بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، ٢٤ أبريل ٢٠١١

قضية الإسكان وجدلية المسئولية


يبدو أن الحديث المتكرر عن قضية الإسكان سيصنف ضمن المسلسلات المكسيكية أو التركية التي تطول وتطول دون أن يخرج منها المشاهد بأي نتيجة ملموسة . خالجني هذا الشعور وأنا أقرأ مقال الأستاذ سعود جليدان في هذه الصحيفة يوم الأربعاء قبل الماضي ، وهو المقال الذي خصصه للرد على ما قلته في مقال سابق عنونته حينها بعنوان " قضية الإسكان وجدلية الحل" . مقال الأستاذ سعود ، مع أنه أكرمني فيه بشيء من وقته الثمين ، إلا أنه عكس من وجهة نظري نمطا تقليديا من صراع المسئولية وإلقاء التهم بين المسئولين في القطاعين العام والخاص ، وأبرز بجلاء عبرت عنه كلمات المقال ذلك الموقف المتحامل من أجهزة الدولة تجاه القطاع العقاري ، فيما يخالف كل العبارات والتصريحات التي ترفع راية التعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص ، وهي تلك الشراكة التي لم يكتب لها أن ترى النور بعد ، وكيف لها أن تولد في مثل هذا المناخ من التجريم المسبق وتبادل الاتهامات بتحمل المسئولية . ومع أن الأستاذ سعود افتتح مقاله بالتعبير عن الرغبة في الابتعاد عن الجدل المكروه ، إلا أن ما طرحه في بقية المقال لم يخرج عن دائرة هذا الجدل ، مع أني لا أجده جدلا مكروها ، بل حديثا مخلصا ونقاشا صحيا آمل أن يسهم في كشف الغطاء عن مواطن الخلل في هذه القضية ، ليمكن عندها وضع الحلول الملائمة والفعالة لمعالجتها معالجة جذرية .
أبدأ حديثي بالاعتذار للأستاذ سعود عن خطأ أساء فهمه ، فأنا لم أقل في مقالي أنه تطرق للحديث عن منح الأراضي في مقاله الأول ، وما قلته لم يعد أن يكون محاولة مني لتشخيص المشكلة . إذ أن قروض صندوق التنمية العقاري لم تكن إلا أحد وجهي العملة في برنامج الإسكان الحكومي ، في حين كان وجهها الآخر منح الأراضي الحكومية . والدولة تبنت هذا البرنامج منذ أكثر من أربعين سنة ، وأسست من خلاله آلية لتمكين المواطن من تحقيق حلم السكن عبر منحه عنصري الأرض والقرض لإنشاء مسكنه الخاص ، وهي الآلية التي أجدد القول بأنها حولت المملكة إلى بلد الأربعة ملايين مقاول . وأقول هنا للكاتب الكريم ، أن التوقف عن منح الأراضي كان نتيجة لقصور إمكانات الدولة في تلك الفترة ، وأتى متزامنا مع تعثر الصندوق في منح القروض لذات السبب ، وهو ما أدى بهذه الآلية إلى التباطؤ والتعثر ، وبدأت قوائم الانتظار تطول وتطول سواء من طلاب منح الأراضي أو قروض الصندوق . ولكن المشكلة يا سيدي أعمق من ذلك ، فإيكال مهمة البناء إلى المواطن بهذه الطريقة لم يكن إلا ليشغله عن عمله الأساسي ، ويوقعه في أخطاء تنجم عن ممارسة مهمة ليست من صميم اختصاصه ، وينتج هذه البنية العمرانية المتهالكة التي أصبحت عبئا على اقتصاد الوطن . وأما قولك أن الصندوق لم يشترط مبدأ البناء الفردي على المقترضين منه ، وترك الأمر لتقديرهم وفتح الباب لهم لشراء مساكن جاهزة ، فهو قول مستغرب . فإذا كانت إدارة الصندوق تعلم ما أشرت إليه من قصور في قدرات القطاع العقاري على إنتاج وحدات سكنية ملائمة ، فكيف لها أن تتوقع من المقترضين سبيلا غير ممارسة البناء الفردي ؟ . ثم ألم يكن الأحرى بالصندوق أن يوجه جهوده لتنمية هذا القطاع العقاري ودعمه لينتج تلك الوحدات السكنية الجاهزة ليجد فيها المقترضون ضالتهم المنشودة ؟ . أم أن إدارة الصندوق كانت تعلم علم اليقين كم هو فاسد ومحتال هذا القطاع حتى تحمي المواطن المسكين منه ؟ .
