بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٨ مارس ٢٠١١

وأخيرا .. أصبح للإسكان وزارة

لم يعد يوم الجمعة ذلك اليوم الذي يصفه البعض بالكآبة، ولم يعد مكانا للكسل والنوم الذي يراه البعض ملجأ لهم من متاعب بقية أيام الأسبوع. يوم الجمعة، وهو أشرف أيام الأسبوع، أصبح يترقبه الجميع بما يحمله بين الفينة والفينة من أخبار. وإذا كانت أخبار الجمعة في كثير من الدول المجاورة تأتي حافلة بالصخب والثورات والمشكلات والقتل والتنكيل، فإن أخبار الجمعة في بلادنا تأتي دوما مليئة بالخير والعطاء والأمل. هذه الجمعة حملت في رأيي خبر صدور أحد أهم القرارات في تاريخ التنمية في المملكة في السنوات الأخيرة، وأحد أهم القرارات التي انتظم صدورها في الأسابيع الأخيرة، والتي بدأت تنهال خيرا على الوطن منذ عودة مليكه إلى أرض الوطن سليما معافى. هذا الخبر أسقط من قائمة الأولويات كل الموضوعات التي كنت أنوي تناولها بالكتابة في هذا المقام، ووجدتني أسطر هذا المقال لأجزل به الشكر والامتنان لخادم الحرمين على ما عبر به هذا القرار من حرصه ـــ حفظه الله ـــ على معالجة هذه القضية الحيوية من قضايا التنمية، ولأجزل الدعاء لوزير الإسكان بالتوفيق والسداد لأداء متطلبات هذه المهمة العسيرة.
أكثر ما ميز هذا القرار ليس أنه عبر عن رفع سقف الاهتمام بهذه القضية لتكون قضية وزارة عوضا عن قضية هيئة تكبلها اختصاصات واستراتيجيات ومرئيات العديد من الجهات الأخرى، ولكن أكثر ما ميز هذا القرار هو الشمولية التي أكدها في التعاطي مع هذه القضية، وتأكيد اختصاصها بعناصر حل القضية، وأهمها الأرض والتمويل، فهل بعد ذلك من سبيل إلى الفشل؟ لا يمكن أن يكون أي فشل بعد هذا القرار إلا نتاجا لتقصير الأفراد والمسؤولين في أداء مهامهم على الوجه الأكمل، أو نتيجة لتعمد جهات أخرى وضع العصي في الدواليب لإعاقة مهمة هذه الوزارة وتعطيل حل هذه المعضلة. لا يمكن أن يكون الفشل بعد اليوم إلا فشلا متعمدا يستحق التعامل معه بحزم وحسم، إذ إن هذه القضية قد استفحلت واستعصت وتفاقمت.
وزارة الإسكان الوليدة تمثل الفرصة الحقيقية الأولى منذ فترة طويلة لحل هذه الأزمة الكأداء، خاصة أنها تأتي في وقت سخرت فيه الدولة كما هائلا من الموارد المالية لمعالجة هذه المشكلة، ويأتي إنشاء هذه الوزارة أخيرا ليوفر البيئة المؤسسية اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ولأن هذه الوزارة لا يمكن لها إلا أن تحقق النجاح بعد أن توافرت لها كل أسبابه، ولم يبق إلا شحذ الهمم والتشمير عن السواعد لبدء العمل الجاد لمعالجة هذه القضية، فإنه يصبح لزاما علينا معشر الكتاب أن نغير لهجة الحديث ليكون أكثر إيجابية وأكثر ثقة بهذا المنحى الجديد في التعاطي مع هذه القضية. لقد كنت دوما أقول إن مشكلة الإسكان مشكلة عميقة الجذور، ولا يجوز لحلها أن نقدم مبادرات مجتزأة ومفككة لا تعدو أن تكون مسكنات لا تعالج أصل المشكلة. اليوم وقد أطلق الملك هذه الوزارة، وسلحها بالصلاحيات والاختصاصات اللازمة لتمكينها من أداء هذا الدور، فإن أجدر ما تفعله الوزارة في بادئ عهدها أن تنظم ورشة عمل ضخمة لمناقشة هذه القضية، ورشة يشارك فيها كل من له علاقة بهذه القضية من أجهزة الدولة ومؤسساتها، وكل من يعمل في هذا القطاع أو حوله من شركات القطاع الخاص، وكل من يحمل فكرا جادا أو معرفة عملية حول أي من جوانبها. ورشة