بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ١٩ سبتمبر ٢٠١١

الأمل ... في بنك ... يزرع الأمل


الخبر الذي نشرته بعض الصحف السعودية في الأسبوع الماضي دون أن يثير كثيرا من الانتباه كان خبر فوز بنك الأمل في اليمن بالجائزة العالمية لأفضل ابتكار في مجال منتجات التمويل الأصغر ، وذلك في القمة التي عقدت حول هذا الموضوع في سويسرا في شهر يوليو الماضي ، وهي المرة الثالثة التي يفوز فيها بهذه الجائزة على مدى عمره القصير . هذا البنك كان قد أثار إعجابي ودهشتي عندما سنحت لي الفرصة لزيارته ضمن برنامج الزيارة التي قمت بها لوادي حضرموت في ضيافة المهندس عبد الله بقشان قبل حوالي ثمانية أشهر ، وتناولته بالحديث والإشادة بعد ذلك في كل مناسبة وكل مقال يتعلق بمواضيع التمويل ودور البنوك في التنمية . وأنا هنا أوجه التهنئة خالصة للمهندس عبد الله بقشان ولمؤسسة حضرموت للتنمية البشرية ولكل العاملين في هذا البنك والقائمين عليه على هذا الإنجاز العالمي المبرز ، راجيا لهم جميع مزيدا من النجاح والتميز .
نص الخبر الذي أوردته الصحف قال أن هذا الفوز يعد دليلا آخر يثبت جدوى التمويل الأصغر في المجتمعات العربية ، وهو ما جعلني أتساءل عن سبب غياب طرح هذا النموذج في المملكة حتى الآن باعتبارها إحدى الدول العربية التي يفترض أن يلائمها هذا النموذج بحسب رؤية برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند" . فإما أن تكون مؤسسة النقد العربي السعودي والأجهزة الأخرى المسئولة عن مراقبة وتنظيم الأعمال المالية والبنكية في المملكة معارضة أو غير مقتنعة بجدوى تطبيق هذا النموذج في المملكة ، وإما أن رجال الأعمال وكل هذا القطاع الخاص المترامي الأطراف والمثقل بالموارد المالية المهولة لم يملكو بعد روح المبادرة اللازمة لتبني هذا النموذج وتطبيقه في المملكة ، ولا حتى من قبيل المسئولية الاجتماعية تجاه هذا الوطن وأبنائه ، وإما أن كل أبناء هذا الوطن هم من الموسرين المستورين الذي لا يحتاجون إلى هذا النوع من التمويل ، ولا يطرقون أبواب البنوك التجارية في كل صغيرة وكبيرة من شئون حياتهم . يدور في خلدي أحيانا أن هناك قناعة عامة عارمة بأن مثل هذه الأنشطة والأعمال تصنف ضمن الأعمال الخيرية كونها تتعامل مع الشرائح الأضعف والأبسط والأفقر في المجتمع ، وهو ما يجعل مؤسساتنا البنكية تترفع عن تبنيها بما تتصف به من نرجسية وتخصص في خدمة كبار العملاء من الأفراد والشركات وفتح خزائن التمويل لهم على مصراعيها . والحقيقة الثابتة وفق التجارب العالمية ، بما فيها تجربة بنك الأمل اليمني ، أن هذا النشاط يحقق عوائد مجزية بشكل كبير مقارة بالعديد من الأنشطة الاستثمارية ، أو حلول التمويل الموجهة للفئات التقليدية . فالثابت أن نسب التخلف عن السداد في هذا النوع من التمويل تكاد  تكون معدومة بالنظر إلى حرص المتعاملين من هذه الفئة على المحافظة على سجلات ائتمانية نظيفة وعلمهم بحاجتهم الدائمة لهذا المصدر للتمويل ، وتكلفة التمويل فيه يمكن أن تكون أكبر منها في عمليات التمويل التقليدية بالنظر إلى صغر حجم التمويل فيها . وأنا أتعجب في الحقيقة كيف أن هذا النشاط لم يجد له مكانا بعد ولو على سبيل الدراسة والتمحيص والتحليل لمعرفة جدوى تطبيقه بشكل مؤسسي في المملكة ، في الوقت الذي نرى جميعا ذلك الكم الهائل من الإعلانات في الصحف والملصقات على جدران محطات الوقود والمراكز التجارية التي تسوق لخدمات التمويل الأصغر من قبل أفراد لا يخضعون لأي رقابة ولا تنظيم ، مع ملاحظة فارق رئيس هنا ، وهو أن التمويل الذي يقدمه أولئك هو تمويل استهلاكي بحت يغرق الناس في بحور من الديون الخانقة ، بينما برامج التمويل الأصغر التي يمثلها نموذج بنك الأمل اليمني تقدم حلولا تمويلية تنموية تساعد الناس على خلق فرص للعمل والعيش الكريم .
