بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ١٢ مارس ٢٠١٢

وهل يصلح ساهر ما أفسد الدهر

نظام ساهر كان منذ أن ولد موضوعا للنقاش والتداول في مقالات كتاب الرأي في الصحف ، وفي برامج الحوار الإذاعية والتلفزيونية ، ويكاد لا يكون هناك كاتب أو إعلامي إلا وتناوله بالحديث الذي تراوح بين النقد اللاذع والإشادة المفرطة . وعنوان هذا المقال كان مدرجا على صفحة بيضاء على حاسوبي الصغير منذ مدة طويلة ، إذ أنني لم أكن من المتفائلين بهذا النظام . غير أنني آثرت أن أؤجل تسجيل مشاعري وقناعاتي حوله لبعض الوقت ، عله يفلح في تغيير تلك القناعات إن منحته الفرصة ليخوض تجربة الاختبار العملي على أرض الواقع . والآن ، وبعد مرور فترة كافية من تطبيق هذا النظام ، وجدت أنه حان الوقت لأطلق سراح هذا المقال ، عله يسهم في فهم صلب المشكلة التي وضع النظام لمعالجتها ، ومن ثم إلى توجيه انتباه القائمين عليه إلى مواطن الخلل وأدوات المعالجة الفاعلة ، هذا إن كان الهدف من هذا النظام هو حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم من حوادث السير المروعة ، وليس جباية الأموال من مخالفات تسجلها كاميرات يتم وضعها بعناية ومهارة في مواقع محددة ومدروسة بعناية بناء على ما تحققه من عوائد مالية مجزية .
أبدأ أولا بتسجيل المشهد العام في الطرق والشوارع منذ أن بدأ تشغيل نظام ساهر ، وهو مشهد يعلمه الجميع ، ويرونه كل يوم بكل ما يحمله من تناقضات مخلة وتعديات فاضحة . كاميرات نظام ساهر أفلحت بالفعل في ضبط الحركة المرورية في الطرق والتقاطعات التي تم تركيبها فيها ، وذلك بعد أن أصابت بلظى مخالفاتها قادة السيارات ، ومدت أيديها ، أو ربما أسلاكها ، إلى جيوبهم ومحافظهم وحساباتهم البنكية . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، كم هو عدد الكاميرات الذي تستطيع الشركات المشغلة لهذا النظام تركيبه ، وكيف يمكن لها أن تضمن مراقبة كل الطرق وكل التقاطعات بهذه العين الساهرة . سؤالي هذا ينطلق من الواقع الذي نراه جميعا كل يوم ، والذي يبين أن الالتزام المروري لدى السائقين إنما هو التزام مؤقت ولحظي يأتي مدفوعا بالخشية من وميض الكاميرات ، وليس مدفوعا بقناعة بضرورة الالتزام بالأنظمة حتى لو غابت عين الرقيب . فالسائقون يصبحون كالملائكة في التقاطعات التي تراقبها الكاميرات ، والسيارات تصطف كما الجنود في كتيبة من كتائب الجيش ، وحركة المرور تنساب سلسة كمياه النهر . أما إن غابت أعين الكاميرات في أحد التقاطعات فإنه يصبح مستباحا لقطع الإشارات ، والتزاحم على مقدمة الصفوف ، والالتفاف العشوائي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبالعكس . ما أن تغيب الكاميرات تغيب معها كل المباديء وكل الأخلاق ، وتصبح كل الأنظمة مستباحة لا قيمة لها . أنا هنا أتحدث عن مثل واحد من صنوف المخالفات والتجاوزات في نمط القيادة في شوارع مدننا السعودية ، ولعل القاريء الكريم يسعفني في اختصار الحديث إن هو قام بتعميم ذات الظاهرة على معدلات السرعة الجنونية في الطرق ، والتجاوزات العشوائية من مسار إلى مسار ، وحالات الوقوف المزدوج والعشوائي والازدحامات الخانقة أمام المطاعم والمقاهي ، وغيرها الكثير من مشاهد التعدي السافر على الأنظمة أولا وعلى الأخلاق ثانيا في الشوارع والطرق .