العمل هذه يجب أن تكون ذات شكل ومضمون مختلف عن المؤتمرات التنظيرية والدعائية التي نشهدها من وقت لآخر، ورشة عمل حقيقي تخرج بمسار استراتيجي يوظف خلاصة هذه الخبرات والمعارف، ويحدد أدوار كل من هذه الجهات في مسار التصحيح، ويضع برامج وأهدافا زمنية ترسم الأمل للمواطن الذي ينتظر نتائج عمل هذه الوزارة. إن دعوتي لعقد هذه الورشة لا تعبر عن قصور الثقة بالفريق المكلف بإدارة هذه الوزارة، بل إنها تعبر عن رغبة في دعم تلك القدرة بما يملكه المجتمع من قدرات وخبرات، والأهم من ذلك بتحديد واضح ومعلن وفق اتفاقات واضحة مع بقية أجهزة الدولة ذات العلاقة. لا أريد لهذه الوزارة أن تصطدم بالعقبات ذاتها التي تصطدم بها جهود العديد من أجهزة الدولة التي يسبح كل منها في تياره الخاص، بل أريد لها أن تأخذ بتيارها كل الوزارات والأجهزة الأخرى لتكون كلها سندا لها في أداء مهمتها الجسيمة. لا أريد لهذه الوزارة أن يشتكي مقاولوها من مشكلة تأشيرات وزارة العمل، أو من تعقيدات نظام المشتريات الحكومية، أو من متطلبات واشتراطات وزارة الشؤون البلدية والقروية، بل أريدها أن تملك زمام المبادرة لتكون القائد الأوحد في نطاق اختصاصها بقضية الإسكان. الشيء الأخير الذي أجدد التنبيه إليه، يجب ألا تغرق هذه الوزارة في مسألة البناء المباشر للوحدات السكنية، فهي لن تستطيع تحقيق النجاح في معالجة هذه القضية بهذا الأسلوب مهما سخرت لها الدولة من موارد وإمكانات. والسبيل الأوحد لمعالجة هذه المشكلة هو في العمل على تحويل الإسكان إلى صناعة احترافية ممنهجة، وتأسيس شراكات فاعلة مع القطاع الخاص لأداء أدوار محددة ضمن استراتيجية التطوير، والقيام بدور المراقب والمنظم والموجه لتنفيذ هذه الاستراتيجية.
خلاصة القول، هذه الوزارة الناشئة ربما تكون أكثر الوزارات قدرة على تحقيق نجاح بات مطلب الجميع، وهذا الوزير يعيش فرصة حقيقية لأن يخلد التاريخ اسمه إن استطاع أن يحل مشكلة أرقت الوطن والمواطنين. كل ما آمل أن تعيه الوزارة ويعيه الوزير أن يدا واحدة لا تصفق، والمشكلة أكبر من أن تحل بجهد منفرد.

الاثنين، ٢١ مارس ٢٠١١

وأنت أيضا في قلوبنا يا خادم الحرمين

هذا ليس فقط عنوانا لمقال, لكنه عنوان لقناعة شعب بأكمله. والتعبير عن هذه القناعة لم يكن فقط بالقول, بل بالفعل, الذي تمثل في تجاهل التحركات والدعوات المغرضة التي شابت الأجواء في بلادنا خلال الفترة الماضية. هذا التجاهل الذي أبرز بجلاء مقدار الولاء الشعبي للقيادة, والإيمان المطلق بحرص الدولة على تحقيق الرفاه للمواطنين. وكلمة الملك لشعبه يوم جمعة الوفاء جاءت بردا وسلاما على قلوب المواطنين, وأكدت هذا التلاحم النادر بين القيادة والشعب, تلاحم ينطلق من حب متبادل ومصير مشترك, وليس مدفوعا بأية مصالح أو تطلعات تخرج عن إطار المواطنة ومتطلباتها واستحقاقاتها. ومنظومة القرارات التي صاحبت كلمة الملك, التي انضمت إلى مجموعة القرارات التي تزامنت مع عودته سالما معافى إلى أرض الوطن, كل هذه القرارات جاءت لتلمس جوانب عديدة من هموم المواطنين, وتعبر عن إحساس القيادة بمشكلات الشعب, وتسجل حرصا على معالجة هذه المشكلات. لكن, ومن منطلق الحرص على أن تحدث هذه القرارات الآثار المأمولة منها, فسأعرض هنا مجموعة من الرؤى المرتبطة بهذه القرارات, عسى أن تجد هذه الرؤى شيئا من القراءة الجادة لتحقيق المصلحة العامة.
