بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٣١ يناير ٢٠١١

خواطر من رحلة الأحلام

هي بحق رحلة الأحلام، على الأقل في قناعتي الشخصية، ربما لأن أحلامي بسيطة، أو ربما لأني لم أعش مثل هذه التجربة الثرية بتنوعها من قبل. المهم أنني سجلت في هذه الرحلة كثيرا من الخواطر والمشاهدات، وأسقطتها على واقع بلادي، مجربا أن أشد الانتباه إلى جوانب مهمة في حياة الأمم، علنا نتعلم شيئا من هذه التجارب كما تعلمت.
الرحلة التي أتحدث عنها هي رحلة في ربوع حضرموت، نظمها واستضاف ركبها المهندس عبد الله بقشان لأربعة أيام كان كل يوم منها رحلة حافلة بالأحداث. ومع أني لا أريد أن أشغل مساحة مقالي بما يخرج عن صلب موضوعه، إلا أنني أجد نفسي مضطرا لأن أسرق شيئا من هذه المساحة لأزجي الشكر والتقدير لهذا الرجل، ليس فقط لكرمه الحاتمي وتواضعه الجم وخلقه السمح وصحبته الماتعة، ولكن أيضا لما شهدته وشهده زملاء الرحلة من حرص على مد يد العون والمساهمة في تنمية تلك المنطقة الغالية من عالمنا العربي، ليؤسس هو وفريقه نموذجا يحتذى به في العمل الخيري التنموي. وبقدر ما أبهرني هذا النموذج الذي سأتحدث عنه فيما يلي من هذا المقال، بقدر ما تمنيت أن أرى مثل هذا النموذج مطبقا في بلادي، مستذكرا واقع العمل الخيري في المملكة، وما يغلب عليه من سيطرة لمعالجة آثار الفقر عوضا عن معالجة ذات الفقر وجذور مشاكله ومسبباته. وأختم هذا الجزء "المسروق" بتحية خالصة لهذا الرجل على كل ما شهدته وصحبي في تلك الرحلة، متطلعا إلى أن تكون له ولغيره مبادرات مماثلة في مملكتنا الحبيبة.
رحلتنا القصيرة بمدتها الطويلة بمحتواها مرت بربوع وادي حضرموت، زرنا فيها مدينة سيئون التاريخية، ومدينة تريم مهد التعليم الديني، وقبلة طلاب العلم من دول العالم قاطبة. لم أتخيل يوما أن أرى جامعة كجامعة دار المصطفى تضم طلابا من 46 دولة، بما فيها دول مثل كندا وبريطانيا والولايات المتحدة، ينهلون علوم الدين في مناخ أشبه ما يكون بمناخ عصور الإسلام الأولى. جامعة ليست ككل الجامعات الدينية، يؤدي فيها المسجد دورا مركزيا في التعليم بحلقاته وندواته العلمية. تساءلت حينها، لماذا ليست جامعاتنا الدينية كهذه الجامعة، وهل أن إشراف مؤسسات التعليم النظامي والرسمي على الجامعات ومؤسسات التعليم حقق لها النهوض والتميز الذي كانت تطمح إليه، أم أنها سلبت منها مثل هذا المناخ التعليمي الرائع الذي رأيته في دار المصطفى؟ لست أتحدث هنا عن المناهج التي تدرس في الجامعة، إذ إنني أعلم أن هناك اختلافا بين التوجهات الدينية السائدة في المملكة وبين تلك التوجهات في دول إسلامية أخرى، مع أن جامعة دار المصطفى تتم فيها دراسة مختلف المذاهب والتوجهات الإسلامية مع اختلاف مشاربها. ولكنني هنا أتحدث عن نموذج تعليمي مختلف تجد فيه الطلاب وقد منحوا وقتهم وذاتهم وحياتهم لطلب العلم حبا في العلم، وليس للحصول على درجات وألقاب يضعونها أمام أسمائهم، ويحصلون بها على وظائف يعتاشون منها. وهو نموذج كان مطبقا وممارسا في كثير من المؤسسات التعليمية في المملكة في أوقات سابقة، مثل مدرسة العلوم الشرعية في المدينة المنورة، ومعهد دار الحديث في مكة المكرمة، فهل نرى لهذا النموذج من فرصة للإحياء والتطبيق؟
رحلتنا شملت أيضا زيارة مدينة شبام التاريخية، وهي لمن لا يعرفها مدينة كاملة مأهولة مسجلة ضمن مواقع التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو كأول مدينة ناطحات سحاب مبنية بالطين. مدينة جميلة جمالا أخاذا، شامخة مبانيها مأهولة بأهلها وسكانها. مدينة تستحق أن تكون مزارا سياحيا وثقافيا من الدرجة الأولى، وأن تكون مثالا يحتذى في مجال الحفاظ على التراث العمراني وتأهيله لا ليكون متحفا يزار، بل بيئة تعاش وتستثمر لصالح سكانها. أخذتنا الرحلة بعدها في عرض متتابع لقرى وادي حضرموت المليء بالمدن والقرى التي تحكي كل منها قصة حضارة عريقة خاصة وادي دوعن الشهير بالعسل والقرى المتناثرة على جنباته، التي ترجع إلى كثير منها أصول عائلات الحضارم الذين هاجرو إلى المملكة واستوطنوها. زرنا قرى رباط باعشن التي ترجع إليها أسرة بن لادن، وقرية الهجرين التي ترجع إليها أسرة بن محفوظ، وقرية بضة التي ترجع إليها أسرة العمودي بكل أفخاذها، وقرية خيلة التي يرجع إليها مضيفنا عبد الله بقشان. أجمل ما شهدته في هذه الرحلة الماتعة، إلى جانب العمق الثقافي لتلك المنشآت العمرانية التراثية، كان حجم الانتماء الذي رأيته من أبناء تلك الأسر. فكل منهم عاد بعد أن أنعم الله عليه ليرمم بيته القديم في قريته، أو لينشئ له بيتا جديدا، في تعبير جميل عن احترام الأصول والجذور والافتخار بها. تذكرت حينها كم اندثرت قرانا القديمة، وكم انسلخ أبناؤها عنها، وسيطرت عليهم الحداثة والحضارة المصطنعة. وأصبحت فكرة البناء بالطرز التقليدية فكرة نظرية بعيدة عن التطبيق، وشعارات جوفاء لا تجد لها مكانا على أرض الواقع. الانتماء الذي أتحدث عنه من أبناء تلك الأسر لقراهم الأصلية لم يتوقف عند بناء وتجديد وترميم مساكنهم الخاصة، بل تجاوزه إلى مد يد العون إلى أهلهم وذويهم في تلك القرى والمدن، فأنشأوا المستشفيات والمدارس، وشقوا الطرق والممرات، ومدوا خطوط الكهرباء والمياه، ونهضوا نهوضا حقيقيا بحياة الناس في تلك الحواضر. كل هذا دون أن تمتد يد الحضارة المزيفة إليها، بل حافظ الناس فيها على عاداتهم وتقاليدهم وبيئاتهم، يعيشون حياة القرية بكل ما فيها من بساطة وراحة بال.
الجانب المهم والأكثر إبهارا في مشاهداتي في هذه الرحلة هو التطبيق العملي لمفهوم مأسسة العمل الخيري والتنمية البشرية، والنموذج الحي لهذا التطبيق هو مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية، التي أسسها ويشرف عليها مجموعة من رجال الأعمال الحضارم، وتقوم بالعديد من المبادرات الحيوية والرائدة للارتقاء بحياة الناس في تلك الحواضر. بنك الأمل رسم الأمل في قلوب الناس عبر برنامجه الرائع والرائد للتمويل متناهي الصغر، الذي مكن كثيرا من الأسر من سد حاجاتهم عبر تمكينهم من تأسيس أعمالهم الخاصة عوضا عن مد اليد وإراقة ماء الوجه. مبادرة الشباب مبادرة رائعة لتوظيف جهود الشباب في جهود التنمية، وتمكينهم من الحصول على التدريب والتأهيل في أرقى الجامعات العالمية للانخراط في جهود التنمية. المستشفى الذي أنشأته المؤسسة في منطقة وادي دوعن يضم أكثر من 100 فرد من العاملين من أطباء وممرضين وإداريين كلهم بلا استثناء من أبناء المنطقة. هي مفخرة وأي مفخرة. أبناء الوطن يعملون دون كلل لتنمية وطنهم. كم نحن في حاجة إلى مثل هذه المؤسسة في بلادنا، وكم يمكن لرجال الأعمال أن يجودوا على وطنهم وأبنائه بالخير اقتداء بهذه الجهود الرائعة. تعلمت في حضرموت أن العمل الخيري المباشر من صدقات عينية أو مالية يمكن أن يسد جوع الفقراء لفترات محدودة، ولكنه لا يمكن أن يجعلهم أفرادا منتجين، ولا أن يوظف جهودهم في مسيرة التنمية. رأيت هناك نموذجا حيا لمقولة "صنعة في اليد أمان من الفقر". فهل لنا أن نطبق هذه المقولة في بلادنا؟. أتوجه هنا بالدعوة إلى مؤسساتنا التنموية، بما فيها الصندوق الخيري للفقر وصندوق المئوية وصندوق تنمية الموارد البشرية، للتعلم والاستفادة من تجربة مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية، وهذا لن يكون أمرا معيبا بحق أي منهم، فالحكمة ضالة المؤمن، وبلادنا تستحق منا الكثير من التضحيات.

