بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٠ يناير ٢٠١٣

الإسكان قطاع وليس مشروعا ... يا معالي وزير الإسكان



ها أنذا أعود إلى الكتابة بعد أن كنت قد آثرت الصمت وإفساح المجال لغيري من الإخوة الكتاب للإدلاء بدلائهم في قضايا الوطن . هذه العودة يعود الفضل فيها ، أو بالأحرى وزرها ، إلى وزير الإسكان . فبعد أن شاهدت لقاءه في حلقة برنامج الثامنة شعرت بغصة ما بعدها غصة ، اختلطت بغصة خسارة منتخبنا الوطني أمام منتخب العراق الشقيق في دورة كأس الخليج فطار النوم من عيني ، ووجدتني أتناول حاسوبي الصغير لأرسل هذه الرسالة لمعالي الوزير ، عله ينصت هذه المرة ، ليس حرصا عليه وعلى كرسيه ، بل على نجاحه في حلحلة أزمة تكاد تعصف بآمال الناس ، وتوقع خطرا عظيما بأمن الوطن واستقراره .
حديث الوزير هذه الليلة جاء مليئا بالمغالطات وتزييف الحقائق ، ملفقا ومفبركا بطريقة لم تعد أن تنتج خطابا إعلاميا مهلهلا يروم تخدير الناس وشحنهم بمزيد من الأحلام والتطلعات الواهمة ، ويتجاهل حقيقة أن المشكلة باتت طافية على سطح مستنقع الفشل الذي غاصت فيه وزارة الإسكان ، ومعلومة للعامي قبل المتخصص . لن أتمكن من تمحيص كل ما ورد في كلام الوزير لأنني سأعيد كثيرا مما قلته وقاله غيري الكثيرون من أحاديث وتحاليل ونصائح صم الوزير عنها آذانه منذ أن تسنم قمة قطاع الإسكان في هيئته أولا ثم في وزارته على مدى ما يزيد على ثلاث سنوات مضت من عمر أحلام المواطنين . ولذلك فإنني سألخص رسالتي هذه مركزا على لب المشكلة في فهم الوزير لطبيعة المشكلة ، عسى أن تقوده ليقر بشجاعة بخطأ منهجه والعودة إلى جادة الصواب ، وهي عودة لا يجب أن تكون معلنة عبر وسائل الإعلام التي استخدمها لتسويق حديثه المفبرك ، بل بعمل حقيقي جاد يرى الناس نتائجه ويلمسون آثاره على أرض الواقع .
الإسكان قطاع وليس مشروعا يتحقق النجاح بإنجازه ، وأنا أكاد أجزم أن هذه الحقيقة غائبة عن إدراك معالي الوزير ، فحديثه في البرنامج لم يوح لأحد بذلك ، ولم يعبر عن فهمه للفارق الشاسع بين الرؤيتين بما ينعكس على منهج تعامله ومقاربته لهذه القضية الشائكة . كل كلام الوزير كان عن مشاريع وزارته وعدد الوحدات التي يجري وسيتم بناؤها ، وعن سير العمل فيها وبراعة جهازه المحنك في إدارتها ومتابعتها والإشراف عليها ، وعن آلية توزيعها التي لم يتذكر أنه بحاجة إليها إلا بعد مضي ثلاث سنوات من العمل دون منهج واضح المعالم ، وعن حرصه على توفير احتياجات المعاقين والعجزة في تلك المشروعات ، وحماسه المفرط على تحقيق أحلام أولئك الذين بلغو من العمر عتيا وهم ينتظرون تحقيق أحلامهم في الحصول على مساكن تحتويهم هم وأسرهم . الجديد في حديث الوزير هذه المرة أنه جاء مفعما بتفاؤل مزيف أشبع به حديثه لتخدير حماسة وشغف الناس ، فلم يتضمن حديثه أية اتهامات لجهات أخرى في الدولة بالتسبب في تعثر تنفيذ مشاريعه ، وأغفل كيل الاتهامات لوزارة الشئون البلدية والقروية بعدم توفير الأراضي اللازمة لمشاريعه ، أو لوزارة العمل بالتسبب في تعثر مقاوليه بقراراتها الملونة ، بل إنه قال بالحرف الواحد أنه لا يوجد في قاموس وزارته مايسمى بالعوائق . وزيرنا هذه المرة تخطى حتى النغمة المعتادة في اتهام المقاولين بعدم الكفاءة والعجز عن أداء هذه المهمة العويصة بالغة التعقيد التي حدت به إلى تكليف مكتب استشاري عالمي غير مرخص في المملكة للقيام بالإشراف على هذا المشروع بعقد ملياري ضخم لم يسأله أحد عن نظاميته والجدوى منه . لا أدري متى سيعي وزيرنا أن الإسكان قطاع اقتصادي وطني هام يطال بتأثيره شرائح اقتصادية كثيرة في هيكل التنمية ناهيك عن مجمل التركيبة السكانية ، وأنه يتطلب درجة عالية من التنسيق الفعال مع العديد من الأجهزة الحكومية الأخرى ، ومد كل الأيدي إلى القطاع الخاص بالدعم والتمكين والتحفيز ليقوم بدوره المفترض في هذا القطاع الحيوي . لا أدري إلى متى سيظل وزيرنا عاجزا عن فهم طبيعة أزمة الإسكان وجذورها ومسبباتها وتعقيداتها ، وسيظل يقدم بين الفينة والفينة مبادرات متناثرة لا تسمن ولا تغني من جوع ، يطلق بعضها حينا تحت مظلة وزارته ، وحينا تحت مظلة صندوق التنمية العقارية الذي تثاقلت خطواته بعد أن ارتبط بإشراف الوزير عليه . لا أدري إلى متى ستظل تلك المليارات التي خصصها ملكنا الصالح لهذا القطاع حبيسة خزائن مؤسسة النقد دون أن يوظفها الوزير في تسريع خطوات وزارته المتثاقلة لتحقيق أحلام المواطنين البسيطة . لا أدري إلى متى سيظل الوزير منكرا لواقع التدهور والتهالك الذي تعانيه مشروعاته الجاري تنفيذها في سبعة وأربعين موقعا تأخر منها ست وأربعون وواحد فقط تم إنجاز مبانيه ليتذكر رجال الوزارة المحنكون أنهم نسو شيئا اسمه البنية التحتية لتشغيل تلك المباني فظل مغلقا لسنة أو يزيد .