السبب في رأيي المتواضع يرجع أولا إلى غياب القدرة على الإبداع في عالمنا الاقتصادي المحلي ، وهو ما تشهد عليه التجارب المكررة في عالم الاستثمار ، فما أن ينجح أحد في نشاط ما إلا ووجدت الكل يقبل على ذات النشاط دون أي محاولة للتميز أو التخصص ، حتى أنك تجد شارعا واحدا يضم نماذج مكررة من نشاط واحد ينافس أصحابها بعضهم البعض إلى الحد الذي يودي بهم جميعا إلى الفشل والخسران المبين . والسبب يرجع ثانيا إلى ذلك التشبع في الأرباح والأصول التي تتمتع بها مؤسساتنا البنكية وبيوتاتنا التجارية ، وهي بذلك لا تحتاج إلى أن تبحث عن وسائل أو قنوات استثمارية غير تقليدية وربما تكون محملة بمخاطر غير منظورة ، دون أن يكلفو أنفسهم عناء قياس ودراسة هذه الفرص والأفكار وما تحمله من مخاطر . والسبب يرجع ثالثا إلى قصور كبير في تحمل المؤسسات البنكية والتجارية لمسئولياتها الاجتماعية ، وقصور كبير أيضا في فهم هذا المصطلح الذي لا يعدو عند الكثيرين منهم شعارا يرفعونه ويعبرون عنه بأنشطة ومبادرات متواضعة لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا تسهم إسهاما حقيقيا في تنمية المجتمع وتطوير قدرات أفراده . ولكن السبب الأهم في وجهة نظري هو غياب القناعة والدعم الحكومي لهذا النشاط ، والانشغال بل والاكتفاء بإدارة القطاع البنكي برؤية تقليدية يغلب عليها التحفظ وغياب المبادرات الخلاقة ، ونحن نسمع كثيرا من الشكاوى من البنوك التجارية والمؤسسات المالية الأخرى بما فيها شركات التأمين مثلا من كم القيود والأنظمة التي تضعها مؤسسة النقد عل أنشطة تلك المؤسسات ، والتي جعلتها مكبلة لا تستطيع تقديم أية برامج أو حلول مبتكرة لو أرادت . هذا الواقع يبرر على سبيل المثال سقوط مصرف الإنماء في فخ الانجرار إلى ممارسة ذات الأنشطة والعمليات البنكية التقليدية مثله في ذلك مثل كافة البنوك التي سبقته ، في الوقت الذي كان تأسيسه ، حسبما فهم الكثيرون حينها ، هدية للوطن والمواطنين من ملك البلاد الصالح ، ليقوم بدور مميز ومختلف في دعم وتمويل مسيرة التنمية على كافة المستويات ، وهو ما عبر عنه اسمه الذي بات لا يملك منه أي نصيب ، فإذا به يمارس ذات الأنشطة البنكية ويقدم ذات البرامج التمويلية الاستهلاكية التي تقدمها البنوك الأخرى ، وهو ما جعله يعاني الأمرين ويبذل قصارى جهوده ليعلن عن تحقيق أرباح شكلية لا تساوي شيئا أمام راس ماله الضخم الذي جمعه من استثمارات المواطنين الطامحة في بنك مختلف .