الأحد، ٢٣ يناير ٢٠١١

القضاء وأزمة الحقوق - بقية من حديث

تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن بعض مظاهر المشكلات التي يعانيها قطاع القضاء في بلادنا، والتي أسهمت في مفاقمة أزمة الحقوق التي يعيشها كثير من المواطنين، والتي زرعت الكثير من المخاوف لدى المستثمرين المحليين والأجانب من الانخراط في الاستثمار في مجالات التنمية الواعدة والجمة في المملكة. وأستكمل حديثي اليوم معرجا على عدد آخر من تلك المظاهر، ومبرزا لعدد من التساؤلات حول بعض الجوانب، التي أرى أنها تسهم في واقع القضاء الذي نعيشه.
إحدى أهم المشاكل التي يعيشها قطاع القضاء في بلادنا هي غياب التخصص؛ إذ إن المعلوم أن كافة الدوائر القضائية التي تتعاطى مع مختلف أشكال وأنواع الخلاف تضم قضاة ينتمون إلى المؤسسة الدينية، والمشكلة ليست في الخلفية الدينية لهؤلاء القضاة؛ إذ إن الجانب الشرعي والفقهي في النظر في القضايا يتطلب معرفة وعلما بهذا الجانب عند النظر في القضايا. إلا أن المشكلة أن كثيرا من القضايا، وخاصة ما يتعلق منها بالقضاء الإداري والتجاري، تتطلب معرفة علمية بالأنظمة والتشريعات الرسمية من جهة، وطبيعة التخصصات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية من جهة أخرى، وهو ما يفتقر إليه علم ومقدرة كثير من القضاة الذين يحملون شهادات تأهيل دينية الخلفية دون سند علمي متخصص في طبيعة تلك القضايا، وهو ما يحول دون مقدرة أولئك القضاة على فهم طبيعة المشكلات المتعلقة بتلك القضايا، ناهيك عن تباين الأسس التي يقوم عليها العمل في كثير من العقود والتعاملات بين التشريعات والتطبيقات السائدة في المملكة والنظرة الدينية حيالها. ومثال ذلك القضايا المتعلقة بالتعاملات البنكية وعقود التأمين وغير ذلك. والغريب أن بعض مجالات التقاضي يتم فيها الاستعانة بمشاركة متخصصين في النظر في تلك القضايا، مثل قضايا الأخطاء الطبية التي تنظر فيها هيئات طبية شرعية تضم أطباء متخصصين إلى جانب قضاة ذوي خلفية دينية، في الوقت الذي ينظر في القضايا التجارية والإدارية قضاة منفردون دون مشاركة أي متخصصين في هذه المجالات، وحتى دون الاستعانة بهم كمستشارين لدى القضاة يساندونهم في اتخاذ القرارات الصائبة. هذه المشكلة تتطلب تطويرا حتميا في آلية تكليف القضاة لتنسجم مع طبيعة القضايا وما تتعلق به من تخصصات، وهو ما يحقق دعما حقيقيا لأولئك القضاة لتسريع فهم مضامين القضايا، والحكم فيها بموضوعية واحتراف.
أشرت في حديثي إلى ظاهرة الفردية في النظر في القضايا، وهي ظاهرة غريبة بحق؛ إذ إن القضايا بالمجمل، وخاصة القضايا الإدارية والتجارية، ينظر فيها قضاة منفردون، ويكلف بكل قضية قاض واحد فقط. والحقيقة أن كثيرا من تلك القضايا تتطلب تداول وتبادل الرأي والمشورة بين عدد من القضاة، وذلك عبر تشكيل فرق قضائية تضم عددا من القضاة بحسب طبيعة الخلاف موضوع القضية، ويضم هذا الفريق مستشارين من التخصصات التي يتطلبها موضوع القضية. هذا النموذج هو نموذج معمول به في كثير من الممارسات القضائية في كثير من الدول القريبة والبعيدة. والحالة الوحيدة التي أعرفها والتي يكون فيها قاض واحد مكلفا بالنظر في القضية هي في النموذج الأمريكي، وهو النموذج الذي يتضمن آلية تكليف عدد من المحلفين الذين يشاركون في النظر في القضايا، ويدلون برأيهم وحكمهم في القضية ليكون أساسا للقاضي الرئيس في الحكم في القضية. أعلم أن هذا النموذج يتطلب عددا كبيرا من القضاة، في الوقت الذي تعاني فيه المحاكم من قلة عددهم. ولكن الحل في نظري يكمن في السماح لأهل التخصص والخبرة بالمشاركة في العمل في هذا القطاع، مع الإبقاء على مشاركة أحد أفراد الفريق القضائي من المؤسسة الدينية؛ لضمان توظيف المعرفة الشرعية والفقهية في النظر في القضايا.
المشكلة الأكبر في هذا الموضوع هي في غياب التوثيق للأحكام القضائية، لتكون مرجعا للقضاة في القياس في الأحكام القضائية. ونحن نرى كثيرا من المشاهد التي تتباين فيها الأحكام، على الرغم من تماثل وتطابق القضايا المنظورة، في تعبير عن المفارقة في الطريقة التي يتم فيها التعاطي مع القضايا والحكم فيها. والغريب أن بعض القضايا المتماثلة، بل المتطابقة في موضوعها يتم النظر فيها من ذات القاضي، ويتم الحكم فيها بأحكام متباينة تباينا كبيرا. إن توثيق الأحكام القضائية ونشرها بشكل دوري للقضاة يؤسس مرجعا مهما لهم لتثبيت الآراء في الخلافات المتكررة، وهو ما يمكن أن يؤسس لمرجعية تشريعية مهمة، خاصة في الموضوعات التي لم ترد حولها أية نصوص شرعية في المراجع التشريعية المعروفة، ويخلق كذلك درجة من الاطمئنان لدى المستثمرين والتجار عبر معرفتهم بالتجارب القضائية السابقة وطبيعة الأحكام الصادرة بشأنها، وهو ما ينير الطريق أمامهم للانخراط في مشروعات التنمية بعلم ومعرفة بالبيئة التشريعية والقضائية في المملكة.
إن استقلالية القضاء هي مطلب مهم وأمر أساسي في أي مجتمع يروم الرقي ويتطلع إلى العدالة الحقة. ولكن هذه الاستقلالية يجب ألا تكون بمعزل عن الرقابة على أداء القطاع القضائي وتقويمه إن اختل أو حاد عن طريقه. والقضاة بشر خطاؤون، ويجب ألا يكونوا فوق المحاسبة إن أخطأوا، أو أن يتمتعوا بحصانة من الرقابة والتقويم والمحاسبة. من هنا تأتي الحاجة إلى تفعيل آليات الرقابة على أداء القضاة، وخلق قنوات للمواطنين لعرض مشاكلهم وتقديم شكاواهم حول ما قد يمرون به من خلل في أداء بعض القضاة، دون أن يخاف أي منهم من أن تنعكس شكواهم وبالا عليهم وتعسفا ضدهم. هذا الواقع هو واقع مشاهد وإن كان نادر الحدوث، إلا أن حالة واحدة من مثل هذا التعسف المتحيز تفقد ثقة الناس في عدالة القضاء، وتجعل كيانات الاستثمار تحسب ألف حساب قبل الإقدام على ما يعدونه مخاطرة غير محسوبة التبعات.
أختم بتساؤل مشروع ربما يدور في خلد الكثيرين، أين وصل العمل في برنامج تطوير القضاء الذي أعلن عنه خادم الحرمين الشريفين، وخصص له ميزانية ضخمة بلغ قوامها سبعة مليارات ريال؟ أعلم أن هناك عملا جادا من وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى في هذا المشروع، ولكن عجلة هذا العمل تتطلب دفعا كبيرا لتسريع تحقيق الآثار المأمولة من هذا البرنامج في تطوير القطاع القضائي والنهوض به وحل مشكلاته؛ إذ إن التأخير في هذا الأمر يؤدي إلى مفاقمة الآثار السلبية للواقع الراهن، ويعمق مخاوف المستثمرين حيال الانخراط في مشروعات التنمية. والحاجة أيضا ملحة إلى إبراز هذا البرنامج وما يدور فيه من عمل إلى حيز الإعلام، وتعريف العامة والمواطنين والمستثمرين بالتوجهات التي يجري العمل فيها عليه، علاوة على إشراك الرأي العام في صياغة هذه التوجهات، عبر ورش عمل جماعية تشارك فيها مجموعات مختلفة من فئات المجتمع، أسوة بما تقوم به بعض الجهات من تداول للأنظمة والتشريعات قبل إصدارها، ومنها هيئة سوق المال التي رسمت خطا فاعلا من الشفافية والمشاركة المجتمعية.
خلاصة القول، أزمة الحقوق أصبحت مستفحلة في المجتمع السعودي، وخاصة في مجتمع الأعمال. والحاجة إلى التسريع بمعالجة مشكلات القطاع القضائي أصبحت ملحة، والواقع لا يحتمل مزيدا من التأخير. وعلينا أن نؤمن بأن كل جهود التنمية وإن عظمت لن تنبت ثمارها إلا في بيئة ملؤها العدل والحزم في معالجة قضايا الحقوق.