الحقيقة أن أزمة الإسكان ستظل نقطة سوداء في كتاب التنمية الحافل بالإنجازات في عهد هذا الملك الصالح ، وستظل حلما ، بل سرابا ، يلهث خلفه المواطنون البؤساء جريا وراء مساعي الوزير الحثيثة في الطريق الخاطيء . والحقيقة أنني أتعاطف كثيرا مع الجهد الكبير الذي يبذله الوزير ، فهو كما يقول يخوض بنفسه غمار المتابعة الميدانية لمشاريع وزارته ، وأنا هنا أتجاوز فرضية أن هذا المسلك إنما يعبر في حقيقته عن عدم ثقة الوزير في رجال وزارته من المهندسين والاستشاريين . لكنني بالرغم من هذا التعاطف أحمل أضعافا مضاعفة من التعاطف والانحياز لتطلعات المواطنين وأحلامهم التي لن تتحق بهذا المنهج العقيم الذي تعمل به وزارة الإسكان ، وهذا الفهم القاصر عن حقيقة القطاع الذي تتولى إدارته . والجهد المقدر الذي يبذله الوزير لن يغفر له ولن يبرر هذا القصور والفشل الذريع الذي يلوح في أفق الواقع كقرص الشمس في وضح النهار . ولكن ما يمكن أن يغفر له ذلك هو تبني موقف شجاع يرفع راية التصحيح والعمل على إدارة القطاع بمنهج أكثر فعالية وقدرة على الإنجاز ، تقوم فيه الوزارة بدور المنظم والمشرع والمراقب والموجه ، والترفع عن القيام بدور المطور الذي لبست ثوبه دون علم ومعرفة ، فأصبحت كأردأ ما يكون المطورون الذين يتهمهم الوزير بالعجز والقصور .
أختم بكلمة عتب على القائمين على برنامج الثامنة الذي تمكن باقتدار من أن يكون صوت المواطن ، فأنا أستكثر عليهم في الحقيقة أن يكون هذا البرنامج أداة لتلميع الوزراء والمسئولين بهذه الطريقة الممجوجة التي شاهدتها هذه الليلة . أقل القليل الذي كان يجب عليهم أن يقومو به أن يستعينو بعدد من المتخصصين ليعينوهم على طرح حقيقة القضايا المتعلقة بهذا القطاع على طاولة المناقشة مع الوزير عوضا عن تركه يبث هذا الحديث المفبرك الذي ظهر به البرنامج أداة تواطؤ للتلميع والتخدير .

الخميس، ١٦ أغسطس ٢٠١٢

التفحيط .. الإرهاب المباح


منظر الأشلاء التي كانت تتطاير من السيارة التي كانت تتقلب على الرصيف الذي اصطدمت به في ذلك المشهد المروع الذي تناقلته القنوات الفضائية ومواقع الانترنت لم يفارق مخيلتي منذ ذلك الحين . فبقدر ما كنت أسمع عن حوادث التفحيط وأرى بعضا منها أحيانا ، إلا أن أيا مما رأيت أو سمعت لم يبلغ مبلغ الترويع في هذا المشهد . أعجبتني كثيرا هذه الجرأة في عرض المشهد على شاشات التلفزيون عل ذلك يحدث صدمة توقظ الشباب والأهالي وحتى المسئولين في الأجهزة الحكومية المسئولة عن استشراء ظاهرة التفحيط واستمرارها على مدى أكثر من ثلاثين عاما بالرغم من تلك الأحاديث المتفرقة والحملات الخجولة ضدها . الشيء الأكيد أن هذه الظاهرة هي نتيجة لعوامل كثيرة ، ربما يكون أهمها الكثير من الخلل في أداء عدد من الأجهزة الحكومية . ولكي نؤسس لمعالجة فاعلة لهذه الظاهرة لابد أن نضع أيدينا على هذا الخلل ، وأن تعي تلك الجهات الحكومية عظم المسئولية الملقاة على عاتقها ، وحتمية تصحيح مواطن الخلل لحماية أبنائنا وشبابنا من أن يلقو بأيديهم إلى التهلكة .