إن هذا الموقف الاتهامي والتجريمي للقطاع العقاري لهو موقف متحامل لا يمكن أن يؤسس لمعالجة جادة لهذه المشكلة ، إذ لا يمكن أن تتم هذه المعالجة دون مشاركة جادة وفاعلة ومنظمة من كافة الأطراف ذات العلاقة . بل إنه موقف يتغافل عن حقيقة موطن المسئولية ، خاصة عندما يقول الكاتب أن أولئك العقاريون عمدو إلى تجميد مساحات كبيرة من الأراضي على مر السنين لتحقيق أرباح خيالية . فالكاتب يعلم يقينا من هم ملاك الأراضي البيضاء التي تشغل مساحات كبيرة من مدن المملكة ، ولماذا لم تجد كل الدعوات لفرض الزكاة الشرعية والرسوم البلدية على هذه الأراضي أذنا صاغية حتى الآن . والكاتب يعلم براءة القطاع العقاري من جزء كبير من هذه التهمة ، خاصة عندما يتذكر أن هذا القطاع العقاري هو الذي مد مشروع التنمية السكنية بالأراضي المطورة على مدى السنوات الماضية ، وهو الذي قاد برامج المساهمات العقارية التي أنتجت تلك المخططات التي مكنت كثيرا من الناس من الحصول على الأراضي التي بنو عليها مساكنهم ، وخاصة عندما يتذكر الكاتب كم أن منح الأراضي التي كان يتم توزيعها لم تكن صالحة للبناء المباشر نتيجة المواقعها النائية وانعدام الخدمات فيها ، وكيف أنها أصبحت سلعة تباع وتشترى عوضا عن أن تكون لبنة من لبنات البناء . ثم حتى لو افترضنا هذا الفساد وهذه الانتهازية من القطاع العقاري ، فأين كانت أعين الدولة وأجهزتها الرقابية طيلة تلك المدة ، ولماذا لم يتحرك أحد لوقف هذه المهزلة ، ولماذا كانت الأنظمة والتشريعات تسمح لهم بالقيام بما كانو يقومون به من مص دم المواطنين وهضم حقوقهم . ثم ألم تكن قوائم المستثمرين في تلك المساهمات العقارية تتضمن أمراء ومسئولين في الدولة ، أم أن هؤلاء أيضا شركاء في الافساد والانتهازية ؟ . يا سيدي الكريم ، إن كان ما تصفه من فساد قد حدث بيد العقاريين فهذا ليس ذنبهم ، بل ذنب النظام الذي مكنهم من هذا الاستغلال ، وفتح لهم الباب على مصراعيه لممارسة هذا الفساد تحت أعين المسئولين بل وبمشاركة منهم . وهذا بالضبط ما كنت أعنيه عندما وجهت حديثي بالنقد لبرنامج الإسكان الحكومي المبني على أرض المنحة وقرض الصندوق . فما كنا نحتاجه في ذلك الحين ، وما نحتاجه بشكل أكثر إلحاحا في الوقت الحاضر ، هو برنامج يتم بناؤه على شراكة فاعلة من كل أطراف اللعبة ، شراكة قائمة على الثقة المتبادلة وليس على التجريم المتبادل والاتهامات المسبقة ، شراكة تحدد دور كل طرف وتجعله متكاملا مع أدوار بقية الأطراف ، شراكة تجعل من الإسكان صناعة ، ومن المسكن وحدة إنتاجية تطبق عليها كل معايير الجودة التي يتم تطبيقها في المنتجات الاستهلاكية الأخرى ، شراكة تسعى إلى التوظيف الأمثل لموارد التمويل الحكومي منه والخاص ، شراكة تستقطب الخبرات العالمية التي نجحت في معالجة هذه القضية معالجة ناجعة في بلدان أخرى من هذا العالم ، ووصلت بنسب تملك المساكن إلى مستويات لا نملك أن ننظر إليها إلا بعين الحسرة والألم ونحن البلد النفطي الأغنى بين دول المنطقة ، والأوحد من كل الدول العربية في مصاف العشرين الكبار .

