهم تحمل أعباء وتكاليف إضافية ناتجة عن تعقيدات مفتعلة في هذه المؤسسات ، بما فيها تكاليف أجور أعضاء الهيئات الشرعية التي يدفعها أولئك المتعاملون . كنت قد أشرت في مقال سابق إلى أن بطاقات الائتمان الإسلامية تبلغ تكاليفها السنوبة أكثر من ثلاثة أضعاف تكاليف بطاقات الائتمان التقليدية ، فهل عجزت المصرفية الإسلامية عن معالجة هذه المشكلة ، وهل يعقل أن يتحمل الناس مثل هذه الأعباء المرتفعة ثمنا لحرصهم على الحلال والبعد عن الحرام .
خلاصة القول ، ديننا الإسلامي دين السماحة واليسر ، وما نشهده من حالات صارخة من المتاجرة بالدين تتطلب وقفة حاسمة وحازمة من هيئة كبار العلماء والحكماء من رجال الدين في هذا البلد الذي يضم بين جنباته أقدس بقاع الأرض ، وشهدت أرضه انطلاق أعظم الرسالات السماوية . أما أن يكون هذا البلد موطنا لاستغلال الناس باسم الدين ، وأن يكون طول اللحى وسيلة لخداع الناس وكسب ثقتهم لتحقيق مكاسب مادية رخيصة ، فهذه لعمري مصيبة كبرى ، وواقع يتنافى مع مباديء الدين الحنيف ، ويتعارض مع توجهات قيادة الدولة التي رفعت منذ نشأتها راية الإسلام ، وجعلتها رمزا لها يرفرف خفاقا تعبيرا عن رفعة الدين وتطبيق تعالميه ومبادئه في هذا البلد .