إدارة المرور هي أول المقصرين في هذه الظاهرة ، وهو تقصير يمس جوانب كثيرة نرى تبعاتها كل يوم في شوارع وطرق المدن السعودية . فالغياب الميداني لدوريات المرور أفسح المجال لكثيرمن الممارسات والسلوكيات الخاطئة في القيادة ، بدءا بقطع الإشارات والتسابق في الطرق والوقوف الخاطيء وغير ذلك الكثير . التفحيط أحد هذه الممارسات التي شاعت في ظل غياب الرقابة الميدانية من قبل دوريات المرور ، حتى أنها عجزت عن تلبية البلاغات الطارئة عن تلك التجمعات أو حالات التفحيط التي تحدث في الطرق العامة أحيانا وفي داخل الأحياء أحيانا أخرى . بطء استجابة دوريات المرور حالة لا يمكن إنكارها ، وكثير منا اضطر للانتظار ساعات طوالا في انتظار وصول دوريات المرور عند وقوع حوادث مرورية أو حالات تفحيط . أنا وغيري الكثيرون نعاني الأمرين من ممارسات التفحيط داخل الأحياء صباحا ومساء بعيدا عن أعين المرور ، وكم من طفل أو مريض أو شيخ انتفض منتبها من أصوات التفحيط داخل الأحياء . والحقيقة ، أنا كاميرات نظام ساهر لم توضع لتفعيل وسائل الرقابة على الطرق والميادين ، بل لتصيد المخالفين وجباية أموالهم فحسب . كان الأجدى أن تعمد إدارة المرور وأجهزة الأمن الأخرى لنشر نظام للكاميرات يراقب الطرق والميادين وحتى الشوارع داخل الأحياء لتحقيق رقابة فاعلة تمنع كثيرا من صور المخالفات المرورية والأمنية على حد سواء .
وزارة الشئون البلدية والقروية هي الأخرى تشترك في المسئولية ، فنمط التخطيط الذي تبنته كان سببا مباشرا في تهيئة المناخ لمثل هذه الممارسات الخاطئة . شوارع مدننا وأحيائنا السكنية تم تخطيطها للسيارة وليس للبشر ، وهي في الغالب الأعم تتصف بالاستقامة والاتساع بما يشجع على سرعة القيادة دون أية عوائق اللهم إلا تلك المطبات الصناعية التي يعمد بعض الأهالي لوضعها في شوارع الأحياء للحد من جنون سرعة القيادة والتفحيط فيها . والحقيقة أن نمط التخطيط في الأحياء لم يشهد أي تطور يذكر على مدى سنوات طويلة ، ولا زالت الأحياء الجديدة تحمل ذات السمات وتتبنى ذات المباديء التخطيطية مع كل ما تحمله من مشكلات على مستوى الخصوصية وفقدان العنصر الإنساني وسيطرة السيارة على المشهد التخطيطي . إن النمط الذي تبنته أمانة منطقة الرياض في تحسين التصميم العمراني لبعض الشوارع كشارع التحلية على سبيل المثال يمثل أسلوبا مجديا في السيطرة على حركة السيارات والتقليل من فرص التهور في القيادة فيها . والمطلوب أن تتبنى وزارة الشئون البلدية والقروية هذا النموذج في الطرق والشوارع في كافة المدن السعودية ، وأن تتبنى أيضا أنماطا تخطيطية مختلفة في تطوير الأحياء الجديدة ، يكون فيها العنصر البشري هو أساس التخطيط بدلا من السيارة .
الرئاسة العامة لرعاية الشباب غابت تماما عن المشهد في هذه الظاهرة ، فهي لم تجد من قضايا الشباب سوى كرة القدم وبعض الرياضات الأخرى مجالا للتركيز والتعاطي . وحتى في هذا الجانب ، فهي قد غابت تماما عن التعامل مع قيادة السيارات كأحد الرياضات التي تقع ضمن إطار اختصاصها ، وأغفلت تبني برنامج متكامل لتهيئة حلبات السيارات وتسجيل وتأهيل وتدريب الممارسين لهذا النوع من الرياضة ، لتتركهم يمارسونها في الشوارع العامة ويحولوها إلى حلبات للموت .
وزارة التربية والتعليم تتحمل أيضا شيئا من المسئولية في هذه القضية ، فبالرغم من شيوع هذه الظاهرة واستشرائها على مدى سنوات طوال ، إلا أننا لم نر أي جهد من الوزارة لتوعية النشأ من مخاطرها وتبعاتها ، ولم نسمع يوما عن حملة بين صفوف الطلاب لتلمس اهتمامهم وشغفهم بها ، وتحري أولئك الذين يمارسونها عند أبواب المدارس في أعقاب نهاية اليوم الدراسي . لا أدري إن كانت الوزارة تعلم كم من الممارسات الخاطئة تقع في أوساط طلاب المدارس ، بما فيها ظاهرة التفحيط وما يصاحبها أحيانا من تعاط للمخدرات والمسكرات ، وهي مشاهد تكثر على وجه الخصوص في بعض المدارس الأهلية التي تصنف على أنها مدارس للنخبة المخملية من شباب يعتقدون أنهم فوق القانون .