إذن ، وبعد هذه الفترة من تطبيق النظام ، فإن السؤال عن جدواه وفعاليته هو سؤال مشروع ، خاصة في ظل فشله الملموس في تصحيح سلوكيات الناس عوضا عن ضبطها ضبطا مؤقتا ، أو توظيفها لتحقيق مكاسب مادية ، وهو ما خلق بين الناس وأصحاب النظام هوة سحيقة من فقدان الثقة وغياب المصداقية . المشكلة ، أن هذا النظام خلق تجاهه حالة من العدوانية لدى الناس ، وهو ما جعلهم في رأيي يصبحون أكثر جرأة على ارتكاب المخالفات واستباحة الطرق وحقوق الآخرين إن غابت أعين كاميرات الرقابة . وأنا لم أستطع في الحقيقة أن أصدق تصريحات المسئولين عن انخفاض معدلات الحوادث المرورية كنتيجة لتطبيق نظام ساهر ، إذ أنني أعتقد جازما أن أعداد الحوادث انخفضت في بعض المناطق الخاضعة لرقابة الكاميرات ، ولكنها زادت في بقية المواقع البعيدة عن الرقابة .
في ظل هذا الواقع المرير ، فإن الحل لن يكون بزيادة عدد الكاميرات وتوسيع نطاق انتشارها ، إذ أنه من المستحيل تغطية كل الطرق وكل التقاطعات في كل المدن والقرى السعودية بمساحتها الشاسعة ، ناهيك عن الطرق الممتدة بين المدن ، والتي تشهد هي أيضا صنوفا أخرى من التعدي على الأنظمة جعلتها أشبه بحلبات سباق السيارات . وفي الحقيقة ، فإن نظام ساهر ليس بالنظام السيء ، ولكنه عجز وسيظل عاجزا عن تحقيق الأهداف التي وضع من أجلها لأنه جاء مبتورا عن منظومة الحل الشامل الذي كان يجب أن يشمل إلى جانب هذه الأداة أدوات أخرى ربما تكون أكثر أهمية وفعالية منه . إن تصحيح سلوكيات الناس الخاطئة لا يتحقق بالرقابة والعقوبات وتوقيع المخالفات ، فكل هذه الإجراءات ستعجز عن معالجة هذا الخلل ، هذا إن لم تؤد إلى مفاقمته في كل مرة تغيب عنها أعين الرقابة . علاوة على أن هناك فئات لا تعبأ بالغرامات مهما ارتفعت قيمتها وتضاعفت ، وهي بالتالي تترفع فوق الأنظمة وفوق وسائل الرقابة وكاميرات النظام . الشيء الأكيد أن نمط القيادة الذي نعاني جميعا منه إنما هو حالة سلوكية متأصلة تبرز فيها ملامح الأنانية والعدوانية والتعالي تماما كما تبرز في مجالات أخرى في حياة الناس ، وليست نمطا عارضا يمكن معالجته بأدوات وقتية قاصرة . وبالتالي ، فإن مسار التصحيح والمعالجة كان يجب أن يتعاطى مع هذا الواقع ، وأن يتبنى حلولا علاجية لا تقتصر على العقوبات المالية وحدها ، بل تتبنى حلولا تربوية وإعلامية واجتماعية وتخطيطية إلى جانب حلول الرقابة والتغريم . وفي النتيجة ، يصبح نظام ساهر أحد أدوات المعالجة الشاملة ، وليس وحده حلا منفردا قاصرا مبتورا . برنامج المناصحة الذي تبنته وزارة الداخلية ، وهي ذات الوزارة المسئولة عن إدارة المرور ، أفلح في معالجة مشكلة الإرهاب وتصحيح سلوكيات ومفاهيم شباب من أبناء الوطن انحرفو وضللو بعيدا عن الحق ، وكان أحد أذرع حل هذه المشكلة إلى جانب ذراع الحل الأمني والرقابي . ذات الأسلوب هو ما نحتاجه لحل مشكلة الحوادث المرورية وسلوكيات القيادة المتهورة ، وهي لعمري أكثر إرهابا على الناس من الإرهاب ذاته ، خاصة إن قارنا أرقام الضحايا والخسائر في الحالتين .