تضمنت القرارات مجموعة من الإجراءات التي يمكن تصنيفها بشكل قطاعي إلى خمس مجموعات, الأولى تشمل إجراءات في شكل مكافآت ومنح مالية للمواطنين, والثانية تشمل إجراءات تتعلق بقطاع الإسكان, والثالثة تشمل إجراءات تتعلق بقطاع العمل ومشكلة البطالة, والرابعة تشمل إجراءات تتعلق بقطاع المؤسسات الدينية, والخامسة تشمل إجراءات تتعلق بمحاربة الفساد, إلى جانب عدد آخر من القرارات المتفرقة. والمجموعة الأولى من القرارات تندرج في إطار التيسير على المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية, وهي قرارات لامست حاجة الناس, لكن المشكلة أنها وجهت للموظفين في القطاع الحكومي. ومع أن عددا من كيانات القطاع الخاص تفاعلت بشكل إيجابي مع هذا القرار, واحتذت حذوه في التيسير على منسوبيها, إلا أن عددا آخر منها لا يستطيع فعل ذلك ولو أراد, علاوة على العدد الآخر من المواطنين الذي هم من أصحاب الأعمال الصغيرة ولا تشملهم هذه المبادرة. كما أن الموظفين في الدرجات الأدنى هم في الحقيقة أكثر حاجة إلى مثل هذا العون مقارنة بالموظفين في الدرجات العليا الذين ليسو في حاجة فعلية إليها. ربما كان الأفضل أن يتم تعميم هذه المبادرة لتشمل كل المواطنين على حد سواء, وأن يتم منحها لكل رب أسرة أو عائل بموجب رقم الهوية الوطنية, وبحيث يتم ربطها بعدد أفراد الأسرة الذين يعولهم. الأهم من ذلك أن تترافق هذه المبادرة مع مسعى حقيقي لمنع أي تضخم في تكاليف الحياة يمكن أن ينشأ عنها, وربما يكون قرار إحداث 500 وظيفة في وزارة التجارة والصناعة لدعم جهودها الرقابية عاملا مساعدا في هذا الجانب, إلا أنه يتطلب تفعيلا سريعا لتحقيق المعالجة المطلوبة بشكل فوري بدلا من أن تأتي متأخرة عنها. ومن جهة أخرى, فإن زيادة دخل منسوبي القطاع العسكري يمثل استجابة مباشرة لما يقوم بها القطاع من دور حيوي في الحفاظ على الأمن, إلا أن هذه المبادرة تتطلب أيضا النظر في أوضاع بعض الفئات من منسوبي القطاع الحكومي, ومنهم على سبيل المثال المهندسون, الذين طال انتظارهم لكادر خاص يحقق تطلعاتهم المشروعة بالنظر إلى حجم المسؤوليات الملقاة على عواتقهم في منظومة التنمية.