جهات أخرى كثيرة تتحمل قدرا من المسئولية في هذه الظاهرة ، بما فيها الإعلام والشئون الاجتماعية ومؤسسات التمويل وغيرها الكثير . وفي حقيقة الأمر ، فإن هذه الظاهرة ليست إلا نتيجة للخلل الفاضح في التعاطي مع قضايا الشباب واحتياجاتهم وتطلعاتهم . وبين غياب الرقابة والحزم من ناحية ، وغياب الحلول البديلة من ناحية أخرى ، وغياب التوعية والتربية الحقة من ناحية ثالثة ، ها نحن قد خلقنا جيلا من المجرمين الأبرياء ، يحصدون أرواحهم وأرواح الآخرين فيها هم يبحثون عن سد مآربهم من ترفيه وإثبات للذات وبحث عن الشهرة والتميز . ظاهرة التفحيط ليست إلا شكلا من أشكال الإرهاب الذي أسهم المجتمع برمته في إذكاء ناره وتجنيد فئات من الشباب جنودا له . وبهذه النظرة التي لا تخلو من حدة ، فإن الحل لن يكون بمبادرات منفردة من هنا وهناك ، وإنما ببرنامج وطني متكامل موجه لمعالجة مشاكل الشباب وقضاياهم بما فيها البطالة والمشاكل الاجتماعية والسلوكية وغيرها من المشاكل .وفي ظل غياب المسئولية وتشتتها بين أجهزة متعددة يبرز السؤال الأزلي الذي لا نجد له جوابا .. من يعلق الجرس ؟

الاثنين، ١١ يونيو ٢٠١٢

وما زالو يتطاولون في البنيان


سبعمائة وثلاثون يوما كاملة مرت منذ نشرت في هذه الجريدة مقالا بعنوان "يتطاولون في البنيان" سطرت فيه عددا من التساؤلات والملاحظات حول ظاهرة المباني العالية التي باتت مسيطرة على مشهد التطوير العمراني في المدن السعودية الكبرى على وجه الخصوص . لم أكن أتوقع بالطبع أن يؤدي ذلك المقال إلى إحداث تغيير مباشر على واقع هذا المشهد ، ولكنني رجوت على الأقل أن يحدث حالة من المراجعة والتقييم وربما حتى المناقشة المضادة لمضمون تلك التساؤلات والملاحظات التي تضمنها المقال . وبعد مرور هذه المدة ، طالعت اليوم خبر عقد اجتماع لمستثمري مشروع برج جدة الشاهق الذي أعلن أنه سيكون الأعلى في العالم لمناقشة سير العمل في هذا المشروع . هذا المشروع ليس الوحيد الذي يقع في تصنيف المباني العالية التي ناقش المقال جدواها ، ولكنه بالتأكيد يمثل حالة متطرفة من التعبير عن هذا الاتجاه في تطوير المباني العالية ، خاصة مع كل تلك الأرقام الفلكية التي تضمنها الخبر عن مساحة المشروع ومكوناته وتكلفة تنفيذه . والمشكلة أن كل تلك المدة منذ نشر ذلك المقال شهدت تصاعدا مطردا لأرقام الطلب على المساكن ، وارتفاعا متواصلا لأسعار الأراضي ، وعجزا مستمرا عن إيجاد حلول مثمرة لأزمة الإسكان المستشرية ، بما في ذلك تعثر مشاريع تطوير المناطق العشوائية التي تشهدها على وجه الخصوص مدينة جدة موطن هذا المشروع الخارق .