الاثنين، ١٨ أبريل ٢٠١١

قطاعنا الهندسي في مهب الريح


شهد الأسبوعان الأخيران عددا من الأحداث المتعلقة بالقطاع الهندسي في المملكة ، هذا القطاع الذي يعول عليه الكثير في إدارة مشروعات التنمية الكبرى التي وضعتها الدولة في أولوية خطط وبرامج التنمية ، وخصصت لها مبالغ طائلة في سبيل تحقيق الرخاء والرقي لمواطني هذا البلد . الموضوع المشترك بين كل هذه الأحداث كان قضية الكادر الهندسي الذي طال الحديث حوله دون أن يجد حتى الآن آذانا صاغية تمنحه ما يستحقه من اهتمام ، وتنظر إليه بما يستحقه من جدية . الحدث الأهم بين كل تلك الأحداث كان ذلك التجمع الذي قابل فيه عدد من المهندسين وزير الخدمة المدنية أمام مبنى الوزارة ، ووجهو له مطالبهم حول الكادر بشكل مباشر . ومع أن هذا الأسلوب في عرض المطالب يتنافى مع مباديء الدولة ويثير المشاعر في هذا التوقيت الذي نشهد فيه الأحداث التي تعيشها كثير من الدول المحيطة ، إلا أن كم التجاهل الذي ووجه به هذا القطاع وهذه القضية يبدو أنه لم يترك مجالا أمام هؤلاء المهندسين إلا باتباع هذا الأسلوب ، علهم ينجحون في لفت الإنتباه إلى معاناتهم التي طال بها الزمن .
لقد كان الأسلوب الذي تعامل به وزير الخدمة المدنية مع أولئك المهندسين في ذلك اللقاء محل امتعاض أولئك المتجمهرين وكافة منسوبي القطاع الهندسي في المملكة . محل الامتعاض ليس فقط في طريقة المخاطبة وما نقل عن الوزير أثنائها من استخدام ألفاظ مهينة ومشينة ، ولا في الاستخفاف بتلك المطالب التي هي في حقيقتها مطالب مشروعة بالنظر إلى حجم المسئولية الملقاة على عاتق منسوبي هذا القطاع ، ولكن أيضا في الأسلوب الذي نشهده دوما في الرد على مثل هذه المطالب ، والذي يتبنى طريقة إلقاء المسئولية على جهات أخرى من أجهزة الدولة . فالوزير طالب أولئك المتجمهرين بعرض مطالبهم على جهات عملهم ، مع أن تلك الجهات لا تملك أي سلطة للتعاطي مع هذه القضية . كما أنه أبلغهم بأن الموضوع عند عرضه على مجلس الخدمة المدنية واجه رفضا واعتراضا من اثنين من الوزراء ، وكأنه يلقي باللائمة عليهما في هذه النتيجة ، حتى أن الوزير لم يقم بتسمية هذين الوزيرين على الأقل حتى يتوجه هؤلاء المهندسون لهما بما يحملونه من مطالب . الوزير أيضا رمى الكرة في ملعب الهيئة السعودية للمهندسين ، وأبلغ الحضور بأن الملف سيعاد إلى الهيئة للنظر فيما سجل حوله من ملاحظات حتى يمكن إعادة عرضه على المجلس على أمل الحصول على موافقة ذينك الوزيرين . ولأنني أعلم علم اليقين أن الهيئة قامت بجهود مضنية لدفع هذا الملف والحصول على اعتماد مجلس الخدمة المدنية له ، فإنني أتساءل هنا عما إذا كان هذا الوزيران المعترضان يعلمان حجم الخطر الذي يحدق بالقطاع الهندسي ومشروعات التنمية جراء هذا التعطيل لهذا الملف الحيوي . وهل أتى اعتراضهما استنادا إلى وجات نظر تتعلق بما يحمله اعتماد هذا الكادر على ميزانية الدولة من أعباء ليقفو موقف المدافع عن المال العام ، أم بناء على وجهات نظر أخرى غير مفهومة . إن أبسط حقوق أولئك المهندسين تتمثل في معرفة الأسباب الحقيقية وراء تعطيل تمرير هذا الملف وما يواجهه من اعتراض ، في الوقت الذي يسبب هذا الموقف حالة من انحسار الإقبال على الانخراط في القطاع الهندسي في ظل هذه الحالة من الإحباط في هذا الوسط .