المجموعة الثانية من القرارات, وهي التي تتعلق بقطاع الإسكان, ينجر عليها الحديث ذاته الذي سبق أن طرحته عقب القرارات السابقة التي تضمنت دعم ميزانية الهيئة العامة للإسكان وصندوق التنمية العقارية. إن بناء 500 ألف وحدة سكنية التزام ضخم, ليس بمتطلباته المالية, فالدولة ـــ بحمد الله ـــ أنعم الله عليها بموارد مالية ستمكنها من تغطية هذا الجانب. لكن المشكلة تكمن في الآليات التي يمكن أن يتحقق بها هذا القرار, فالهيئة العامة للإسكان لا يمكن لها أن تقوم منفردة بهذا الدور, بل إنها يجب أن تبتعد تماما عن البناء المباشر للوحدات السكنية, وتسعى إلى تأسيس شراكات ممنهجة مع القطاع الخاص لتحقيق هذا الحلم. ومن جهة أخرى, فإن تحقيق هذه الخطة تتطلب معالجة فاعلة لمشكلة توافر الأراضي وارتفاع أسعارها, بما في ذلك على سبيل المثال التعجيل بفرض الرسوم على الأراضي البيضاء, ومعالجة مشكلة توفير الأراضي البلدية المجهزة بالخدمات, وتوظيف موارد صندوق التنمية العقارية بشكل أكثر فاعلية لتوسيع دورة التمويل العقاري. أما المجموعة الثالثة من القرارات, التي تناولت قضية العمل والبطالة, فهي تمثل ـــ في رأيي ـــ قفزة مهمة في التعاطي مع هذه القضية الحيوية, وذلك عبر تحديد حد أدنى للأجور في القطاع الحكومي, وهو ما يتطلب توسيع تطبيقه ليشمل القطاع الخاص أيضا, ويشمل كذلك كل العاملين في القطاعين من سعوديين ووافدين, حتى يتحقق عامل التنافسية الذي سيدفع باتجاه رفع تكلفة توظيف الوافدين, وهو ما يمكن أن يسهم في تحقيق تطلعات الدولة في سعودة الوظائف. كما أن هذا الأمر يتطلب أيضا مراجعة جادة للتشريعات والأنظمة ذات العلاقة, ومنها نظام المشتريات الحكومية, الذي ما زال يفرض عامل المنافسة السعرية أساسا لترسية العقود, وهو ما يدفع المقاولين إلى البحث عن أرخص العمالة وتوظيفهم للتمكن من المنافسة على مشروعات التنمية.
المجموعة الرابعة من القرارات والتي تناولت عددا من المؤسسات الدينية تعكس بوضوح اهتمام الدولة بهذا القطاع, في تأكيد معلن لتبني المكون الديني في الدولة السعودية, وهو المكون الذي خص الله به هذا البلد دون سواه. كل ما أرجوه أن تدعم هذه المجموعة من القرارات تحقيق رؤية الدولة في الوسطية والاعتدال, وأن تسهم في تحقيق التقارب المأمول بين هذه المؤسسات وعامة الشعب. أما المجموعة الخامسة من القرارات, والمتعلقة بمكافحة الفساد, فهي بحق أهم هذه القرارات, ولربما كانت كل القرارات من دونها فارغة المحتوى والمضمون. فالفساد آفة الآفات, ومن دون مكافحته لن يمكن حل أي من مشكلات التنمية, ولن تجد كل القرارات فرصة للتحقيق الفاعل. كل ما أرجوه أن تكون هيئة مكافحة الفساد نموذجا للنزاهة, وألا تغرق هي ذاتها في ممارسات بيروقراطية عقيمة تعوق قدرتها على أداء دورها المأمول. ولربما كان ربط هذه الهيئة بشكل مباشر بإشراف مباشر من الملك أهم مؤشر على مقدار الاهتمام الرسمي بهذه الهيئة الوليدة.
خلاصة القول, ملك القلوب استطاع فعلا أن يملك القلوب, ونحن لا نملك إلا أن نمد له يد الشكر والعرفان, ونبادله حبا بحب. وكل هذه القرارات تتطلب كما قلت سابقا التعاطي الجاد من أجهزة الدولة لتفعيل آثارها على الوطن والمواطنين, وتتطلب كذلك سعيا فاعلا لعمل مؤسسي ممنهج يؤسس لتنمية وطنية مستدامة وليس معالجة وقتية لا تخلو من تخدير.

السبت، ١٢ مارس ٢٠١١

صندوق المئوية - إذا عرف السبب


أعترف أن معلوماتي قاصرة حول كثير من الأمور ، وأحد هذه الأمور هو طبيعة توزيع المهام والمسئوليات في المؤسسات الرسمية ، وأسماء القائمين عليها ولو كانو وراء الكواليس . الدافع وراء هذا الاعتراف هو الخبر الذي ساقته الصحف حول فوز صندوق المئوية بجائزة الأمير سلمان لشباب الأعمال ، والذي اكتشفت من خلاله أن الأستاذ عمرو الدباغ محافظ هيئة الاستثمار هو في ذات الوقت رئيس مجلس إدارة الصندوق . هذا الاكتشاف فسر لي كثيرا من الأمور حول ملاحظاتي على الصندوق ، وحول أوجه الشبه بين الهيئة والصندوق ، وما أشهده ويشهده الكثيرون من قصور كبير في أداء الصندوق ، خاصة في السنتين الأخيرتين ، وهي الفترة التي تلت بروز الأزمة المالية العالمية ، وخلقت مبررا لإدارة الصندوق لما يشهده من انحسار واضح في أداء الدور الذي تبناه منذ تأسيسه منذ العام 1419 هـ تزامنا مع احتفالات مئوية المملكة .