مدينة جدة ، عروس البحر الأحمر التي علتها ملامح الشيخوخة المبكرة ، تعيش كثيرا من المشاكل الهيكلية في بنيتها العمرانية والقصور المشهود في بنيتها التحتية وشبكات الخدمات فيها . هي ذات المدينة التي لا زال أهلها يتذكرون صور كارثتي السيول المتتابعتين فيها دون أن يرو بعد ثمرة جهود المعالجة التي تم الإعلان عنها مؤخرا . وهي ذات المدينة التي يئن سكانها من ازدحام الطرق والشوارع فيها ، خاصة مع تأخر وتعثر العديد من مشروعات الجسور والأنفاق التي كان يفترض إنجازها منذ سنوات مضت . وهي ذات المدينة التي يعاني أهلها من انقطاع المياه المتكرر ، وتجوب شوارعها صهاريج الصرف الصحي التي تسد ثغرة النقص في تنفيذ شبكاتها التحتية . وهي ذات المدينة التي يصرخ سكانها بالشكوى من ارتفاع تكاليف إيجار المساكن حتى بلغت عنان السماء فيما هم عاجزون عن تحقيق حلم تملك مساكنهم في ظل عجز أجهزة الدولة وعلى رأسها وزارة الإسكان عن تحقيق اختراق حقيقي في معالجة هذه الأزمة . وهي ذات المدينة التي لا زال أهلها يحلمون بإنجاز مشروع المطار الحلم فيما هم وضيوفهم يعانون الأمرين من مطارها الحالي الذي لم تفلح جهود الترقيع التي طالته في تحسين بيئته المهلهلة . هذه الحالة من التناقض الصارخ لا يمكن إلا أن تثير التساؤلات حول جدوى بناء مثل هذا المشروع في مثل هذه المدينة الجريحة ، فهي أحوج إلى هذه المليارات لمعالجة مشكلاتها وتوفير حياة كريمة لسكانها بدلا من التباهي والتفاخر والمنظرة وسباق التطاول في البنيان . مشروع برج جدة ليس مشروعا لأهل جدة ، بل هو مشروع للنخبة الذين يملكون الإمكانات المادية ليعيشو غمار التجربة الثرية التي سيقدمها ، وهو مشروع لاستنزاف موارد الناس الذين سيغريهم المشروع بزيارته والتجول في أسواقه وجنباته وربما أيضا الصعود إلى قمته الشاهقة ليتفرجو على جدة من عل لكي لا يرو ما أصابها من تلف . أحد المستثمرين قال أن هذا المشروع سيكون رافدا للسياحة في هذه المدينة ، وأنا لا أدري هل هو بهذا الحديث يضحك على أهل جدة أم على نفسه أم على رفاقه من المستثمرين ، فعن أية سياحة يتحدث في مدينة يحدث أهلوها أنفسهم بهجرانها بعد أن حاصرتهم وأرقتهم معاناتهم اليومية فيها ، وعن أية سياحة يتحدث في بلد لا يملك أيا من المقومات الأساسية لصناعة سياحية حقيقية . حتى أولئك الذين يمكن أن يستقطبهم هذا المعلم العالمي من سياح الخارج سيصطدمون بواقع عجزهم عن الحصول على تأشيرات لدخول بلد لا زال مغلقا في وجه أفواج السياحة العالمية .
بعيدا عن الحديث العاطفي ، فإنني أجدد أيضا ذات التساؤلات التي طرحتها في مقالي السابق في معرض الحديث عن هذا المشروع في هذه المدينة الجريحة . فهل بنية جدة العمرانية يمكنها أن تستوعب مثل هذا البرج والأبراج المحيطة به ، وهل شبكات الطرق التي كانت مصممة لمبان أقل ارتفاعا وفق الأنظمة السابقة يمكنها أن تستوعب حجم الحركة المرورية التي تصبها تلك الأبراج فيها ، وهل تملك أجهزة الدفاع المدني الإمكانات والقدرات الفنية والبشرية لمواجهة أية حرائق أو كوارث يمكن أن تصيب أيا من هذه الأبراج لا سمح الله . كل هذه التساؤلات وغيرها مما أوردته في مقالي السابق تتطلب وقفة جادة لمراجعة هذه الظاهرة الخطيرة ، على الأقل ، كما قلت سابقا ، لتقنين هذه الظاهرة والسيطرة على هذا السباق المحموم للتطاول في البنيان ، وتشجيع توجيه الاستثمارات إلى مجالات أخرى تمثل في بعضها حاجات حقيقية وملحة ، وعلى رأسها قطاع الإسكان ، وكذلك لتفعيل استراتيجية التنمية الوطنية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر منذ سنوات دون أن تجد سبيلا للتطبيق الحقيقي على أرض الواقع ، وهي تلك التي تدعو إلى توزيع وتوازن الاستثمارات عبر محاور التنمية الإقليمية والوطنية عوضا عن تركيزها في المدن الكبرى التي باتت تعاني حالات من النمو السرطاني الخطير .
خلاصة القول ، هذا المشروع وغيره من المشروعات المشابهة ، بما فيها مشروع مركز الملك عبد الله المالي ومدينة الاتصالات والتقنية وأبراج استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وغيرها الكثير إنما هي مشروعات تهدر موارد الوطن ومقدرات أبنائه . وإذا كانت كل تلك الكيانات التي تقوم عليها تعمل من منطلق استثماري بحت بحثا عن الربح الجزيل ، فهل يمكن أن تبقى الدولة وأجهزتها ، وعلى رأسها وزارة الشئون البلدية والقروية ، في هذه الحالة المستمرة من الصمت والتراخي ؟ . أرجو ألا تمر سبعمائة وثلاثون يوما أخرى أكتب بعدها مقالا آخر عن مشروع خارق آخر من مشاريع التطاول والتفاخر الجوفاء .