الأحد، ١٦ يناير ٢٠١١

القضاء وأزمة الحقوق


كثيرة هي المؤتمرات والمحافل التي حضرتها أو شاركت فيها ، وكثير منها ما كان يدور حول فرص الاستثمار في مختلف القطاعات في المملكة . كنت دوما ألحظ اهتماما كبيرا من حضور تلك المحافل من ممثلي الشركات الأجنبية والعالمية بفرص الاستثمار في المملكة ، ولكني كنت ألحظ أيضا أن هذا الاهتمام لا يتعدى في غالبه حدود تلك المحافل ، دون أن ينعكس في شكل تحركات حقيقية لتلك الشركات الأجنبية للانخراط في فرص الاستثمار الواعدة في المملكة ، وأخص بالحديث هنا الشركات ذات العلاقة بالتنمية العمرانية والقطاع العقاري . بادرت بسؤال عدد من المختصين في تلك الشركات ، ما هي العقبة الأكبر في سبيل الإقدام على دخول سوق المملكة ؟ . تعددت الإجابات ، ولكن الإجابة التي اتفق عليها الجميع هي "القضاء" . وحول القضاء وأزمة الحقوق أكتب هذا المقال الذي أرجو أن يستقبله أهل القضاء والقائمون عليه بصدر رحب .
القضاء في بلادنا يمكن تصنيف اختصاصه في مجالات ثلاث رئيسية ، القضاء الجنائي ، والقضاء التجاري ، والقضاء الإداري . وهناك أيضا مجالات أخرى لم تجد بعد حقها من النضج والهيكلة ، بما فيها القضاء المروري والأسري وغير ذلك ، وإن كانت وجدت حقها من الدراسة ضمن برنامج تطوير القضاء الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين قبل حوالي أربع سنوات ، وخصص له ميزانية ضخمة قدرها سبعة مليارات ريال ، ولا زال المجتمع السعودي يتطلع إلى تلمس آثاره ونتائجه . ولأن حديثي هنا يتعلق في مجمله بالآثار التي يوقعها واقع القضاء على عملية التنمية وجوانبها الاستثمارية ، فإنني سأركز حديثي هنا على القضائين التجاري والإداري ، في سعي إلى تحليل مشكلات هذين القطاعين ، وأثر هذه المشكلات على واقع الاستثمار في المملكة .
المعلوم أن القضاء الإداري يختص بالتعاطي مع القضايا التي تكون أحد مؤسسات الدولة طرفا فيها ، فيما يختص القضاء التجاري بالقضايا ذات الطابع التجاري ، وتكون المؤسسات التجارية طرفا فيها . وكلا القطاعين يؤثران على مناخ الاستثمار في المملكة ، كون الأول يعمل على حل المشكلات التي تتعلق بالممارسات الحكومية تجاه العقود والتشريعات التي توجه عملية التنمية ، والثاني يعمل على حل المشكلات والخلافات التي تقع بين الشركات التجارية . وقضية الحقوق ربما تكون المحك الأهم في كلا القطاعين ، إذ أن معالجة مشاكل الحقوق الناشئة عن الخلافات هي ما يقلق جهات الاستثمار ، ويؤسس لمناخ جاذب أو طارد استنادا إلى سرعة وسلاسة وصرامة التعاطي مع هذه الخلافات . والمشاهد أن قضية الحقوق في واقعها أصبحت أزمة حقيقة في ظل واقع تعامل القضاء مع مثل هذه القضايا ، والتأخير في حسم القضايا الحقوقية التي تستغرق سنوات طويلة أصبح مشهدا مألوفا . ليس هذا فقط ، بل إن غياب مفهوم التعويض والعقوبة في القضاء الحقوقي يمثل مشكلة حقيقية ، إذ أنه أدى إلى تكريس التساهل في مصادرة وأكل الحقوق ، فما الذي يردع جهة ما من تأخير صرف مستحقات جهة تعاقد معها أو حتى مصادرتها إن كان سيدفع لها ذات المبلغ بعد سنوات عديدة ، هذا إن كسب المدعي قضيته ضد تلك الجهة . إن مشكلة ضياع الحقوق غدت ظاهرة ملحوظة في مجتمع الأعمال ، وخلقت مناخا من فقدان الثقة حتى في ظل عقود محكمة الصياغة وتشريعات تسعى إلى حفظ الحقوق . والمشكلة الأكبر هي في ضعف آليات التنفيذ للأحكام القضائية ، خاصة إن كان الخصم هاضم الحقوق شخصا ذا نفوذ ، أو صاحب سطوة ومكانة في المجتمع . وفي المحصلة ، فإن هذا الواقع الذي لا يتعامل مع قضية الحقوق بما تستحقه من اهتمام لا يمكن أن يؤسس مناخا جاذبا للاستثمار ، والمستثمر المحلي يعاني الأمرين من مثل هذه المشاكل ، فكيف لنا أن نتطلع إلى استقطاب المستثمرين الأجانب في مثل هذا المناخ المليء بفقدان الثقة في عدالة القضاء ؟ .