وإذا علمنا أن عدد المهندسين العاملين في المملكة يبلغ حوالي 140.000 مهندس يمثل السعوديين منهم أقل من 20% ، وإذا علمنا أن العدد الإجمالي لخريجي كليات الهندسة في كافة جامعات المملكة لا يتجاوز الألفي خريج في السنة لعلمنا كم الخطر المحدق بهذا القطاع وبمسيرة التنمية في المملكة . كم أشعر بالأسى عندما أرى هذه المشروعات الكبرى يتم إنجازها بأيدي الوافدين في القطاعين الحكومي والخاص ، يخرجون منها وقد شحذتهم بالمهارات والخبرات ، والمهندسون السعوديون غائبون عن هذه الورشة الكبرى . حتى شركات المقاولات والمكاتب الاستشارية التي تقوم على هذه المشروعات لا تقدم أي مساهمة جادة لإشراك المهندسين السعوديين في هذه الأعمال ، وتستند بشكل كاسح على المهندسين الوافدين . وحتى المشروعات الكبرى التي تطرحها الجهات الحكومية يتم توجيه الدعوات فيها إلى شركات أجنبية دون إلزامها بأي شكل من أشكال التضامن والتعاون مع الكيانات المهندية والهندسية المحلية لضمان نقل الخبرة وتوطينها . وفي المحصلة ، فإن هذا الحجم الهائل من الاستثمار في التنمية يفقد أحد أهم عناصر نجاحه المتمثل في الارتقاء بقدرات المهندسين السعوديين والشركات المهنية والهندسية المحلية ، وهي لعمري خسارة وأي خسارة ، لا أدري إن كان الوزيران المعترضان يعلمان مقدار مسئوليتهما عنها .
اجتماع الجمعية العمومية الأخير للهيئة السعودية للمهندسين ، كما في كل الاجتماعات السابقة ، شهد حديثا صاخبا حول ملف الكادر الهندسي . ومع أن الهيئة هي الجهة التي يفترض أن تكون مسئولة عن كافة القضايا المتعلقة بهذا القطاع ، إلا أن تحميلها منفردة مسئولية تعثر هذا الملف أمر يجانب الصواب ، ليس فقط لأن الهيئة قامت بما يمكنها القيام به لتحقيق هذا الهدف ، فالمطلوب منها أكثر مما بذل . ولكن لأن الهيئة في الحقيقة لا تتمتع بالقناعة والموثوقية من كافة الأجهزة الحكومية لتقوم بالدور الذي يفترض بها القيام به . إننا نشهد كثيرا من الحالات لملفات تحمل كما كبيرا من الأهمية تتعلق بالقطاع الهندسي ، وتقع ضمن اختصاص ومسئولية الهيئة السعودية للمهندسين ، وتواجه مواقف سلبية من عدد من الجهات الحكومية الأخرى ، وليس ملف الكادر الهندسي إلا أحد تلك الملفات . فمثلا ، ملف تصنيف المكاتب الهندسية يشهد صراعا بين الهيئة ووزارة الشئون البلدية والقروية ، وملف الاعتماد المهني لا زال يحبو في أروقة عدد من الأجهزة الحكومية التي لم تقتنع بعد بأهمية فرض تطبيقه على منسوبيها من المهندسين ، وملف ترخيص المكاتب الهندسية الأجنبية من قبل عدد آخر من الجهات الحكومية في تدخل فاضح في اختصاصات الهيئة لا زالت تلك الجهات تتعامل معه بكثير من التفرد والاستعلاء . هذا الواقع المؤلم لا يشكل أساسا متينا لقيام الهيئة بدورها المأمول كمنظم ومشرع ومراقب لقطاع العمل الهندسي ، ولا للارتقاء بهذا القطاع ومنسوبيه لتفعيل دورهم في مسيرة التنمية . إن ما تحتاجه الهيئة في هذا الوقت بالذات ، وفي ظل ما تشهده من تطور ملحوظ في آليات عملها في هذه الدورة الحالية لجهازها الإداري ، هو مزيد من القناعة بدورها في تنظيم ورعاية القطاع الهندسي ، وتمكينها من أداء هذا الدور عبر منحها الصلاحيات اللازمة لذلك ، ووضعها في موضع القيادة في اتخاذ القرارات المتعلقة بشئون القطاع الهندسي ، علاوة على دعمها بالموارد المالية اللازمة لتحقيق الارتقاء المطلوب بإمكاناتها البشرية والفنية . والنموذج الذي رسمته هيئة التخصصات الصحية في رعاية القطاع الطبي يمكن أن يكون نموذجا يحتذى في حالة الهيئة السعودية للمهندسين ، وليس المهندسون على أية حال أهون شأنا من الأطباء ، بل إن مسئولياتهم ربما تتجاوز في أهميتها وانعكاساتها على جودة التنمية متطلبات القطاع الطبي .