لماذا لا يوجد لدينا مطورون عقاريون


هذا السؤال طرحه وحاول الإجابة عليه المهندس سعود القصير المدير العام السابق لشركة دار الأركان للتطوير العقاري في المحاضرة التي ألقاها في الملتقى الذي نظمته الجمعية السعودية لعلوم العقار قبل حوالي أسبوعين . مجرد طرح هذا السؤال من هذا الرجل يعكس اعترافا صريحا بهذه المشكلة ، وهي حالة شكلت من ناحية عقبة كأداء في سبيل حل أزمة الإسكان في المملكة ، علاوة على كونها أصبحت ذريعة لتبني وزارة الإسكان منهج البناء الذاتي والمباشر في مشروع خادم الحرمين الشريفين لبناء 500,000 وحدة سكنية . المحاضر الخبير عرض عددا من الأمور التي رأى أنها تبرر هذه الحالة الشاذة في سوق يمثل فيه القطاع العقاري ثاني أكبر القطاعات الاقتصادية بعد القطاع النفطي ، بما فيها قصور التمويل الموجه لدعم شركات التطوير العقاري ، والعقبات اليروقراطية في إجراءات الجهات الحكومية لاعتماد المخططات وتراخيص البناء ، وصعوبة المنافسة السعرية مع المطورين الأفراد في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية لشركات التطوير العقاري الكبرى في ظل سيطرة ثقافة الاسترخاص والبناء "التجاري" لدى شريحة صغار المطورين ، وغير ذلك من المبررات التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان . حديث المحاضر الكريم ، بالرغم من صحة ما احتواه ، جاء مجددا لموقف إلقاء اللوم والمسئولية على الآخرين وتبرئة أصحاب القطاع من أي كم من المسئولية عن هذا الواقع المخل ، وهو ذات الموقف السلبي المتخاذل الذي يتبناه أصحاب أي قطاع من القطاعات الاقتصادية التي تواجه حالات من الخلل الهيكلي فيها . ومع أني أقر بصحة معظم ما ورد في تلك المحاضرة ، وحقيقة ضعف الدور الحكومي وقطاع التمويل في دعم شركات التطوير العقاري ، إلا أن أصحاب القطاع أنفسهم يتحملون شيئا من المسئولية في هذا الواقع ، خاصة في ظل عجزهم عن تبني أية مبادرات جادة للارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم في هذا المجال ، وعجز اللجان العقارية عن أداء دور فاعل ومؤثر لمد جسور الحوار البناء والفعال مع القطاعات الحكومية ذات العلاقة .
أحد أهم المشاكل التي تسم القطاع العقاري في المملكة هي أن معظم الشركات العقارية تفتقر إلى الاحترافية والتخصص ، وهي في معظمها شركات عائلية يغلب عليها الفكر الفردي في الإدارة . غياب التخصص أمر لا يمكن نكرانه ، فمعظم الشركات العقارية تخلط بين الاستثمار والتطوير والتسويق والتثمين وإدارة الأملاك ، بل وتمد يدها أحيانا إلى الأعمال الهندسية والبناء والصيانة وغيرها من الأنشطة التي يفترض أن تقوم بها كيانات متخصصة . حتى الشركات التي رفعت راية التخصص في التطوير العقاري ، بما فيها شركة دار الأركان للتطوير العقاري على سبيل المثال ، وقعت في فخ الخلط بين استثمار وتطوير الأراضي والمباني السكنية والتجارية والعامة ، إلى جانب التسويق والتمويل وإدارة الأملاك وغير ذلك من الأنشطة والخدمات . المشكلة أن معظم تلك الشركات العقارية العائلية تعيش حالة من التشبع في الأموال والأصول العقارية وتحصيل العوائد المجزية السهلة من تجارة الأراضي ، وهو ما يجعلها أقل حرصا على خوض ما تعتبره مخاطرات مهنية واستثمارية في قطاعات أكثر عمقا وتخصصا ، كقطاع التطوير المتخصص لمشاريع الإسكان على سبيل المثال . حتى الشركات العقارية العامة المدرجة في سوق الأسهم تعيش حالة مماثلة من سيطرة الفكر العائلي والفردي على الإدارة ، بما فيها شركة دار الأركان التي استقال محاضرنا المحنك من مهمة إدارتها لتعود إلى أيدي مؤسسيها الأصليين .
المشكلة الأخرى في الشركات العقارية السعودية هي سيطرة النمطية والفكر التقليدي على أعمالها وأنشطتها ، بما فيها تلك المحاولات الخجولة في قطاع التطوير العقاري . أنا لم أسمع أبدا أن أية شركة عقارية ، بما فيها شركة دار الأركان ، سعت إلى تبني استخدام أنظمة حديثة للبناء بهدف رفع جودة مشاريعها وتقليل مدد البناء وتحجيم الهدر الناتج عن آليات البناء التقليدية ذاتها التي يستخدمها المطورون الأفراد الذين اشتكى من عدم القدرة على منافستهم محاضرنا الكريم . لم أفهم كيف يمكن لتلك الشركات الكبرى أن تكسب هذه المنافسة وهي تستخدم ذات الآليات وذات الأنظمة البالية في البناء . إن تحقيق مكاسب البناء الشامل والجماعي تتطلب توظيف خبرات ومهارات هندسية وتقنية متقدمة تختلف كليا عن نمط البناء السائد في الوقت الراهن . عندما نستطلع نموذج العمل الذي تبنته شركة دار الأركان على سبيل المثال في مشاريعها الماضية نرى أن الشركة خلقت في هيكل عملها مستويات متعددة من الإدارة ، بدء بإدارة الهندسة والمشاريع داخل الشركة ، ومرورا بشركة إدارة المشاريع العالمية التي أنهت عقدها بعدما استنزفت مواردها المالية ، وانتهاء بمقاولي الدرجة الأولى الذين استعانو كما جرت عليه العادة بشبكة تحتية من مقاولي الباطن ، وهلم جرا . هذه المستويات المتعددة من الإدارة كبدت الشركة مبالغ طائلة تم تحميلها بالطبع على تكاليف المشروعات ، وهو ما أدى إلى تضخيم التكلفة النهائية وسعر البيع للوحدات السكنية . المطورون الأفراد الذين اشتكى منهم المحاضر الكريم لم يقعو بالطبع في هذا الخطأ ، فهم يقومون بإدارة مشاريعهم بقدراتهم الذاتية ، وهو ما جعلهم أكثر قدرة على إنتاج وحدات سكنية أقل تكلفة وأكثر تنافسية . والمشكلة أن نوعية المنتج ومستوى جودته لم يختلف في الحالتين ، بل إنها تتفوق أحيانا في حالة المطورين الأفراد عليها في حالة الشركات العقارية .