صندوق المئوية بلغ من العمر حتى اليوم حوالي ثلاثة عشر عاما . وكنت قد حضرت عددا من المحافل التي تحدث فيها عدد من مسئولي الصندوق حول خططه وبرامجه لدعم تأسيس الكيانات الصغيرة والمتوسطة ، وخلق فرص العمال للشباب السعودي الطموح . وكنت دوما أسجل إعجابي بتلك الخطط ، وأتطلع إلى أن تجد طريقها إلى واقع التنفيذ والتفعيل ، مؤمنا بأن نموذج عمل الصندوق يمكن أن يشكل حافزا حقيقيا لدعم قطاع الكيانات السغيرة والمتوسطة ، والإسهام بفعالية في حل مشاكل البطالة التي أرقت المسئولين وأضحت هما ثقيلا على كواهل الجميع . والآن وبعد مرور هذه الفترة منذ تأسيس الصندوق ، أجد أن تفاؤلي كان في غير محله ، فلم أجد الأثر الذي كنت أتطلع إليه ، ولم أر وعود القائمين على الصندوق تتحقق على أرض الواقع . كل ما نسمعه من الصندوق بين الفينة والفينة حديثا عن أرقام وأرقام وأرقام تتحدث عن عدد الفرص التي خلقها ، وعدد الكيانات التي أسهم في تأسيسها . هذه الأرقام تشبه إلى حد كبير الأرقام التي نسمعها من الهيئة العامة للاستثمار عن حجم الاستثمارات الأجنبية التي جذبتها للمملكة ، دون أن نرى لها أثرا على أرض الواقع . هذا التشابه وجدت تفسيره في تشابه الفكر الإداري لدى القائمين على هاتين المؤسستين ، كونهما يتبعان لذات المرجعية الإدارية المشكلة في شخص الأستاذ عمرو الدباغ . وكما أن أرقام هيئة الاستثمار تتحدث دوما عن كم الاستثمارات التي جذبتها دون تبيان أي معلومات دقيقة عن نوعيات هذه الاستثمارات ومجالاتها ، وعن مصيرها ومدى نجاحها على أرض الواقع ، وعن دورها في خلق الفرص الوظيفية للشباب السعودي ، نجد أن أرقام صندوق المئوية تتحدث فقط عن عدد الكيانات التي أسهم في تأسيسها ، وعن عدد الوظائف التي خلقها ، ومقدار التمويل الذي منحه الصندوق ، دون أي حديث عن مدى النجاح الذي تحقق لهذه الكيانات ، وما إذا كانت هذه الوظائف التي خلقها اكتسبت صفة الاستمرارية والثبات ، أم أنها تعرضت لعواصف من الفشل والإغلاق كنتيجة طبيعية لقصور الدعم المعرفي والإداري والمهاري الذي يشتكي منه الكثيرون ممن حصلو على دعم الصندوق . إن الهدف من الهيئة والصندوق ليس فقط جذب الاستثمارات وتأسيس الكيانات للخروج بأرقام يتم تداولها في أروقة الإعلام كدليل على النجاح ، بل إن الهدف الحقيقي هو إنتاج كيانات اقتصادية ناجحة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني ، وخلق فرص وظيفية دائمة للشباب السعودي .