خلاصة القول ، نموذج بنك الأمل اليمني يستحق كل الإشادة والتقدير ، وبلادنا تستحق أن يكون فيها بنك للأمل يزرع الأمل في صدور أبنائه ، وقطاعنا الخاص يملك كل الإمكانات لتبني هذا النموذج وتسخير كل فرص النجاح له . كل المطلوب أن يرفع أحد ما راية المبادرة ليتبعه آخرون كثر ممن حباهم الله حب الوطن وحب الخير لأبنائه ، وأن تخفف مؤسسة النقد وأجهزة الدولة الأخرى من قيودها ولو قليلا لتتيح المجال لهذا النموذج أن ينشأ وينجح . وربما يكون الأقدر على رفع راية المبادرة هذه هو صندوق الاستثمارات العامة ، فهو الأقدر على لعب هذا الدور ، والأكثر إيمانا وانخراطا في دعم برامج التنمية الوطنية ، خاصة مع بطء أو تعثر صناديق أخرى كان يؤمل منها الكثير ، بما فيها صندوق المئوية والصندوق الخيري الوطني وصناديق أخرى لا زالت تحبو بعيدا عن الأهداف المرجوة منها .

الأحد، ١١ سبتمبر ٢٠١١

الدعم الحكومي وأزمة المياه


تحدثت في مقال سابق عن موضوع الدعم الحكومي وأثره في معالجة كثير من القضايا المتعلقة بحياة المواطن ومتطلباته المعيشية والتنموية ، والحاجة إلى إعادة هيكلة هذا الدعم ليحقق الأثر المأمول منه في هذا الإطار . وقضية المياه هي إحدى القضايا التي تمثل أحد أهم الحاجيات الرئيسية للحياة ، وتقع ضمن منظومة المجالات التي يوجه إليها الدعم الحكومي ، ومع ذلك فهي تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه حياة الناس ، ويعيشون فيها أزمات متتالية من الانقطاع والندرة والاستغلال والتربح غير المشروع . وفي الأشهر القليلة الماضية عاشت مدينة الرياض فترة عصيبة عانى فيها السكان كثيرا من انقطاعات متكررة في تزويد مساكنهم بالمياه ، وأصبحت سوق الصهاريج سوقا مزدهرة ، وأصبح مشهد هذه الصهاريج وهي تذرع شوارع الرياض وأحياءها ذهابا وجيئة مشهدا مألوفا على الدوام . هذا الواقع يثير الكثير من التساؤلات حول هذا الموضع الحيوي ، وحول قضية الأمن المائي ، وحول دور الدعم الحكومي في معالجة هذه المشكلة ، وهي الأسئلة التي سأتناولها بالنقاش في هذا المقال .