أختم بالتعليق على جانب أورده المحاضر الكريم في معرض حديثه عن مبررات غياب شركات التطوير العقاري ، وهو جانب التمويل . والحقيقة ، أن سوق التمويل ، بالرغم من القصور الذي يسمه بشكل عام ، إلا أنه يعيش حالة من الازدهار التدريجي المتصاعد منذ إطلاق نظام الصناديق العقارية تحت مظلة هيئة سوق المال ، هذا إلى جانب قيام بعض البنوك بتوسيع مساهماتها في قطاع التمويل العقاري . المشكلة أن الشركات العقارية ، انطلاقا من حالة النمطية والتقليدية التي تعيشها ، قاومت بكل ما ملكت من قوة تبني هذه الوسائل والحلول التمويلية ، محاولة إعادة الحياة للمساهمات العقارية التي نظمتها وزارة التجارة تنظيما خانقا مميتا . والحقيقة التي ربما لا يعيها أولئك العقاريون هي أن آليات التمويل عبر الصناديق العقارية لا تحقق فحسب توزيع المسئولية في إدارة حقوق المساهمين والمستثمرين ، بل إنها علاوة على ذلك تؤسس دورا رقابيا فاعلا يسهم في الارتقاء بجودة المنتجات العقارية ، خاصة على مستوى شركات الرهن العقاري التي تمثل حلقة الربط بين المطورين من جهة والمستهلكين من جهة أخرى .

الاثنين، ٢٨ مايو ٢٠١٢

اضحك مع الخطوط السعودية

لم أعتد فيما سبق أن أكون كاتبا ساخرا ، مع أني أؤمن أن شر البلية ما يضحك ، على الأقل لكي لا أموت بحسرتي من كم ما أراه وأعايشه يوما بعد آخر من أحداث ومواقف في بلدي الحبيب . وفي مرحلة سابقة من حياتي ، كنت قد خضت تجربة الكتابة اليومية في مدونة إلكترونية أنشأتها لأبثها همومي وتجاربي اليومية ، على الأقل على سبيل الفضفضة ، وعنونتها بمقدمة قلت فيها "أن تجربة الكتابة الأسبوعية في الصحافة هي تجربة ثرية من ناحية ، ولكنها من ناحية أخرى تشكل معاناة للكاتب ، من جهة أنها تخلق لديه حسا لالتقاط الأحداث والأخبار لتشكل قائمة طويلة من العناوين والموضوعات ، وهو ما يجعل الكتابة الأسبوعية وسيلة غير كافية لتفريغ مخزون الذاكرة من الموضوعات والعناوين. هذه المدونة ستكون الملجأ الذي أسطر فيه أطروحات يومية من ذلك المخزون ، علها تكون وسيلة لتسجيل خواطري حول الوطن والتنمية والناس" . هذه التجربة استمرت عاما كاملا بالتمام والكمال ، توقفت بعدها تحت وطأة بعض الضغوط الشخصية والمعنوية ، واكتفيت بمقالي الأسبوعي في هذه الجريدة . اليوم على وجه الخصوص ، وهو يوم الجمعة بالمناسبة ، احتجت إلى تفريغ الضغوط التي تكالبت علي من مواقف متتالية تصادف أن يكون بطلها جميعا الخطوط الجوية العربية السعودية . وحتى لا يمل الإخوة القراء من هذا التكرار الممجوج من سرد قصص المعاناة مع الخطوط السعودية ، فقد قررت أن أحاول اتخاذ موقف الكاتب الساخر ، تاركا للقاريء الكريم الحكم على هذه المحاولة ، وربما أيضا التعليق على مضمون هذه القصة .