الاثنين، ١١ أبريل ٢٠١١

البنوك التجارية والمسئولية الاجتماعية


حرصت قبل حوالي الأسبوعين على حضور لقاء نظمته هذه الجريدة الغراء مع عدد من القياديين في بعض البنوك التجارية السعودية للحديث عن الدور الذي تقوم به البنوك التجارية في مجال المسئولية الاجتماعية في المملكة . هذا الحرص كان مرده محاولة فهم وجهة نظر البنوك حول هذه القضية ، عسى أن أجد في ما يتم طرحه شيئا من التصحيح للرؤية العامة من المجتمع حول غياب دور فاعل لهذه البنوك في هذا المجال ، وهو ما تحدثت عنه سابقا وتحدث عنه الكثيرون من كتاب الرأي . وبكل أسف ، لم أخرج من هذا اللقاء بما كنت أتطلع إليه من تصحيح لتلك الرؤية ، بل إنها ازدادت ترسيخا بما وجدته في ما طرحه المتحدثون من فهم وجدته قاصرا حول دور البنوك في مجال المسئولية الاجتماعية ، وهو ما حملني على كتابة هذا المقال لأقدم للقائمين على تلك البنوك رؤية أخرى يمكن أن تمثل وجهة نظر المجتمع وتطلعاته حول هذا الدور المأمول .
جل ما تحدث عنه المتحدثون من منسوبي البنوك التجارية في ذلك اللقاء حول دورها في المسئولية الاجتماعية اقتصر على مجالات ثلاث ، السعودة والتدريب والعمل الخيري والاجتماعي . ففي مجال السعودة ، أعلن المتحدثون أن نسبة السعودة في البنوك التجارية السعودية تزيد على 90% في معظم البنوك ، إذ بلغ إجمالي السعوديين والسعوديات العاملين في البنوك التجارية السعودية حوالي 35.000 موظف ، منهم حوالي 3700 موظفة . ومع أن هذه النسبة من السعودة تعد إنجازا مقدرا لهذه البنوك مقارنة بالكثير من كيانات القطاع الخاص ، إلا أن هذا الرقم في الحقيقة لا يمثل إنجازا مؤثرا في مقابل حجم أزمة البطالة التي يعاني منها الشباب السعودي ، وهو ما يرجع في الأساس إلى حجم مساهمة القطاع البنكي في مجال التوظيف بالنظر إلى قلة عدد البنوك التجارية العاملة في المملكة في دولة تملك اقتصادا يقع في مصاف أكبر عشرين اقتصادا على مستوى العالم . إن دور البنوك التجارية في مجال التوظيف لا يجب أن يقف عند خلق الفرص الوظيفية المباشرة داخل البنوك ، بل في دعم الشباب السعودي لتأسيس كياناتهم الخاصة ، والتوسع في توفير حلول التمويل والدعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ، وهو ما سيكون له كبير الأثر في معالجة مشكلة البطالة بعيدا عن ترسيخ ثقافة الوظيفة .
وفي مجال التدريب ، تحدث الحضور من منسوبي البنوك التجارية في ذلك اللقاء عن العديد من برامج التدريب التي تبنتها البنوك لتدريب طلاب الجامعات على مختلف الأعمال البنكية ، حيث شملت تلك البرامج برامج التدريب على رأس العمل لتطوير القدرات المهنية للعاملين في البنوك ، علاوة على برامج التدريب الصيفي وعدد محدود من برامج الابتعاث الداخلي والخارجي لطلاب الجامعات السعودية . وفي الحقيقة ، فإن هذه البرامج التديربية لا ترقى إلى مستوى الطموحات حيال دور البنوك في هذا المجال ، والمأمول من البنوك التجارية يتجاوز بمراحل حصر التدريب على تأهيل السعوديين للعمل في البنوك إلى تمويل ودعم برامج التأهيل والتدريب للشباب السعودي للانخراط في سوق العمل في مجمل منظومة ومؤسسات الاقتصاد الوطني . ربما يكون أحد أهم الأمثلة على هذه المبادرات دعم برامج المنح الدراسية في الجامعات الخاصة ، وبرامج التدريب المهني في مؤسسات التعليم الفني والمهني والمعاهد الخاصة . إن المشكلة الأكبر التي تواجه الشباب السعودي لتمكينه من الحصول على وظائف في مؤسسات القطاع الخاص هي مشكلة التأهيل ، وهو ما يمثل عائقا حقيقيا