من بداهة القول أن الماء يمثل عصب الحياة الرئيس ، وبه تحيا كل الكائنات ، وتسير عجلة التنمية في كل مجالاتها من زراعة وصناعة وغير ذلك . وقد قال تعالى في كتابه العزيز " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " . والمملكة بطبيعة بيئتها الصحراوية الغالبة تعيش تحديا هاما في توفير المياه لاستخدامه في كل مناحي الحياة ، وبذلت الدولة أموالا طائلة في برنامجها لتحلية المياه المالحة ، حتى أصبحت في مقدمة دول العالم في إنتاج المياه المحلاة واستهلاكها . ومع ذلك ، فإن هذا المورد النفيس يواجه كثيرا من حالات الهدر والاستهلاك الجائر ، شأنه في ذلك شأن مواردنا الطبيعية الأخرى . والحقيقة أن هذه الظاهرة التي تنافي صلب مباديء الإسلام الحنيف ، والتي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسرف ولو كنت على نهر جار " ، تعد ظاهرة شائعة على كل المستويات ، بما فيها الأنماط السلوكية الخاطئة لدى الأفراد من المواطنين ، والآليات الجائرة من مختلف مؤسسات الدولة سواء كانت مسئولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن هذه القضية . وكلنا يرى الهدر الرهيب الذي يوقعه الناس في حمامات السباحة في المنازل ، وغسيل السيارات على قارعة الطريق ، وأنظمة الري المنزلية التي تفتقر إلى الكفاءة ، وغير ذلك الكثير . والحديث عن المساكن على وجه الخصوص يبرز أحد أكبر المجالات التي تهدر فيها المياه بلا حسيب ولا رقيب ، خاصة إذا تذكرنا أن هذه المساكن لا زالت تبنى وفق أنماط البناء التقليدية التي تستخدم الخرسانة المسلحة التي تتطلب استخدام كميات كبيرة من المياه في الخلطات الاسمنتية والرش لأيام عديدة بعد صب الهياكل الخرسانية ، وبما في ذلك غياب توظيف أية آليات هندسية لفصل المياه الملونة الناتجة عن الاستهلاك المنزلي وإعادة استخدام ما يمكن منها في مجالات الري ومكافحة الحريق على سبيل المثال . المنطق ذاته ينطبق على المشروعات الحكومية التي يجري العمل على تنفيذها ضمن ورشة التنمية الكبرى التي تشهدها المملكة ، إذ لا زالت ذات الأساليب متبعة في البناء وما توقعه من هدر هائل في استهلاك المياه في عمليات البناء ، ولا زالت آليات إعادة استهلاك المياه في مجالات الري ومكافحة الحريق غائبة عن معظم هذه المشاريع ، بما فيها تلك المشروعات التي تخص وزارة المياه والكهرباء التي هي المسئول الأول عن هذين الموردين الهامين ، والتي يفترض بها أن تكون نموذجا يحتذى في التوسع في تطبيقات ترشيد الاستهلاك فيهما .
الجانب الآخر الذي يتعلق بهذه القضية هو غياب الرقابة عنها على كل المستويات ، فمن جهة نرى غيابا فاضحا للرقابة على الأنماط الاستهلاكية الجائرة ، وغيابا أفضح للتشريعات التي تجرم مثل هذا الهدر وتوقع على من يمارسه أقسى العقوبات . ومن جهة أخرى نرى غيابا فاضحا آخر للرقابة على سوق صهاريج المياه وما تشهده من استغلال وتربح من معاناة الناس من انقطاعات المياه ، حتى أن سعر صهريج المياه بلغ الأسبوع الماضي أكثر من 600 ريال في الوقت الذي يبلغ سعره الرسمي لدى شركة المياه الوطنية حوالي 120 ريال فقط . والحقيقة أن الرقابة تمثل جانبا مساندا لجانب التوعية التي لا يمكن أن تؤتي ثمارها دون رقابة فاعلة على سوء الاستخدام والاستهلاك الجائر ، خاصة وأن كل حملات التوعية التي تقودها وزارة المياه والكهرباء لا زالت قاصرة عن إقناع الناس بتغيير هذه الأنماط السلوكية في ظل تدني أسعار المياه في المملكة ، وفي ظل غياب مفهوم القدوة التي يفترض بمؤسسات الدولة ومسئوليها أن يقدموه لبقية المواطنين . الغريب أن وزارة التربية والتعليم لا زالت غائبة عن لعب دور هام في هذا الجانب ، كما هو الحال في كثير من المجالات ، في الوقت الذي يفترض أن نرى تعاونا فاعلا بين الوزارتين لبذر هذه المفاهيم في أذهان النشأ ، وتربيتهم على ممارسة عادات وأنماط سلوكية مغايرة لما نعيشه في الوقت الحاضر .