التأخير في حسم القضايا هو أحد الجوانب الكبرى في المشكلة ، وهذه الظاهرة يبررها الجهاز القضائي بكثرة القضايا وقلة عدد القضاة ، الأمر الذي يحملهم الكثير من الأعباء في النظر في ذلك العدد الكبير من القضايا ، ويطيل بالتالي أمد النظر والبت فيها . وبالرغم من أن هذا المبرر هو مبرر حقيقي ، إلا أنه لا يمثل في نظري لب المشكلة . فلب المشكلة يتعلق من ناحية بكثرة القضايا التي تنظر فيها المحاكم ، وهي في معظمها قضايا مفتعلة يمكن البت في كثير منها في محاكم ابتدائية يمكن أن تشكل أحد مستويات النظر في القضايا . وهذا المستوى يغيب عن آليات التقاضي في المملكة ، فيما نشهده في الممارسات القضائية في الدول المتقدمة . والجانب الآخر من جوانب مبررات التأخير هو في ظاهرة المماطلة من الخصوم في حضور الجلسات ، فالخصم المدعى يتم استدعاؤه لجلسات التقاضي ثلاث مرات يفصل بين المرة والمرة أشهر عديدة من مواعيد الجلسات ، وغيابه غير المبرر لا يوقع عليه أي مساءلة أو لوم . والمشكلة أن المدعي هو من يتم تكليفه بإيصال بلاغ الحضور إلى خصمه ، ويعاني في كثير من الأحيان من تجاهل ذلك الخصم ومماطلته في استلام طلب الحضور . والممارسات التي يلجأ إليها الخصوم للمماطلة في التقاضي تثير الاشمئزاز دون أن ترف عيون القضاة حيالها ، فمرة يحضر الوكيل دون إحضار أوراقه الثبوتية فيتم تأجيل الجلسة إلى موعد آخر ، ومرة يحضر وكيل جديد يدعي عدم معرفته بالقضية ويطلب مهلة لدراستها ، ومرة يعرض مستندات ووثائق ليس لها أية علاقة بموضوع القضية ليضيع وقت القاضي ويطيل أمد القضية ، وغير ذلك الكثير من الممارسات التي تتطلب وقفات حازمة من القضاة . تصبح المشكلة أكبر عندما يضطر صاحب الحق إلى رفع قضيته في مدينة أخرى غير التي يقيم فيها ، إذ يضطر إلى تكبد عناء السفر إلى مدينة الخصم لمتابعة قضيته ، ويعاني الأمرين من ممارسات المماطلة التي أشرت إليها ، هذا إن لم يفاجأ بغياب القاضي في إجازة لم يتكبد أحد في المحكمة عناء الاتصال بالمدعي المسكين لإبلاغه عنها لكي لا يتكبد عناء السفر دون جدوى . أحد الجوانب الأخرى في ظاهرة التأخير هو وضوح معالم الاختصاص في القضايا بين دوائر التقاضي المتخصصة ، فالكثير من القضايا تمر بدورة طويلة من النظر يحكم فيها القاضي في النهاية بعدم اختصاص دائرته بالنظر فيها . والأدهى أن المدعي المسكين صاحب الحق يقوم بعدها برفع قضيته في دائرة أخرى ، وتمر دورة أخرى يحكم القاضي الآخر في نهايتها بعدم الاختصاص أيضا ، فيضطر المدعي إلى اللجوء إلى لجنة تنازع الاختصاص في مجلس القضاء الأعلى ليبت في اختصاص الدائرة المعنية ، لتبدأ دورة التقاضي والاستئناف مرة ثالثة . هذا التكرار في النظر في القضايا دون وضوح الاختصاص يوقع الكثير من الهدر في الوقت والجهد ، ويسبب الكثير من التأخير في حسم القضايا ، ويؤدي في النتيجة إلى تفاقم أزمة ضياع الحقوق ، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تبني مفهوم المحاكم الابتدائية التي يمكن لها أن تبت في مسألة الاختصاص في مرحلة مبكرة من عمر القضية . وتحت ناظري الآن قضية لأحد المقاولين يطالب فيها أحد المطورين العقاريين بحقوقه عن مشروع أنجزه له منذ خمس سنوات ، وقد مر على مطالبته في أروقة القضاء بين ديوان المظالم والمحكمة العامة أربع سنوات لم يبت فيها حتى الآن في اختصاص أيهما في النظر في هذه القضية . والمشكلة أن صاحب الحق المسكين لن يحصل في النهاية بعد كل تلك السنوات سوى على حقه الذي فقده ، هذا إن قيض الله له قاضيا عادلا يحكم له ، في الوقت الذي يقوم فيه ذلك صاحب المشروع بالتمتع بتوظيف تلك المبالغ طيلة تلك السنين ، دون أن ينظر القضاء في تعويض ذلك المدعي عن انتظاره المطول في تحصيل حقه الضائع ، أو حتى معاقبة ذلك الخصم على تلك الفعلة . إن مصادرة الحقوق يجب أن ينظر فيها القضاء على أنها قضية جنائية تستوجب التعزير والتعويض ، لتأسيس حاجز رادع حيال المبادرة بهضم الحقوق .
يبدو أنني أطلت الحديث . سأتوقف هنا إذن ، وسأكمل حديثي في المقال القادم بإذن الله .