إن حجم التطلعات والطموحات التي علقها الجميع بصندوق المئوية تتجاوز بمراحل حجم إنجازات الصندوق ، خاصة وأن هذا الصندوق يرتبط بحدث وطني هام ، ويعكس اهتماما كبيرا من الدولة بدعم قطاع الكيانات الصغيرة والمتوسطة . الغريب ، أن عمر الصندوق يتجاوز عمر الهيئة العامة للاستثمار ، ويتجاوز على وجه الخصوص عمر الفترة التي تولى فيها الأستاذ عمرو الدباغ قيادة دفة الهيئة ، فكيف أصبح الصندوق نسخة مكررة للهيئة في فكرها الإداري ، وكيف أصبح الهاجس الإعلامي محور اهتمام الصندوق كما هو الحال في هيئة الاستثمار ؟ . حديثي هذا لا يأتي من فراغ ، وليس مبنيا على تخمينات جزافية ، بل إنه ينطلق من حالات كثيرة لشباب وشابات سعوديين وسعوديات ، منهم من تمكن من الحصول على دعم الصندوق لتأسيس كياناتهم دون أن يقوم الصندوق بدوره المطلوب في الإرشاد والتوجيه واحتضان هذه الكيانات لتجد طريق النجاح ، ومنهم من صدمو برفض الصندوق تقديم الدعم ، مع أن كثيرا منهم يملك أفكارا واعدة لأنشطة وخدمات يمكن أن تحقق إضافات جيدة لمنظومة الاقتصاد الوطني ، ومنهم من أصبح الصندوق وراءهم مجرد جهة تحصيل تطالبهم بسداد قيمة القروض دون أن تسعى لتحري أسباب تعثر أنشطتهم ومعالجتها ، انطلاقا من أن الهدف الرئيس للصندوق هو إنجاح الكيانات التي يسهم في تاسيسها وليس فقط توفير التمويل ومن ثم استرداده بذات المفهوم القاسي المتعسف الممارس من قبل البنوك التجارية .
أحد المسئولين في الصندوق قال لي قبل فترة أن الصندوق يعاني شحا كبيرا في موارده ، وهو ما وضعه في موقف التقصير في قبول الطلبات التي يتقدم بها الشباب لدعم تأسيس كياناتهم . الآن وبعد أن اكتشفت هذا الاكتشاف ، أسجل كبير الاستغراب من واقع الصندوق ، إذ أن الصندوق وهو مرتبط ارتباطا فكريا وشخصيا بهيئة الاستثمار يمكن له أن يؤسس قنوات متعددة للحصول على الموارد المالية اللازمة لتمكينه من أداء دوره بفعالية . فمثلا ، حجم الاستثمارات الهائل الذي تتحدث عنه الهيئة كان يمكن أن يتم استقطاع نسبة محدودة منه لدعم موارد الصندوق ، وتلك الكيانات التي جاءت إلى المملكة باستثماراتها كان يمكن أن يتم إلزامها بالتعاون مع الصندوق لتوجيه الشباب لخلق كيانات صغيرة ومتوسطة ترتبط بتلك الكيانات الكبيرة لتوفر لها ما تحتاجه من خدمات وصناعات داعمة . السبب الحقيقي الذي أراه وراء عدم تحقيق ذلك هو أن الاستثمارات التي تتحدث عنها الهيئة هي استثمارات غير حقيقية ، ولم يجد معظمها في الحقيقة طريقه إلى أرض الواقع ، أو أن الهيئة لا تملك القدرة الفعلية لإلزام تلك الكيانات بأداء دورها في المسئولية الاجتماعية ، والذي كان يمكن صندوق المئوية أحد قنواته التنظيمية . وفي النتيجة ، فإن صندوق المئوية ، حاله حال هيئة الاستثمار ، أصبح كيانا صوريا عاجزا عن أداء مهامه ، ووسيلة من وسائل الهدر في الموارد المالية التي أرقت الوطن وعطلت جهود التنمية .
خلاصة القول ، صندوق المئوية يؤمل منه الكثير ، وهو يرتبط بقطاع هو العمود الفقري لأي اقتصاد ، وهو قطاع الكيانات الصغيرة والمتوسطة . وما نتطلع إليه من تصحيح في أداء الصندوق يمثل تطلعا مشروعا يدعم تطلعات الشباب . وواقع الحال يتطلب مراجعة حقيقية لحالة الصندوق ، وهو ذات المطلب الذي نرفعه ونتحدث عنه حول الهيئة العامة للاستثمار . فكلتا المؤسستين بحاجة إلى مراجعة جادة للفكر الذي تعملان به ، والبعد ولو قليلا عن لعبة الأرقام والتلميع الإعلامي .