أمام تلك المؤسسات لتفعيل دورها المأمول في معالجة أزمة البطالة ، خاصة وأن العدد الأكبر من مؤسسات القطاع الخاص هي مؤسسات صغيرة ومتوسطة لا تملك القدرات المادية اللازمة لتدريب وتأهيل الشباب السعودي للعمل لديها ، وتجنح بالتالي إلى توظيف الوافدين ممن يملكون التأهيل اللازم للانخراط مباشرة في دور إنتاجي في تلك المؤسسات . وبالتالي ، فإن دعم البنوك التجارية لمنظومة التدريب والتأهيل الشاملة سيحقق الارتقاء المطلوب بقدرات الشباب السعودي ليتمكن من المنافسة الفعالة على الوظائف التي يطرحا القطاع الخاص .
أما في مجال العمل الخيري والاجتماعي ، فقد تحدث الحضور عن عدد محدود من البرامج التي تقدمها البنوك ، ومنها برامج دعم الجمعيات الخيرية كجمعية الأطفال المعاقين وجمعيات التوحد ، علاوة على عدد من برامج دعم الأسر المنتجة ، وعدد آخر من برامج المشاركة المجتمعية مثل برامج التنظيف البيئي . المتحدثون اشتكو من قصور القدرات التسويقية لطالبي التمويل والدعم لمثل هذه البرامج المجتمعية ، وهو ما شكل عائقا أمام توسع البنوك في الانخراط في مثل تلك البرامج . ما قلته في ذلك اللقاء ، أن البنوك التجارية يجب ألا تقف موقف المنتظر والمتلقي لطلب الدعم والتمويل من الجهات المنظمة لمثل تلك البرامج ، بل إنها يجب أن تقف موقف المبادرة والريادة في هذا المجال . كما أن مثل هذه المبادرات يجب ألا تقتصر على الطابع الخيري والاجتماعي ، بل إنها يجب أن تتخطاها إلى لعب دور فاعل في تمكين الأسر والشباب السعودي من تحقيق الاكتفاء الذاتي في موارد رزقهم . إن الدور الغائب للبنوك التجارية في هذا المجال يتمثل في تبني ودعم برامج البحث والتطوير لتأسيس كيانات تجارية تسهم في سد النقص الهائل في العديد من الخدمات التي تتطلبها مسيرة التنمية ، وهو ما يمكن أن يسهم إسهاما فعالا في خلق فرص وظيفية ومجالات عمل هائلة للشباب السعودي تغنيهم عن ذل السؤال والحاجة للعمل الخيري ، إنطلاقا من مقولة " صنعة في اليد أمان من الفقر " . هذا المسار لا يحقق مشاركة فاعلة في مجال المسئولية الاجتماعية للبنوك التجارية فحسب ، بل إنه يمكن أن يخلق فرصا استثمارية رائدة لتلك البنوك يمكن أن تزيد من مواردها المالية وعوائدها الربحية ، وذلك عبر تبني مفهوم المشاركة في الاستثمار بدلا من مفهوم القروض التجارية القائمة على الضمانات التعجيزية التي يعجز كثير من الشباب السعودي عن توفيرها . نموذج بنك الأمل الذي تحدثت عنه في مقال سابق ، والذي أنشأته مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية في اليمن ، وبقية النماذج الأخرى لبنوك الفقراء التي تمنح قروضا متناهية الصغر ، هو نموذج لدور رائد يمكن أن تلعبه البنوك السعودية في التنمية الاقتصادية والعمل الاجتماعي ، يمكن لها من خلاله أن تسهم بفعالية في سد حاجات الناس عبر تمكينهم من الانخراط في سوق العمل بدل انتظار الإحسان من أهل الخير .
خلاصة القول ، قضية المسئولية الاجتماعية قضية هامة على كل المستويات ، والدور المأمول من البنوك التجارية هو دور محوري ينسجم مع ما تملكه البنوك من قدرات وإمكانات ، وما تحمله من مسئوليات في دعم الاقتصاد الوطني ، خاصة وهي لا تقدم أي عوائد مباشرة للنسبة الكبرى من المودعين في البنوك انطلاقا من مباديء شرعية . وهذا الدور لا يجب أن تشوبه من البنوك منة ولا أذى ، فهو دور واجب يقع في مكانة فرض العين ، ولابد لمؤسسة النقد من أن تقوم بدور فاعل في إلزام البنوك بأداء هذا الدور بما يستحقه المجتمع والوطن من فعالية .