السبت، ١٥ يناير ٢٠١١

العلم .. المعجزة الوطنية


أستميح القارئ الكريم العذر في خروج هذه المقالة عن إطار السلسلة التي كنت قد بدأتها في إطار الحديث عن جوانب قضية الإسكان في المملكة ، والسبب في ذلك مجموعة المشاعر التي أثارتها مشاهداتي في لقاء كنت قد حضرته الأسبوع الماضي مع عدد من منسوبي شركة العلم لأمن المعلومات في مقر الشركة في مدينة الرياض، هذه المشاعر التي اختلطت بين الفخر والعجز، بين الثقة والشك، بين الأمل والإحباط، فقررت أن أعرضها أمام نظر القارئ الكريم، لأضع بين يديه شهادة أمينة على واقع جميل وأليم في الوقت ذاته.
قد لا يعلم الكثيرون شيئا عن هذه الشركة التي تعمل في صمت مطبق، ربما لأن منسوبيها والقائمين عليها آثروا أن تتحدث أعمالهم وإنجازاتهم عنهم بدلا من التطبيل الإعلامي المضلل، أو ربما لأنهم غارقون في خضم الكثير من المهام والأعمال التي تنوء بها الجبال. ولذلك، أعرض هنا للقارئ الكريم بعض المعلومات عن هذه الشركة لأسجل حيالها ما اختلج في نفسي من مشاعر، فهي شركة مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، ويعمل بها ما يزيد على 250 موظفا تبلغ نسبة السعوديين منهم أكثر من 75 في المائة جلهم من الفنيين والمتخصصين في مجال تقنية المعلومات، ومع ذلك، فازت هذه الشركة الرائدة لأربع سنوات متتالية بجائزة أفضل بيئة عمل في المملكة. قد لا يعلم الكثيرون شيئا عن إنجازات هذه الشركة، مع أنهم يستخدمون منتجاتها بشكل يومي، وهي منتجات لا يملك أي مواطن أو مقيم في هذا البلد أن يستغني عنها، بدءا بأنظمة مركز المعلومات الوطني، ومرورا بأنظمة ''مقيم'' و''إشعار'' و''تم'' و''شموس''، وغير ذلك من منتجات قواعد البيانات والاتصال المعلوماتية التي تمس جوانب حياة كل مواطن. باختصار، هي شركة أخذت على عاتقها مهمة تحويل الأحلام إلى حقائق، وبأيد وعقول سعودية خالصة.
خرجت من هذا اللقاء تتنازعني مشاعر مختلطة ومتناقضة حيال ما رأيت، فمن جهة، سيطر علي شعور الفخر بهذا الكيان الرائد، بما ضمه من كفاءات وقدرات فنية وإدارية سعودية وطنية، وبما حققه ويتطلع إلى تحقيقه من إنجازات، وبما تركه من أثر كبير في حياة المواطن، دون أن يتحدث أحد عن هذا الجندي المجهول الذي وقف بصمت وراء هذه الإنجازات الحيوية، التي وضعت المملكة في الصفوف الأولى في مجال تقنية المعلومات وتطبيقاتها على المستوى الوطني والأمني والتجاري. من جهة أخرى، سيطر علي شعور بالإحباط حول ما نعيشه من واقع مرير في جوانب التنمية الأخرى في المملكة، وأصبحت أتساءل عن السبب الذي يجعلنا عاجزين عن تحقيق هذا المستوى من الإنجاز المتميز في المجالات كافة، فالمسألة ليست مسألة قدرات بشرية، فهذه الشركة وظفت قدرات بشرية سعودية متميزة، والمسألة ليست مسألة تمويل، فالكثير من الكيانات الحكومية والخاصة تمتلك قدرات تمويلية كبيرة، بما فيها صندوق الاستثمارات العامة الذي لم يتمكن من تحقيق المستوى ذاته من النجاح في بقية الكيانات التي تبناها، أو في المبادرة لمعالجة القضايا العويصة التي تواجه مسيرة التنمية الوطنية، والمسألة ليست مسألة نفوذ، فكيانات الدولة تملك المستوى ذاته من النفوذ إن لم يكن يتخطاه بمراحل عديدة. إذن، ما السبب الذي مكن هذه الشركة من أن تخرج عن المألوف، وأن تحقق هذا النجاح الرائع، وأن تسبق الركب في مسيرة التنمية الوطنية. ما الذي يجعلنا عاجزين عن وضع الحلول لمعضلة الإسكان، أو قضية السعودة وتوطين الوظائف ومشكلات البطالة، أو أزمات التعليم والصحة والقضاء والمرور وغيرها من المشكلات والقضايا التي يعيشها المواطن في كل جوانب حياته. إن كنا قادرين على تحقيق هذه الاحترافية في العمل، وهذا النجاح المتميز في أحد الكيانات الوطنية، فلماذا نعجز عن تكرار هذه التجربة وتحقيق النجاح ذاته على بقية المستويات. في الحقيقة، لا جواب لدي على هذا التساؤل، ولكن ما أرجوه هو أن يثير هذا التساؤل الرغبة الحقيقة والإرادة الحازمة المخلصة لدى أجهزة الدولة ومؤسسات القطاعين العام والخاص لتجعل من مسيرة هذه الشركة الفتية وإنجازاتها مثالا يحتذى، وأن ترفع مستوى التطلعات والتوقعات، وأن تحشد لتحقيقها ما تمتلكه من موارد وقدرات وإمكانات، وأن تضع نصب أعينها مصلحة الوطن والمواطن، وأن تعمل بإخلاص وجهد متضافر لتحقيق هذا الهدف.
أختم بدعوة خالصة لمنسوبي هذه الشركة والقائمين عليها بالتوفيق والسداد، وأن يستمروا على النهج الذي اتخذوه نبراسا لهم، فالتاريخ هو الذي سيشهد لهم وينصفهم بما يستحقونه من إشادة واعتبار.