الأحد، ٦ مارس ٢٠١١

قضية الإسكان وجدلية الحل


الحديث حول قضية الإسكان هو حديث متواصل تواصل القضية ذاتها ، وطالما بقيت هذه القضية بمنأى عن حل جذري ستظل موضوعا للنقاش والجدل على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة . وكلما كتبت أو قرأت شيئا حول هذا الموضوع أجد الكثير من التعليقات والردود التي تدور في معظمها في فلك الطرح والتفكير التقليدي حول القضية ، وهو ذات الطرح الذي لا زالت أجهزة الدولة المعنية تتبناه في تعاطيها مع القضية ، وهو ما أجزم أنه لن يحقق لهذه الأزمة الحل المنشود ، خاصة وأن الآليات والوسائل التي يجري استخدامها لمعالجة المشكلة هي في رأيي التي أسهمت في خلق المشكلة من الأساس . هذا الرأي أثاره على وجه الخصوص مقال الأستاذ سعود بن هاشم جليدان الذي نشر في هذه الصحيفة يوم الأربعاء الماضي تحت عنوان "حلحلة أزمة السكن" . ومقال اليوم أسعى فيه لمناقشة الكاتب الكريم فيما تضمنه مقاله ، متطلعا إلى أن يكون هذا الطرح مؤسسا لتوجه مختلف للتعاطي مع هذه القضية .
أبدأ النقاش بعنوان المقال ، حلحلة أزمة السكن ، فالأزمة لا تحتاج إلى حلحلة ، بل إنها تحتاج إلى حل جذري شامل قاطع يقطع المشكلة من جذورها . والحلحلة لا تعدو أن تكون بمثابة المسكن الذي يعالج آثار المشكلة بدلا من مسبباتها . والحل لابد أن يكون مبنيا على فهم حقيقي لهذه المسببات ، مجددا التأكيد على أن الحلول والآليات المتبعة حاليا هي في حقيقتها أحد مسببات المشكلة . الكاتب الكريم تحدث عن حجم المشكلة بالأرقام ، وخص بحديثه صندوق التنمية العقاري معتبرا إياه الوسيلة الأنجع لمعالجة المشكلة . قال الكاتب فيما قاله إن سبب أزمة الإسكان هي في تراكم طلبات القروض لدى الصندوق نتيجة نقص الدعم الموجه له في فترات سابقة ، علاوة على تأخر الحاصلين على القروض في سداد المستحقات الواجبة عليهم . ومع أن هذا التحليل يمثل جانبا من الحقيقة ، إلا أنه لا يعبر عن فهم حقيقي لطبيعة أزمة الإسكان ومسبباتها ، ويختزلها في الجانب التمويلي الذي يقوم به الصندوق وفق آليات يدور حولها الكثير من الجدل . وأقول للكاتب وكل من يتبنى وجهة نظره ، أن صندوق التنمية العقاري وإن قام بدور كبير ومؤثر في توفير عدد كبير من المساكن منذ تاسيسه قبل حوالي 40 سنة ، إلا أن الصندوق أسهم هو وبرنامج منح الأراضي في ترسيخ ثقافة البناء الفردي للمساكن ، وهي الثقافة التي أنتجت بنية عمرانية رديئة ومتهالكة ، وحملت المواطنين عبء بناء المساكن دون دراية ومعرفة بالجوانب الفنية والهندسية لعملية البناء ، وحولت المملكة إلى بلد الأربعة ملايين مقاول ، وهم المواطنون الذي بنو بيوتهم بأنفسهم في ممارسة رديئة لآليات البناء . ومن جهة أخرى ، فإن سياسة الصندوق لم تحقق التوظيف الأمثل للموارد المالية الكبيرة التي أتيحت له ، ولم تتمكن من تأسيس صناعة محترفة لبناء المساكن ، جراء غياب توجيه الدعم للمطورين العقاريين المتخصصين في هذا النشاط المتخصص .