الاثنين، ٤ أبريل ٢٠١١

صندوق الاستثمارات العامة والدور المأمول


تلعب الصناديق السيادية أدوارا مهمة وحيوية في تنمية استثمارات الدول ، وقد شهدت السنوات الأخيرة تناميا مضطردا لهذه الأدوار ، وبروزا واضحا لعدد من الصناديق السيادية الإقليمية في مجال الاستثمار على المستوى الدولى . وبالرغم من أهمية الدور الذي تقوم به هذه الصناديق في تنمية موارد الدول ، إلا أن هذه الأهمية قد تجلب معها كما من المخاطر على تلك الاستثمارات وبالتالي على اقتصادات الدول التي تنتمي إليها . وربما تكون التبعات التي انجرت على عدد من تلك الصناديق إبان الأزمة المالية العالمية نموذجا لهذا الواقع ، وهو ما ميز صندوق الاستثمارات العامة ، الصندوق السيادي للمملكة العربية السعودية . ومع أن وزارة المالية والقائمين على الصندوق لا يحبذون وصفه بصفة الصندوق السيادي ، إلا أن واقع الصندوق وموجوداته المالية وآليات الاستثمار فيه تفرض عليه هذه الصفة ، حتى وإن نتج عن هذه الصفة فتح باب المقارنة مع بقية الصناديق السيادية للدول الأخرى .
صندوق الاستثمارات العامة السعودي هو أحد وربما أكبر القنوات الاستثمارية لموارد الدولة في المملكة . وقد لعب الصندوق منذ تأسيسه أدوارا هامة وحيوية في تنمية الاستثمار داخل حدود المملكة ، وأسهم بفعالية في تأسيس عدد من أهم المشروعات الرئيسية بالمملكة ، والتي تمثل نقاط ومحطات رئيسية في مسيرة التنمية في المملكة . ومن أهم الأمثلة على هذه المشروعات التي أسهم الصندوق في تأسيسها ودعم نموها ، مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين ، وشركة سابك التي تعد أحد أكبر اللاعبين العالميين في صناعة البتروكيماويات ، وشركات أخرى كثيرة في مجالات متنوعة ومتعددة بنكية وعقارية وتجارية وصناعية وغير ذلك الكثير . ويعد صندوق الاستثمارات العامة أحد أهم المستثمرين في سوق الأسهم السعودي ، ويلعب بوزنه الهائل دورا يكاد أن يكون دور محرك السوق . علاوة على ذلك ، يقوم الصندوق بلعب دور تنموي آخر لا يقل أهمية عما سبق ذكره ، وذلك عبر قيامه بأداء دور تمويلي إقراضي لعدد كبير من المشروعات والأنشطة ، بما في ذلك المشروعات الطبية والتعليمية والسياحية وغير ذلك الكثير . هذه الأدوار التي لعبها ويلعبها الصندوق تحمل في مجملها سمة رئيسية ربما تشكل الفارق الأهم في محل مقارنته مع الصناديق السيادية للدول الأخرى ، وذلك في التوجه المحلي لاستثمارات الصندوق مقارنة بالتوجهات الدولية لصناديق الدول الأخرى . وهذه السمة مع أنها ربما كانت محل الكثير من النقد والمساءلة ، إلا أنها ربما كانت السبب الأهم في حماية الصندوق من العواصف التي ضربت الاستثمارات الخارجية للصناديق الدولية الأخرى مقارنة بصندوق الاستثمارات العامة الذي لم يتعرض لمثل تلك العواصف نتيجة لتوجيه استثماراته إلى الداخل ، علاوة على أن هذه الاستثمارات كان لها كبير الأثر في خلق صناعات وفرص عمل على المدى الطويل تؤسس في مجملها لتنمية طموحة مستدامة طويلة المدى ، عوضا عن صفقات التربح السريع التي طبعت الصناديق السيادية الأخرى .
وبالرغم من تميز أداء الصندوق على مر السنوات الماضية ، والنجاح الكبير في مسيرة التنمية الاقتصادية الذي يعزى قدر كبير منه لصندوق الاستثمارات العامة ، إلا أن الصندوق لا زال يمكن له أداء أدوار أساسية وحيوية أخرى في مسيرة التنمية ، بما يؤكد دوره الفاعل في دفع عجلة التنمية . ففي الوقت الذي يتكاثر فيه الحديث حول قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، والتأكيد على الأهمية الحيوية لهذا القطاع في منظومة الاقتصاد الوطني لأي دولة ، نجد أن دور صندوق الاستثمارات العامة لا زال قاصرا مقارنة بحجم الطموح والتطلعات المنوطة بهذا الصندوق . ولست أتحدث هنا عن الدور الذي يلعبه الصندوق وفق برامج التمويل والإقراض المباشر للمشروعات المختلفة ، بإنني أعني على وجه التحديد قيام الصندوق بتأسيس ورعاية برامج محددة لتوظيف رأس المال المغامر لدعم الكيانات الناشئة ، وتمويل الكيانات الصغيرة والمتوسطة التي تحمل إمكانات تنموية متميزة . إن الاستثمار في الشباب وأفكارهم وطموحاتهم يحمل إمكانات كبيرة يمكن أن تعود على الوطن بالخير الكثير ، ليس فقط عبر خلق فرص وظيفية مباشرة وغير مباشرة لهؤلاء الشباب ، ولكن أيضا عبر تأسيس كيانات يمكن لها أن تسهم إسهامات فاعلة في منظومة التنمية انطلاقا من القاعدة الأوسع لهرم الأنشطة الاقتصادية . إن الغالب على استثمارات الصندوق في الفترة الماضية هو التركيز على الاستثمارات التي تقع في قمة الهرم ، وهي الاستثمارات التي تتطلب أحجاما ضخمة من التمويل وتتصف بدرجة عالية من الأمان . وفي رأيي ، فإن الوقت قد حان للصندوق ليوسع دائرة مشاركته فيا لتنمية عبر مساهمة فاعلة في تنمية ودعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، وخاصة التي تملك إمكانات قائمة على إبداعات مهنية وخدمية ومؤسسية .
خلاصة القول ، صندوق الاستثمارات العامة قام بالكثير ويؤمل منه الكثير . وإذ يشكر المجتمع لهذا الصندوق والقائمين عليه كم الإنجازات المميز خلال الفترة الماضية ، فإنني أجزم أنه يتطلع إلى مزيد من الفهم والقرب من الصندوق تجاه مشاكل المجتمع . فمشاكل المجتمع هي في حقيقتها فرص استثمارية تحتاج إلى الرعاية والتأهيل لتكون مصادر رزق ومواطن توظيف تسهم في حل مشاكل البطالة والاكتفاء الذاتي للمجتمع .