مشاهدات من سيتي سكيب جدة


أزمة الإسكان في المملكة سيطرت على محاور النقاش في مؤتمر سيتي سكيب جدة, الذي عقد الأسبوع الماضي, وتناولت جلساته هذا الموضوع من جوانب مختلفة, منها ما يتعلق بالحديث عن عمق الأزمة وجذورها, ومنها ما يتعلق بالتمويل وحلوله للمطورين والمشترين, ودور أنظمة الرهن والتمويل العقاري المنتظرة في إنعاش الحل, ومنها ما يتعلق بقضايا توفير الأراضي والبنية التحتية ودور المطورين في توفير الوحدات السكنية, علاوة على كثير من المحاور الأخرى ذات العلاقة. وفي الحقيقة فإن هذا الأمر يدل على ملامسة منظمي المؤتمر أهمية المشكلة, وحسن استغلالهم هذا الأمر لحشد الحضور للمؤتمر, وهو الحضور الذي طغى على ما شهدته في كثير من المؤتمرات الأخرى التي شهدتها المملكة في الفترة الأخيرة, على الرغم من ارتفاع تكلفة التسجيل لحضور هذا المؤتمر. وربما يكون أكثر ما يميز هذا المؤتمر هو مستوى المتحدثين الذين يستقطبهم المنظمون, علاوة على جودة التنظيم واحترافيته اللتين تنقصان كثيرين من منظمي المؤتمرات المحلية الأخرى. لقد شهدت جلسات المؤتمر مناخا مملوءا بالشفافية والواقعية والجرأة في الطرح, وعمد المتحدثون إلى تحليل واقع قضية الإسكان في المملكة من مختلف الجوانب, وطرح كثير من الحلول التي تتطلبها معالجة هذا الواقع. لكن الأمر المشترك بين هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات المشابهة في المملكة هو الغياب التام للقطاع الحكومي, سواء على مسرح المتحدثين أو على مقاعد الحضور. هذا الغياب غير المفهوم يفقد مثل هذا الحوار فاعليته, ويعطل مشاركة أحد أهم القطاعات ذات العلاقة بصياغة الحلول, ناهيك عن التعرف على وجهات النظر المطروحة من بقية الأطراف, أو الاستفادة من خبرات المتحدثين الذين استقطبهم المنظمون من أرجاء العالم كافة. إن حل المشكلات التي تعترض قضايا التنمية, ومنها قضية الإسكان الشائكة, يتطلب بالضرورة تفعيل مشاركة القطاعات ذات العلاقة كافة, وتبني ثقافة الحوار التي أسس ودعا إليها قائد المسيرة ـ حفظه الله ـ وزرع مناخ الثقة المتبادلة بين القطاعين العام والخاص, عوضا عن مناخ التشكيك المسبق والاتهامات المتبادلة الذي يسيطر على مناخ التعامل بينهما في الوقت الراهن. يجب أن تكون الثقة أساسا في التعامل والتعاطي مع مواقف ومبادرات الأطراف كافة, فلا أحد يشكك في وطنية أي منهم, ولا في صدق نياتهم لحل المشكلات التي يقفون أمامها ويتعاملون معها, لكن يجب أيضا ألا يعمل كل منهم بمعزل عن الآخر, وألا يعيش كل منهم في جزيرة منفصلة عن باقي الجزر, ولا بد من مد الجسور بين هذه الجزر, لتحقيق التواصل والتفاعل للوصول إلى الأهداف المشتركة في معالجة قضايا التنمية وتحقيق الازدهار لهذا الوطن.
أعرج في جانب آخر على الحديث عن المعرض الذي صاحب أنشطة المؤتمر, ولن أتحدث هنا عن احترافية التنظيم التي لاحظها الجميع, ولا عن الإقبال الكبير من الزوار الذي شهدته أروقة المعرض على كبر مساحته وتعدد العارضين فيه, لكنني سأتحدث عن جانب آخر لاحظته أثناء تجولي في المعرض, وهو جانب التباين الكبير بين الشكل والمحتوى. فقد ضمت أروقة المعرض أجنحة لعديد من الشركات التي أبدعت واجتهدت في تصميم أجنحتها وبنائها بكثير من التكلف والاهتمام والإبهار. لكن المحتوى الذي قدمه العارضون في تلك الأجنحة لم يرق إلى حد الاهتمام الذي توحي به تلك الأجنحة, ولم يتخط ذلك المحتوى في كثير من الحالات حد التعريف بالشركات العارضة وأنشطتها وخدماتها, دون أن يتضمن ذلك المحتوى أي حلول حقيقية لما يشهده قطاع الإسكان على وجه الخصوص من مشكلات. أحد الأمثلة على هذا التباين هو مقدار التكلف في أجنحة بعض الشركات التي قدمت نفسها على أنها تعمل لتوفير المسكن الميسر في إطار المساهمة في حل مشكلة الإسكان, وهو ما يخلق لدى الزائرين كثيرا من علامات الاستفهام حول انعكاس مقدار هذا التكلف في وسائل العرض والحملات الإعلانية والدعائية على تكلفة المساكن التي يقدمها هؤلاء المطورون في النهاية. إن المبالغة التي تشهدها المعارض والصحف والمجلات ووسائل الإعلام والترويج الأخرى من قبل المطورين أصبحت مبالغة ممجوجة, خاصة أن أيا من تلك الحملات لم يخرج إلى الناس بعدُ بحلول عملية على أرض الواقع, فلا مساكن ميسرة تشفي غليل جيوش المتعطشين, ولا حلول تمويلية تمكنهم من تحقيق أحلامهم, ولا مبادرات حقيقية تقدم حلولا شاملة لهم, وتعالج تخبطهم في مسارات البحث والتنقيب عن المساكن الملائمة. إن قضية توفير المساكن الميسرة للمواطنين تتطلب معالجة اقتصادية واعية, يكون أحد أهم أركانها معالجة الهدر الذي تشهده عملية التطوير والبناء, بما في ذلك الهدر الكبير الذي يتم من خلال هذه الحملات الإعلامية والدعائية المكلفة, ويتم تحميله في النهاية على المستهلك المسكين, خاصة إذا تذكرنا أن قضية المسكن الميسر هي قضية تهم كل مواطن, ولا أعتقد أن هذا المنتج, إن توافر بقيمة ملائمة توافق قدرات الراغبين, يحتاج إلى إعلان أو دعاية, بل سيتقاطر عليه الناس, ويتناقلون أخبار توافره لدى هذه الشركة أو تلك .. فهل رأيتم مخبزا يعلن توافر الخبز لديه ؟