والحديث عن أسعار المياه في المملكة حديث ذو شجون ، وهي كما نعلم تعد من أقلها على مستوى العالم . فانخفاض أسعار المياه يمثل أحد أهم عوامل التشجيع على هذا الهدر ، خاصة في ظل غياب الرقابة التي أشرت إليها فيما سبق . وموضوع الدعم الحكومي في هذا الجانب يمثل أيضا أحد جوانب الخلل والعدالة الظالمة ، خاصة وأن المياه يتم تزويدها لكافة المستخدمين باختلاف فئاتهم وقدراتهم بأسعار موحدة تقل عن التكلفة الحقيقية لهذا المورد الهام . أحد الحلول التي يمكن بها رفع كفاءة هذا الدعم الحكومي تتمثل في إعادة تسعير المياه وفق شرائح مختلفة تتلاءم مع شرائح المستخدمين وقدراتهم المالية وطبيعة استخدامهم لهذه المياه . إذ أنه ليس من العدل أن يستوي من يستخدم المياه لأغراض حياتية أساسية كالشرب والطبخ والوضوء ، ومن يستخدمها لأغراض ترفيهية كمالية كتعبئة المسابح وغسيل السيارات وري الحدائق الشاسعة في القصور والمساكن . كما أنه يمكن رفع كفاءة هذا الدعم عبر تمكين شركة المياه الوطنية من رفع أسعار المياه من جهة ، وتحديد شرائح المواطنين الذين يحتاجون إلى هذه الدعم ليتم صرفه لهم بشكل مباشر عبر قنوات وزارة الشئون الاجتماعية مثلا ، أو كعلاوة تضاف إلى رواتب السعوديين فقط دون الوافدين ، والمحتاجين دون الموسرين .
خلاصة القول ، مشكلة المياه لابد لها من جهد فاعل لحل يخرج الناس من المعاناة لتي يعيشونها ، والتي تنذر بخطر محدق في مستقبل الأيام والأجيال القادمة . ومعالجة هذه المشكلة تتطلب خطة وطنية استراتيجية شاملة تضع لها الحلول على المدى القريب والبعيد ، وتحدد دور كل جهة من جهات الدولة في هذه الخطة . وربما يكون من المهم النظر أيضا في تأسيس مجلس أعلى للمياه على غرار المجلس الأعلى للطاقة الذي دعوت سابقا إلى تأسيسه ، ولم لا والماء أساس الحياة ، وبدونه فلا تنمية ولا وطن ولا مواطن .

الأحد، ٤ سبتمبر ٢٠١١

حديث في مفهوم الحرية


الشعار الأكبر الذي يمثل القاسم المشترك للمطالب في كل المظاهرات والتحركات الشعبية التي شهدتها وتشهدها بعض الدول العربية هو المطالبة بالحرية ، وهو في ذات الوقت السمة التي توصف بها مجتمعات الدول الديموقراطية التي تعتز وتفاخر بتوفير مناخ واسع للحرية فيها . والحرية بكل أشكالها كفلها الإسلام في مجمل تعليماته وتشريعاته حتى قبل أن ترفع رايتها المجتمعات الغربية الحديثة ، وأبدع في تنظيمها وتقنينها لكي لا تكون سببا في الانزلاق في مزالق الفوضى والصراعات بداعي الحرية . أهم مباديء الحرية التي كفلها الإسلام هي في أن الحرية الفردية يجب أن لا تكون على حساب المصلحة العامة من جهة ، وأن لا تتيح مخالفة التشريعات السماوية التي نزل بها الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة من جهة أخرى . يقال أن حرية الفرد تنتهي عند حدود حرية الآخرين ، وهي بذلك وسيلة لتمكين الناس من تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم شرط ألا تتعارض أو تتصادم مع أهداف تطلعات الآخرين ، وقبل ذلك شرط ألا تتعارض مع متطلبات المصلحة العامة للمجتمع . هذا الحديث هو مقدمة لما أريد طرحه من رؤية حول موضوع الحرية في منظومة التنمية والشأن الاقتصادي والتنمية العمرانية ، وهو يشكل أساسا عاما لمفهوم الحرية في مختلف المجالات .