الأحد، ٣ أبريل ٢٠١١

أزمة الطاقة ونزيف النفط


تداولت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي تصريحا أطلقه الأستاذ صالح العواجي وكيل وزارة المياه والكهرباء لشئون الكهرباء قال فيه أن المملكة تحتاج إلى استثمار 300 مليار ريال في قطاع الكهرباء خلال السنوات العشر القادمة . هذا التصريح أثار انتباهي وانتباه الكثيرين إلى قضية تعد أحد أهم القضايا التي تتعلق بالتنمية في بلادنا ، وهي قضية أزمة الطاقة . هذا التصريح جدد الجدل حول التركيز على الكهرباء كمصدر وحيد للطاقة ، وغياب الاهتمام الفعال بتنمية مصادر الطاقة الأخرى لتحقيق التوازن المطلوب في توظيف المورد الأهم من موارد الدولة ، وهو النفط . هذا الموضوع كان محل نقاش مع المهندس سلطان فادن رئيس اللجنة التأسيسية للمجلس السعودي للمباني الخضراء ، وهو نقاش أثار انتباهي إلى العديد من الجوانب التي تتعلق بهذه المشكلة ، وجعلني أخصص هذا المقال للحديث عن هذه القضية التي تحمل أهمية خاصة بين كل القضيا التي يدور حولها الحديث في هذه الأيام .
من بداهة القول أن الطلب على الطاقة يزداد ازديادا مضطردا خاصة في ظل النمو الهائل في الإنفاق الحكومي على مشروعات التنمية والإسكان والبنية التحتية . وإذا علمنا أن معدل الاستهلاك الحالي الداخلي من النفط يبلغ حوالي المليون ونصف المليون برميل ، وأن هذا المعدل مرشح للنمو ليصل إلى حوالي السبعة ملايين برميل يوميا بعد خمس عشرة سنة إذا استمر اعتماد إنتاج الكهرباء باستخدام النفط ، عندها يظهر حجم الأزمة ومقدار الخطر الذي يحيق بموارد ومقدرات الدولة والوطن ، خاصة ونحن نعلم أن الطاقة القصوى لإنتاج النفط تبلغ اثني عشر مليون برميل ، أي أن الاستهلاك المحلي سيأكل ما يزيد على نصف إنتاج المملكة من النفط ، وهو استهلاك لا يعود على خزينة الدولة بأي موارد مالية . الواقع الحالي يؤكد أن أيا من الجهات المسئولة عن قطاع الكهرباء بصدد تبني أية بدائل عن النفط كمصدر وحيد لإنتاج الكهرباء ، في استمرار لثقافة الجمود وغياب جهود الإبداع والبحث والتطوير في مجال تتبارى فيه الأمم للوصول إلى بدائل أخرى لمصادر الطاقة بعيدا عن النفط الذي يواجه خطر النضوب وارتفاع تكاليف الاستيراد . وفي رأيي ، فإن أحد أسباب المشكلة هو في تعدد الجهات التي تتعاطى مع هذه القضية ، وغياب رؤية استراتيجية مموحدة تجاه هذه القضية ، وهي حالة تنجر على العديد من المشاكل التي تعوق مسيرة التنمية . هذه المسئولية أصبحت كدم القتيل الذي تفرق بين القبائل ، فتفرق دم المسئولية بين وزارة المياه والكهرباء والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة وشركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج . السبب الآخر هو في النظرة الأحادية التي تعتبر النفط مصدرا وحيدا للطاقة والكهرباء ، في وقت لم تبدأ هيئة الطاقة النووية والمتجددة التي أسستها الدولة منذ حوالي السنتين أي نشاط فعلي بخلاف تصميم مبنى مقرها الموعود ليكون إنجازها الأوحد حتى الآن . إن قضية الطاقة قضية حيوية ومركزية تتطلب توحيد الجهود تحت مظلة واحدة في شكل وزارة للطاقة كما هو معمول به في العديد من الدول ، لتكون هذه المظلة المنظم والموجه والمقنن الرئيس لتطوير مصادر الطاقة بما يحفظ للدولة مواردها لأجيال المستقبل . وإذا تذكرنا أن كل برميل نفط نستخدمه هو برميل لا نبيعه تبين لنا مقدار الخطر الذي يحيق بموارد الدولة في المستقبل جراء استهلاك هذا المورد الذي يجب أن يوظف لدعم وتنمية مصادر الدخل عوضا عن استنزافها في نمط استهلاكي خطير .
تصريح وكيل وزارة المياه والكهرباء أثار امتعاض اثنتين من الجهات ذات العلاقة بهذا الموضوع ، وهما وزارة البترول والثروة المعدنية وشركة أرامكو السعودية من جهة وهيئة الأرصاد والبيئة من جهة أخرى . امتعاض وزارة البترول والثروة المعدنية وشركة أرامكو السعودية مرده أنهما مسئولتان عن حسن إدارة موارد الدولة من النفط ، وتريدان أن تقلل الأجهزة المسئولة عن قطاع الكهرباء والطاقة من استهلاك النفط كمصدر رئيس لإنتاج الكهرباء ، وذلك من منظور ربحي بحت ينظر إلى النفط كمصدر للموارد المالية نظير بيعه إلى الدول الإخرى بدلا من استهلاكه بشكل ذاتي . شركة أرامكو السعودية عبرت عن اهتمامها بهذه القضية عبر مبادرتها المشتركة مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لبناء محطة تحلية المياه في راس الزور ، وهي المحطة التي تم تصميمها اعتمادا على الطاقة الشمسية بديلا عن النفط . الغريب أن هذه المبادرة الرائعة غابت عنها المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة ، في الوقت الذي كان من الواجب أن تكون هي صاحبة المبادرة ، أو على الأقل شريكا رئيسيا فيها . ولكن المؤسسة مثلها مثل بقية الأجهزة المسئولة عن إنتاج الطاقة لا زالت تترفع عن تبني مثل هذه المبادرات ، ولازالت تمارس ذات النمط المتكرر من إهدار الموارد الطبيعية التي سخرها الله عز وجل لهذا الوطن .
امتعاض هيئة الأرصاد والبيئة هو أيضا امتعاض مشروع ، إذ أن إنتاج الكهرباء باستخدام النفط يعد المصدر الرئيس لإنتاج ثاني أكسيد الكربون ، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على البيئة ، ومخالفة صريحة لالتزامات المملكة في الاتفاقيات البيئية الدولية . وبالتالي فإن الإصرار على استمرار هذا النمط من استخدام النفط كمصدر رئيس للطاقة يحمل هذه الهيئة أعباء لا حصر لها ، ويضع بيئة الوطن وصحة أبنائه على حافة الخطر . ولأن الامتعاض وحده لا يكفي ، ولأن المسئولية في النهاية هي مسئولية مشتركة ، فإن هاتين الجهتين لابد لهما من العمل على مجابهة هذا التوجه الذي أعلن عنه تصريح وكيل وزارة المياه والكهرباء ، وطرح القضية للنقاش الجاد على طاولة المجلس الاقتصادي الأعلى ، للخروج بمعالجة جادة وفاعلة لما يواجهه مستقبل التنمية في المملكة من مخاطر حقيقية ، وصياغة استراتيجية ممنهجة لإنتاج الطاقة وتوظيف الموارد النفطية والطبيعية الأخرى ، يكون عمادها إعادة هيكلة الأجهزة المسئولة عن هذه القضية وتحديد اختصاصاتها ومسئولياتها .
خلاصة القول ، قضية الطاقة قضية محورية في مسيرة التنمية ، وراية ترشيد الاستهلاك التي ترفعها وزارة المياه والكهرباء يجب أن تتخطى حدود تغيير مصابيح الإضاءة وتعديل التيار الكهربائي ، إلى مبادرة جادة وفاعلة لإنتاج الطاقة والكهرباء من مصادر أخرى غير النفط . فالنفط ثروة وطنية ، والتوسع في استهلاكه بهذا الشكل لن يحقق لمستقبل الأجيال القادمة الرخاء والاستدامة اللتان تعدان أهم ملامح نجاح مسيرة التنمية .