الاقتصاد الإسلامي .. إصلاح الذات أولا


عقدت في محافظة جدة الأسبوع الماضي ندوة حول الاستثمار الإسلامي تناول المتحدثون فيها بالنقاش عددا من الموضوعات المتعلقة بالاقتصاد والاستثمار والصيرفة وإدارة الأصول من منظور إسلامي. وكان من بين المتحدثين جون ساندويك الذي يقدم نفسه على أنه أحد كبار المهتمين والداعمين لمبادئ الاقتصاد الإسلامي في الوسط الاقتصادي الغربي المشبع بمبادئ الاقتصاد الرأسمالي التقليدي. حديث ساندويك كان حديثا مميزا بحق، أبرز فيه مَواطن الاختلاف والتميز للاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الرأسمالي، ومدى النجاح الذي حققته المؤسسات المالية والاستثمارية التي تبنت مبادئ الاقتصاد الإسلامي في خضم زوبعة الأزمة المالية العالمية. هذا الحديث ومجمل الأحاديث والندوات والمحاضرات والمقالات التي تتحدث عن الاقتصاد الإسلامي، والتي برزت إلى السطح بشكل كبير إبان الأزمة المالية العالمية، دفعتني إلى كتابة هذا المقال في محاولة لطرح وجهة نظر موضوعية حول هذا الموضوع، انطلاقا من إيمان مطلق بعمق مفهوم الاقتصاد الإسلامي، وأهمية رفع رايته في بلادنا التي تعد إمام المسلمين ومهد الحضارة الإسلامية.
مفهوم الاقتصاد الإسلامي هو مفهوم قديم قدم الرسالة السماوية، وشكل على الدوام أحد أركان إدارة الدولة الإسلامية منذ بعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا المفهوم الذي يقوم على مبادئ العدالة ومنع أكل الحقوق واستغلال الحاجات يبرز عظمة الدين الإسلامي، ويؤكد تبنيه المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي كانت على الدوام أساسا لكل الرسالات السماوية. وفي الحقيقة، فإن أي تعارض لأية تطبيقات ترفع راية الإسلام مع مضمون هذه المبادئ إنما يبرز خطأ تلك التطبيقات، وليس خللا في أساس مفهوم الاقتصاد الإسلامي، وهو ما يمكن أن يكون أحد أوجه التباين بين مبادئ الدين الحنيف كافة وواقع تطبيقات المسلمين لتلك المبادئ في شؤون حياتهم كافة، إذ إن هذا التباين لا يمكن أن يصم الإسلام بالخلل، بل يبرز خلل التطبيق. والمشكلة أن هذا التباين بين المبادئ والتطبيقات لا يسيء فقط إلى المسلمين أنفسهم، بل إنه يجر الإساءة إلى الدين الإسلامي نفسه، خاصة من قبل المتصيدين من أعداء الأمة، الذين يبحثون عن أية سقطات أو ثغرات ينفذون منها للانتقاص والنيل من هذا الدين الحنيف ومبادئه السامية. ولأن شؤون الاقتصاد تمس حياة الناس ومعايشهم، فإن هذا الجانب قد يكون أحد أوقع الجوانب أثرا في تشويه صورة المجتمع الإسلامي، والإساءة إلى مبادئه. ومن هنا يأتي خطر التباين الكبير الذي نشهده بين تطبيقات الاقتصاد الإسلامي ومبادئه، والتي ينصب حولها مجمل حديثي في هذا المجال.
خلال السنوات العشر الأخيرة شهد المجتمع الاقتصادي في المملكة تصاعد نبرة الحديث عن الاقتصاد الإسلامي، وبروز العديد من المؤسسات المصرفية والاستثمارية التي رفعت راية الأسلمة في عملياتها وخدماتها وأنشطتها، حتى أن عديدا من المؤسسات المصرفية والمالية العالمية التقليدية فتحت بوابات خاصة وأنشأت قنوات للعمليات الإسلامية. والمشكلة، أن الكثير من هذه المؤسسات لم تبن عملياتها وخدماتها على إيمان عميق بروح وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي، بل جاءت لتقتطع حصة من هذا السوق المتنامي، وسعت إلى إلباس عملياتها وأنشطتها ثوب الأسلمة، في شكل من أشكال استغلال الدين لمصالح ومكتسبات دنيوية، وفي تعارض صارخ مع صلب مبادئ الاقتصاد الإسلامي التي تحارب الاستغلال وهضم الحقوق. والمشكلة، أن كثيرا من المؤسسات والشركات المحلية انجرفت في هذا المسار، بما فيها البنوك والمصارف التي سوقت للبطاقات الائتمانية الإسلامية ومبايعات التورق والتمويل الإسلامي، وهي جميعها تتم بتكاليف تفوق تكاليف الخدمات التقليدية، وتحمل مستخدمها أعباء إضافية كبيرة. وبما فيها الشركات العقارية التي نظمت وأسست لمساهمات عقارية يقودها أشخاص لبسوا صبغة دينية، وعادت في كثير منها وبالا على المساهمين الذين أغرتهم مظاهر الصدق والأمانة والتدين. وبما فيها شركات التمويل والتقسيط للسيارات والأثاث والسلع الاستهلاكية التي حمَّلت المستهلكين تكاليف وأعباء كبيرة؛ استغلالا لحرصهم وتمسكهم بنقاء تلك المبايعات والعقود وعدم الوقوع في الربا المحرم. وفي النتيجة، أصبحت معظم التطبيقات والخدمات التي يتم تقديمها على أنها إسلامية منافية للأسس التي قام عليها الاقتصاد الإسلامي، وباتت تعبر عن نزعة استغلالية ينظر إليها مناهضو الاقتصاد الإسلامي على أنها نموذج للخلل الذي يمكن أن يحدثه الاقتصاد الإسلامي، وهو منها براء.
المشكلة أن هذه المظاهر الاستغلالية تتم ممارستها بشكل متزايد ومتصاعد في غياب مطلق لأية رقابة أو تنظيم من قبل الجهات الحكومية الرسمية ذات العلاقة. وهذا الواقع عبَّر عنه فضيلة الشيخ عبد الله المنيع الأسبوع الماضي، وقبله الكثيرون، حين ألقى باللوم على مؤسسة النقد العربي السعودي في إحجامها عن القيام بدورها في تنظيم الأنشطة المصرفية والاستثمارية الإسلامية في المملكة. هذا الغياب أفسح المجال لما نشهده من تلاعب واستغلال، وأضر كثيرا بالمستهلكين من المواطنين البسطاء، وتسبب بشكل مباشر في كثير من الأزمات التي عصفت بمدخرات الناس، والتي ليس أولها ولن يكون آخرها انهيار سوق الأسهم وما جرّه من خسائر فادحة على عموم الناس، بعد أن أغرتهم البنوك والمصارف بقروض إسلامية ميسرة تفتح لهم باب الثراء السريع، متناسين أن الاقتصاد الإسلامي الحق يدفع إلى تنمية حقيقية للمجتمعات الإسلامية، وليس إلى غرس ثقافة الاستغلال والتكسب من حاجات الغير والتربح السريع.
المظهر الآخر لمظاهر التكسب من هذه القضية هو ظاهرة الهيئات الشرعية في البنوك والشركات الاستثمارية، التي تستخدمها تلك البنوك والشركات لتكييف منتجاتها وخدماتها لتكون موافقة للمبادئ الشرعية، ومن ثم يتم الإعلان عنها بختم اعتماد تلك الهيئات في إعلاناتها ودعاياتها التجارية في امتهان تسويقي مبتذل لمبادئ الاقتصاد الإسلامي السامية. أكبر الشواهد على هذا الخلل وهذه المتاجرة بالفتاوى الاقتصادية هو تشتت جهود تلك الهيئات، وغياب التنسيق بين فتاواها. وأصبح كل بنك وكل شركة يضم هيئة شرعية خاصة به تنتج له الفتاوى على المقاس، مع أن بعض أعضاء تلك الهيئات يعمل في أكثر من هيئة، ويتقاضى من كل منها دخلا مجزيا يوازي حجم العائد على تلك العمليات والخدمات المدعومة بتلك الفتاوى. وبعد أن صدر التوجيه السامي بتوحيد الفتوى في المملكة عقدت الأمل على أن يشمل هذا التوحيد عمل الهيئات الشرعية، ليتم توحيدها على الأقل في هيئة شرعية واحدة تنظم إصدار الفتاوى المتعلقة بالقطاع المالي والاستثماري بشكل موحد، ولكن هذا الواقع استمر متجاوزا ذلك التوجيه السامي، خاصة في ظل غياب الرقابة التي أشرنا إليها من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي، والتي كان يمكن لها أن توظف هذا التوجيه الحكيم لمعالجة هذه المشكلة، والانخراط في أداء دورها المأمول في تنظيم هذا القطاع وحمايته من التلاعب والاستغلال.
خلاصة القول، علينا أن نصلح ذاتنا قبل أن نصلح الغير. وإن كنا نريد بالفعل أن نشيع مبادئ الاقتصاد الإسلامي في العالم كله فعلينا أولا أن نكون قدوة حسنة لهذا العالم، وأن نثبت له أن هذا الاقتصاد يسمو بالبشرية ويدعم التنمية وعمارة الأرض، وليس وسيلة لاستغلال الناس والتربح من حاجاتهم.