وصلت في الساعة السابعة إلى مطار جدة مع بعض الإخوة عائدين من رحلة إلى خارج المملكة ، وانتقلت مع عدد من رفقاء الرحلة إلى صالة المغادرة الداخلية ليلحق كل منا بطائرته لتأخذه إلى محطته الأخيرة . ولما كان موعد رحلتي المجدولة إلى الرياض في الساعة العاشرة فقد ذهبت إلى كاونتر الخطوط السعودية محاولا الحصول على مقعد في رحلة أبكر من تلك الرحلة . موظف الخطوط أفادني بأن مقاعد كل الرحلات محجوزة مسبقا ، ولا مجال البتة لتحقيق هذا المطلب ، اللهم إلا عبر تسجيل اسمي في قائمة الانتظار ، وهو ما يتطلب إلغاء حجزي الأصلي ونقل رقم التذكرة إلى حجز الانتظار . تعجبت من هذه الإفادة ، إذ كيف يمكن أن أتخلى عن حجز مؤكد متعلقا بأمل واه في حجز على قائمة الانتظار ، ثم أن الانتظار لا يعد حجزا في حد ذاته حتى يقوم بتفعيل التذكرة عليه . لم يجد النقاش نفعا ، فطلبت من الموظف إصدار بطاقة صعود الطائرة وذهبت إلى صالة الفرسان وأنا أفكر كيف سأقضي هاتين الساعتين في انتظار موعد إقلاع الرحلة .
بينما كنت أتجول في صالة المطار وجدت أحد رفاق الرحلة وقد وصل إلى صالة الفرسان للتو بعد أن أنهى إجراءات سفره على رحلة لخطوط طيران ناس . هذا الرجل هو عضو في مجلس الشورى ، ويحمل بطاقة الفرسان الذهبية التي تخوله الدخول إلى صالة الفرسان كما تقول اللافتة المنصوبة على مدخل الصالة . ولكن موظف استقبال الصالة رفض السماح له بالدخول محتجا بأن القاعة مخصصة فقط للمسافرين على الخطوط السعودية ، طالبا من هذا الرجل أن يلجأ إلى مدير المطار لحل مشكلته . الرجل ذهب طائعا إلى مدير المطار الذي كان من اللطف أن اتصل بموظف الصالة ولامه على هذا الخطأ ، وطلب معتذرا من صديقي المسافر العودة إلى الصالة معززا مكرما . عندما وصل الرجل إلى الصالة وجد موظفا آخر على كاونتر الاستقبال ، ليتكرر معه أيضا موقف الرفض لدخول الصالة ، وهو موقف لم ينته إلا بعد كثير من الجدل والأيمان المغلظة عن موقف مدير المطار ، فدخل الرجل صالة الفرسان فاتحا منتصرا . ولو أنه سألني لنصحته بعدم الإلحاح على تحقيق هذا النصر المبين ، إذ لا مكسب يستحق خوض هذه المعركة من الأساس . فصالة الفرسان ليست إلا حالة مزرية من الامتنان الأجوف الذي تمارسه الخطوط لسعودية على مسافريها . أنا لا أريد أن أعقد تلك المقارنة الظالمة مع كل ماهو في بلادي وما يقابله في أماكن أخرى من العالم ، دبي على سبيل المثال . صالة الدرجة الأولى في مطار دبي تجربة ممتعة بكل ما تعنيه الكلمة ، تلوح فيها علامات الكرم والضيافة بصنوف شتى من الأطعمة والمشروبات ومقاعد وثيرة وتجهيزات متقدمة . في المقابل ، فإن حاويات الطعام في صالة فرسان مطار جدة كانت فارغة عندما وصلت إليها . وعندما سألت موظف الاستقبال عما إذا كان سيعاد ملؤها أجابني أن الأطعمة تقدم فقط في وقت الغداء ووقت العشاء ، وبخلاف ذلك فلا يتم تقديم شيء سوى بعض الشطائر الخفيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع . تحاملت على نفسي وآثرت الصمت وجلست ممسكا بحاسوبي الصغير لأراجع رسائل بريدي الإلكتروني التي انقطعت عنها لثلاثة أيام متواصلة . المفاجأة الجديدة كانت أن شبكة الانترنت في صالة الفرسان لا تعمل ، فتوجهات مرة أخرى إلى موظف الاستقبال سائل عن هذا الخلل ، فقال أن ضغط المستخدمين على الشبكة هو السبب ، وأنه لا يملك فعل شيء إذ أن موظف صيانة الشبكة لا يأتي إلا صباحا . مظهر آخر من مظاهر الاستخفاف بالمسافرين ، وهو مظهر يصبح أكثر استفزازا عندما يكون مصحوبا بهذه اللغة الجامدة المتعالية من مثل هذا الموظف . قلت لنفسي ، إذا كان هذا هو الحال في صالة الدرجة الأولى ، فكيف هو الحال في صالات المسافرين العامة ممن لم تتهيأ لهم وسائل الراحة والمتعة التي خصصتها الخطوط السعودية لنخبة مسافريها ؟ .
اكتفيت بما رويت من القصة ، فختمت المقال تمهيدا لإرساله إلى الجريدة ، لأستعد بعدها لصعود طائرتي متجها إلى الرياض لأنهي يوما جديدا من أيام المعاناة مع الخطوط السعودية ، داعيا الله ألا تمتد هذه المعاناة أثناء الرحلة ، وإلا فإنني سأضطر إلى إرسال ملحق لهذا المقال إلى الجريدة لأكمل مسرحية هذا المساء مع الخطوط السعودية .