يقول الكاتب الكريم أن الاستمرار في دعم صندوق التنمية العقارية هو من أنجع الوسائل لدعم بناء وملكية المساكن ، وعد عددا من الأسباب التي رأى أنها تبرر هذا الرأي ، بما فيها أن آليات الصندوق هي آليات قائمة وعاملة ومجربة وخالية من الفساد ، وأنها توفر الحرية للأفراد لبناء مساكنهم بالكيفية التي يرغبونها ، وأنه يعد آلية منخفضة التكاليف حيث أنه يوفر عدة قروض سكنية بتكاليف إنشاء منزل واحد . والحقيقة أن الكاتب سهل علي تفنيد رأيه عبر تفنيد الأسباب التي ساقها ، فحقيقة أن آليات الصندوق هي آليات قائمة لا يبرر الاستمرار في العمل بها إن ثبت عدم جدواها ، وإلا كنا كمن قالو قديما "هذا ما وجدنا عليه آباءنا" . والأنظمة والآليات ليست كتبا منزلة ولا منزهة عن الخطأ والخلل ، كما أنها لا يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان ، ولابد لها من التطوير والتعديل بما يتوافق مع تطورات وتغيرات المناخ المحيط بها ، ومع المستجدات والخبرات العالمية التي يمكن أن تضيف لها الشيء الكثير . أما كونها آليات خالية من الفساد فهو كذلك لا يعني أن غيرها من الآليات لابد أن يوسم بالفساد ، فالفساد لابد من محاربته بكل حال ، ولا يمكن قبوله في أي شكل من أشكال آليات الحلول . أما أن هذه الآليات توفر الحرية للأفراد لبناء مساكنهم بالكيفية التي يرغبونها فهذا لعمري موطن الخلل ، إذ أن هذا الواقع هو الذي أدى إلى رداءة وتهالك البنية العمرانية التي نراها في أحيائنا السكنية ، خاصة في ظل غياب آليات الرقابة الفنية من قبل الأجهزة البلدية ، وقصور الإمكانات الفنية لدى مقاولي هذه الطبقة من المشروعات ، وهي الفئة التي تسيطر عليها المؤسسات الصغيرة التي تغلب عليها سيطرة الوافدين من غير ذوي الكفاءة . كما أن هذا الواقع يعد في الحقيقة من قبيل إيكال المهمة للأفراد ، إيكالا أشغلهم عن القيام بأعمالهم الأساسية كل في مجاله ، وهو ما أعتبره أحد أسباب تدني الإنتاجية لدى الموظفين الذين ينشغلون بمهام جانبية بعيدا عن مهامهم الأساسية . تخيل معي لو أن كل فرد كان لزاما عليه أن يزرع لنفسه ما يأكل ، وينسج لنفسه ما يلبس ، فكيف له أن يقوم بأعماله الحياتية التي يفترض أن تكون مصدر رزقه الأساسي ؟ . ولماذا يكون توفير المسكن أمرا مختلفا عن توفير المأكل والمشرب والملبس التي يحصل عليها الناس من الأسواق في شكل منتجات جاهزة تمر بدورات إنتاجية مهيكلة ؟ . آخر المبررات التي ساقها الكاتب الكريم هو انخفاض تكلفة قروض الصندوق ، حيث يمكن توفير عدة قروض سكنية بقيمة تكلفة بناء مسكن واحد . والحقيقة أن هذا الأمر هو أيضا أحد العقبات التي تقف حائلا دون نجاح الصندوق في معالجة مشكلة الإسكان ، إذ أنه أصبح من المتفق عليه أن قيمة القرض لا تكفي لبناء جزء من المسكن المناسب ، وهو ما أدى إلى رفع الأصوات المنادية بزيادة قيمة القرض ، وهي الدعوة التي أقول دائما أنها لن تؤدي إلا إلى زيادة تعقيد المشكلة ، كونها ستؤدي بشكل مباشر إلى تضخم أسعار الأراضي ومواد وخدمات البناء كأثر مباشر لهذه الزيادة ، وهو ما سيلغي العائد الإيجابي المأمول من هذه الزيادة .
خلاصة القول ، صندوق التنمية العقاري أدى دورا مهما في فترة من الفترات ، ولكن هذا الدور أسس لواقع الأزمة التي نعيشها . ومعالجة هذه الأزمة تتطلب حلولا غير مألوفة ، حلولا من خارج الصندوق كما يقال ، حلولا تتبنى أساليب وآليات استخدمتها قبلنا كثير من الأمم التي حققت نسبا عالية من تملك المساكن لمواطنيها . والجانب التمويلي الذي يقدمه صندوق التنمية العقاري لا يمكن أن يحقق بشكله الحالي معالجة فاعلة للأزمة ، كما أنه لا يمكن أن يكون حلا منفردا لها ، إذ أن الحل يجب أن يتبنى جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب التمويلي ، جوانب تؤسس لأن يكون الإسكان صناعة احترافية ممنهجة ، وأن يكون المسكن منتجا معلبا جاهزا للاستخدام مثله مثل بقية المنتجات التي نستخدمها في كل أركان حياتنا اليومية .