عام جديد في مسيرة التنمية


انقضى عام ويبدأ عام جديد في مسيرة التنمية الوطنية. هذه المسيرة التي شهدت زخما كبيرا في عهد قائدها الملك المحبوب عبد الله بن عبد العزيز، ـــ حفظه الله ـــ وأعاده إلى وطنه وأبنائه بخير وصحة وسلامة. منذ أن تسنم هذا الملك قمة هرم قيادة المملكة بدأ عهد جديد في هذه المسيرة، اتسم بالعديد من الملامح التي جعلت شعوب الأرض تتطلع إليها وترى فيها نموذجا يحتذى. كان أهم هذه الملامح رفع راية الإصلاح على جميع المستويات وفي المجالات كافة، مدعوما بنية خالصة مخلصة، وجهد لا يكل في سبيل تحقيق المصالح العليا للوطن وأبنائه. هذا الجهد الذي وضع المملكة في مصاف دول العشرين الأكبر اقتصادا على مستوى العالم، والأكثر تأثيرا في مسيرة التنمية العالمية، وحقق للمملكة قفزات كبيرة على المستويات كافة، حتى أصبحت بلادنا قبلة للشركات والمؤسسات العالمية كبيرها وصغيرها، وغدت محط اهتمام العالم بمختلف أعراقه وفئاته ومكوناته.
انقضى عام في مسيرة التنمية، وكان هذا العام مليئا بالأحداث والأخبار والمستجدات على كل الأصعدة، بما فيها السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة وغير ذلك الكثير. انقضى عام عانت فيه دول العالم الأمرين من تبعات الأزمة المالية العالمية التي جرت عليها الكوارث والمصائب، وعطلت مسيرة التنمية فيها، فيما كانت مملكتنا تنعم بنهوض ونمو ملحوظين في مختلف المجالات، قيض الله لها فيها أن تقفز على تبعات تلك الأزمة، وأن تتجنب تأثيراتها المدمرة، لتحقق بذلك مركزا متقدما على الكثير من تلك الدول التي كانت تنظر إلينا من عل في العهود السابقة، وأصبحت المملكة بحمد الله قائدة رائدة تشارك كبريات الدول مكانة الزعامة العالمية، وتسهم بفعالية في معالجة آثار تلك الأزمة، ودفع عجلة التنمية العالمية في كل المجالات.
انقضى عام في مسيرة التنمية، شهدت فيه المملكة وضع خطة تنميتها التاسعة، التي جاءت مليئة بالآمال والطموحات والتطلعات الواعدة، والتي إن قيض الله لها النجاح المأمول ستجلب الرخاء للمواطنين، وترسخ أركان تنمية مستدامة لهذا الوطن. هذه الخطة التي حشدت لها الدولة جميع مقدراتها ومواردها المادية والبشرية لتحقق نهضة تنموية كبرى في هذه المرحلة الحيوية من عمرها المديد ـــ بإذن الله. وربما كان أهم ملامح هذه المرحلة هو حجم الشفافية المتنامية التي أصبحت تسم التعاطي مع قضايانا وشؤوننا المحلية والدولية، وارتفاع سقف حرية الرأي والنقاش والطرح البناء على مختلف الأصعدة، حتى أصبح المواطن شريكا للمسؤول في مناقشة قضايا التنمية الوطنية، في إطار من الإيمان المشترك بالمصلحة الوطنية العليا.
ويبدأ عام جديد في مسيرة التنمية، والآمال والطموحات تملأ صدور أهل الوطن وأبنائه. وهي تطلعات مستحقة تنسجم مع إمكانات الوطن وقدراته، وتتناغم مع مرئيات وتوجهات القيادة الحكيمة. وهي كذلك تطلعات في معظمها تتسم بالبساطة والقناعة، لا تتعدى في مجملها توفير حياة كريمة هانئة تدعمها دخول مناسبة تكفي لسد متطلبات الحياة الأساسية، ومساكن ميسرة تحقق لهم الأمان والاستقرار، وبيئة مريحة ميسرة لممارسة أعمالهم، وتعليما متطورا يؤهل أبناءهم لأداء أدوارهم المأمولة في مسيرة التنمية، وخدمات صحية تحقق لهم الراحة والأمان الصحي، وبعضا آخر من تلك المتطلبات والتطلعات التي لا تعدو أن تكون مكاسب مستحقة لأبناء الوطن مقابل مواطنتهم، ولا تخرج عن تطلعات كل الشعوب في كل الأوطان والدول.
يبدأ عام جديد في مسيرة التنمية، وكلنا نتطلع إلى تحقيق تلك التطلعات والآمال، مؤمنين بأن ذلك لن يتحقق إلا بتضافر الجهود والتكاتف حول قائد المسيرة. تحقيق هذه التطلعات يتطلب الكثير، ولكن أهم ما يتطلبه هو الإيمان بهذا الاستحقاق أولا، وتوسيع دائرة تبني مفاهيم ومبادئ الحوار والشفافية، وبذر بذور الثقة بين كل فئات أبناء الوطن، بين الرئيس والمرؤوس، وبين المواطن والمسؤول، وبين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة، وبين الغني والفقير، وبين مؤسسات الحكومة والقطاع الخاص. علينا أن نؤمن بأن الوطن للجميع، وكلنا فداء الوطن. لا يمكن أن تتم المواطنة الحقة دون مساهمة فاعلة في جهود التنمية، ولا يمكن أن يكون أي طرف متلقيا مطالبا دون أن يبذل شيئا لهذا الوطن. لا يمكن أن تنجح جهود التنمية ونحن نتنازع الحقوق والمصالح، ونرى في بعضنا من هو أحق من غيره بشيء من المكتسبات. المساواة هي أساس العدالة، والعدالة هي أساس الملك ورخاء الشعوب. إذن، فالعدالة هي ما نحتاج إلى تحقيقه، العدالة في التعاطي مع كل قضايانا التي نعيش معها وفيها كل يوم، قضايانا التي تمس التعليم والصحة والاقتصاد والمرأة والقضاء والبناء والعمران وكل مجالات التنمية المتوازنة. والتعاطي مع هذه القضايا بمفهوم العدالة هو ما سيجعل الجميع على قدم المساواة، وسيؤسس للنجاح المأمول الذي يتطلع إليها الجميع في مسيرة التنمية الوطنية.
انقضى عام ويبدأ عام جديد في مسيرة التنمية، وأدعو الله أن يجعل هذا العام وتاليه من الأعوام خيرا على وطننا وأمتنا العربية والإسلامية. وكل عام ونحن والوطن جميعا بخير وسلامة، وملكنا المحبوب بصحة وعافية.