الحرية في الشأن الاقتصادي تمثل صلب النظام الرأسمالي الحديث الذي يتبنى مفهوم اقتصاد السوق وحق الأفراد والشركات في تعظيم الأرباح والعوائد . هذا المفهوم طغى في كثير من الأحيان على المفهوم الحقيقي للحرية ، وأصبح تعظيم الأرباح هدفا مشروعا مهما كانت الوسائل مشروعة أو غير مشروعة ، ومهما تصادمت هذه المصالح مع مصالح الآخرين والمصالح العامة للمجتمعات . ومن هنا تأتي عظمة الاقتصاد الإسلامي في أنه يقنن هذه الحرية الفردية ، ويضعها تالية لمتطلبات المصلحة العامة ، وهو الذي أعلن أنه " لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام ، وشرع الزكاة وجعلها ثالث أركانه ، وحرم الربا والسحت الذين يمثلان أشنع وسائل الاستغلال والتربح غير المشروع . والمملكة العربية السعودية التي تمثل رأس سنام الإسلام في عالم اليوم تبنت مباديء اقتصاد السوق ضمن أطر الاقتصاد الإسلامي ، ومع ذلك ، فإن هناك الكثير من الممارسات والشواهد التي تبرز خللا في تطبيق هذه المباديء إلى الحد الذي خلق تعارضات واضحة مع أسس الاقتصاد الإسلامي وتشريعاته السمحة ، وخلق نماذج من المعاناة التي يعيشها المواطنون نتيجة ممارسات توصف بالجشع والتربح والاحتكار . الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة ، منها ما يتعلق بالنشاط البنكي الذي تشوب عملياته كثير من شبهات الربا والاستغلال لحاجات الناس ، وحتى تلك العمليات التي يتم تقديمها تحت شعار المصرفية الإسلامية تتسم بالكثير من الجشع والتربح والتكاليف المرتفعة المنظورة وغير المنظورة . ومنها ما يتعلق بالنشاط العقاري الذي يشهد ممارسات احتكارية ومضاربية واضحة صعدت بأسعار الأراضي والعقارات حتى بلغت عنان السماء ، وخلقت أزمة إسكانية لا يدري أحد كيف يمكن حلها وجسر الهوة الواسعة فيها بين العرض والطلب . ومنها ما يتعلق بالنشاط التجاري الذي يلعب فيه التجار أدوارا مشبوهة من التلاعب بالأسعار واستغلال حوائج الناس دون حسيب أو رقيب . ومنها ما يتعلق بالنشاط الصحي الذي أصبح عزيزا على الكثيرين في ظل عجز المرافق الصحية الحكومية عن تلبية الطلب الهائل على الخدمات الصحية ، وارتفاع تكاليفها في المرافق الصحية الخاصة ، حتى في ظل برامج التأمين الطبي الذي تشهد تكاليفه هو أيضا ارتفاعا متصاعدا عاما بعد عام بالرغم من زيادة الطلب عليه وازدياد شرائح المستفيدين منه . ومنها ما يتعلق بالنشاط التعليمي الذي تقوم فيه المدارس الخاصة برفع رسومها عاما بعد عام تحت سمع وبصر وزارة لا زالت تتخبط في برنامجها المتعثر لتطوير التعليم ذي المليارات التسعة بالرغم من أنه يحمل اسم ملك هذه البلاد الصالح . كثيرة هي الشواهد والأمثلة على حالات الجشع والتربح على حساب مصالح الناس تحت ذريعة الحرية ، وهي لعمري حرية مشوهة تبتعد كل البعد عن أسس الاقتصاد الإسلامي وتشريعاته السمحة .
وفيما يتعلق بموضوع التنمية العمرانية تبرز أيضا مشاهد أخرى من الفوضى والخلل التي تتم ممارستها تحت شعار الحرية غير المقننة . فنحن نرى مشروعات يتم تنفيذها دون أدنى جهد لتقييم آثارها على البيئة المحيطة بها ، ودون أي اعتبار لحقوق الناس في ذلك المحيط . ومن ذلك مشروعات الأبراج الشاهقة التي تجرح خصوصية السكان في الأحياء المجاورة لها ، وتخلق كثيرا من الضغوط والآثار السلبية على شبكات الخدمات والطرق المحيطة بها . ومن ذلك أيضا تلك الأنشطة التجارية التي تشغل المحلات على الطرق وتوقع كثير من الضرر على مستخدميها بما تحدثه من ازدحام وتكدس للسيارات في ظل غياب نظام ملزم بتوفير مواقف كافية لها . ومن ذلك تلك المشروعات التي تفتقر إلى الذائقة المعمارية اللائقة فتشوه وجه مدننا وتخلق حالة من الفوضى العمرانية في الهوية والشكل . ومن ذلك أيضا الطغيان الرهيب لاستخدام الواجهات الزجاجية التي تحدث كثيرا من الضرر على بيئة المدن وتسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وزيادة الطلب على الطاقة لتشغيل أجهزة التكييف فيها . ومن ذلك أيضا تلك الفوضى في إنشاء مشروعات تفتقر إلى أية مبررات اقتصادية أو سوقية تهدر فيها الموارد والجهود ، وتضعف القدرة الوطنية على تلبية حاجات ماسة في قطاعات أخرى ، وهو ما نراه مثلا في إنشاء مشروعات المراكز التجارية والأبراج المكتبية والمدن الجامعية التي استنزفت موارد الدولة والقطاع الخاص في الوقت الذي يشهد قطاع الإسكان طلبا ملحا بلغ حد الأزمة ويحتاج إلى كثير من تلك الموارد المهدرة .
الخلل الناتج عن التطبيق الجائر لمفهوم الحرية ينجر أيضا على الممارسات السلوكية لأفراد المجتمع ، وهو ما نراه شائعا في حياتنا اليومية بدء من قائد يقود سيارته بتهور ورعونة وكأنه يملك الطريق بمفرده ، إلى آخر يوقف سيارته بعشوائية ليحتل مكانا مخصصا لقائد آخر ، إلى آخر يتجاوز السيارات المصطفة عند إشارة مرور ليقف متقدما عليها في شكل من أشكال الأنانية المزعجة ، إلى شخص يلقي بنفايات منزله على قارعة الطريق في تجاهل تام لحقوق الجار والطريق ، إلى آخر يوظف نفوذه وعلاقاته ليحصل على أسبقية في أمر ما متجاوزا حقوق الآخرين الذين سبقوه في ذلك الدور ، إلى آخر يهضم حقوق جار أو ابن أو زوجة أو عامل لا لشيء سوى نزعة أنانية في نفسه ترسخها صعوبة المطالبة بالحقوق وصعوبة فرضها بقوة القانون . الأمثلة كثيرة جدا على هذا الخلل السلوكي الذي يرفع راية الحرية ، ويوقع كثيرا من الآثار السلبية على ترابط المجتمع ووحدة صفه بما يخلقه من شروخ نفسية بين أفراد المجتمع الواحد .
السبيل الأمثل لمعالجة هذه السلبيات هو في رفع سقف التوعية بالمفهوم الحقيقي للحرية ، وترسيخ القناعة بحقوق الآخرين من أفراد المجتمع الواحد ، علاوة على التوسع في فرض الأنظمة والتشريعات التي تقنن وتنظم شئون الحياة في المجتمع ، شرط ألا تكون هذه التشريعات حبرا على ورق في ظل غياب وسائل الرقابة وفرض القوانين والعقوبات الرادعة لمن يخالفونها دون تمييز أو محاباة . وربما يكون أحد أهم الوسائل في هذا الجانب هو تفعيل دور جهاز القضاء ليكون الملجأ العادل والفاعل في معالجة أية مخالفات أوخلافات تنشأ بين أفراد المجتمع نتيجة هذا التطبيق الجائر لحرية لا يفهمها الكثيرون .