الاثنين، ٥ مارس ٢٠١٢

كي نحقق حلم الصناعة

أبو عبد الرحمن رجل من أبناء هذا الوطن ، يحتل وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى العاملة في المملكة . ولأن أبا عبد الرحمن قارب الخمسين من عمره ، فقد بدأ يعمل فكره في النخطيط لمرحلة ما بعد التقاعد ، خاصة بعد أن جمع مبلغا من المال هو تحويشة العمر التي رأى أن يستثمرها ليؤسس نشاطا تجاريا يشغل به نفسه في تلك المرحلة ، ويتركه ليكون مصدرا لرزق أبنائه من بعده . بدأ أبو عبد الرحمن يقلب خياراته لتلك المرحلة ، واستقر قراره على أن يخوض غمار الاستثمار الصناعي ، إيمانا منه بأن هذا المجال يحمل الكثير من الإمكانات والفرص ، مستشهدا بكل تلك الشعارات التي تؤكد دوما أن الصناعة هي الخيار الأول لتنويع مصادر الدخل الوطني . جمعتني بهذا الرجل جلسة من جلسات الدردشة الفكرية ، فباح لي بمكنونات صدره وخططه المستقبلية ، وطلب مشورتي في اختيار الخط الذي يمكن له أن يسلكه ، والنشاط الصناعي الذي يمكن أن يحقق له النجاح الذي يرومه . خضت وإياه جولة من النقاش ، وهي جولة خرجت منها برؤية رسخت في نفسي ما كنت أعلنه وأقوله في هذه القضية ، وهي الرؤية التي سأطرحها في هذا المقال ، علها تجد لها من يؤمن بها ويحملها إلى مسار التنفيذ ، لتكون سبيلا لتحقيق الحلم الذي أعلنه ملك هذه البلاد .
عندما ننظر إلى الجهات المختصة بإدارة قطاع الصناعة في المملكة نجد أنها تنحصر في ثلاث جهات ، الأولى هي وزارة التجارة والصناعة ، وهي تقوم بدور المشرّع والمنظم والمراقب لهذا القطاع والمؤسسات العاملة فيه . والثانية هي هيئة المدن الصناعية ، وهي المختصة بإدارة المدن الصناعية وتوفير الأراضي المخصصة للمصانع وإدارة تلك المدن وما تضمه من مرافق وخدمات . والثالثة هي صندوق التنمية الصناعي ، وهو الذراع التمويلي المختص بتقديم القروض الحكومية الميسرة والمدعومة للمشروعات الصناعية . هذه المنظومة الثلاثية تقوم بأدوار متكاملة لخدمة القطاع الصناعي وتنظيمه وتنميته ، ولكنها في ذات الوقت تفتقر إلى حلقة هامة من حلقات تنمية الصناعة في المملكة ، وهي تلك المختصة بخلق فرص الاستثمار الصناعي وطرحها أمام المستثمرين بمختلف فئاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم ، ومنهم أخونا أبو عبد الرحمن الذي يمثل نموذجا للباحثين عن فرص مجدية في هذا القطاع .
أذكر أن غرفة الرياض التجارية الصناعية كانت قد نظمت قبل فترة معرضا عن فرص الاستثمار الصناعي في المجالات العسكرية بالتعاون مع المؤسسة العامة للصناعات الحربية ، وهي التي كانت قد أعلنت في تلك المناسبة عن فتحها الباب أمام المستثمرين السعوديين للدخول في مجال صناعة المستلزمات وقطع الغيار للمعدات العسكرية للتعويض عن قائمة طويلة من المستلزمات التي يتم استيرادها من الخارج . وبالرغم من كم الحماسة التي اجتاحت ذلك الحدث ، إلا أن الواقع أبرز عقبة كبرى وقفت حائلا في سبيل تحقيق تلك المبادرة ، إذ أن كل من أرادو الانخراط في هذا القطاع لم يعرفو سبيلا لتنفيذ وإعداد المتطلبات اللازمة لاقتحام هذا المجال ، بما في ذلك اختيار الفرص الملائمة ودراستها وهيكلتها والتخطيط لها والإعداد لتنفيذها . هذا الواقع يمثل حالة عامة تواجه كل المبادرات الناشئة ضمن شريحة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، ليس في القطاع الصناعي فحسب ، بل في كل القطاعات بوجه عام . وإذا أردنا أن نحقق النهوض الذي يتحدث عنه الجميع لهذه الشريحة من الأعمال ، والتي نعلم جميعا أنها تمثل العمود الفقري لاقتصاد أي دولة كانت ، فإن المطلوب هو تنظيم وحشد الجهود لدعم المبادرات الناشئة ، وخاصة في القطاع الصناعي ، وإطلاق حاضنات الأعمال ، وتوفير التمويل المغامر والاستثمار الملائكي ، وهي مصطلحات لا زالت غائبة حتى الآن عن دورة الاستثمار والتنمية الاقتصادية في المملكة . وللتأكيد ، فإن هذه الجهود يجب أن تتجاوز توفير التمويل بشكل منفرد ، بل يجب أن تشمل أيضا الإرشاد والتوجيه والدعم الفني والتقني والإداري ، لتعظيم فرص النجاح لتلك المبادرات والاستثمارات الناشئة . وفي رأيي فإن التركيز على جانب التمويل فقط في هذه العملية هو ما أدى إلى تأخير وإنقاص نجاح جهود بنك التسليف والادخار وصندوق المئوية وغيرها من المؤسسات التي رفعت راية دعم الكيانات الصغيرة والمتوسطة ، وهو ما يجب أن يكون دافعا لإعادة هيكلة منظومة الدعم هذه ، حتى تتحقق الأهداف المرجوة منها ، بعيدا عن البهرجة والتطبيل الإعلامي .
انطلاقا من هذا الحديث ، ولكي نحقق التطلعات الوطنية في تنمية القطاع الصناعي ، فإنني أوجه الدعوة لتأسيس مركز لتنمية المشروعات الصناعية ، بمبادرة من مجلس الغرف التجارية الصناعية ، يكون الغرض منه العمل على خلق وحصر الفرص في مجال الصناعة في المملكة ، وإعداد الدراسات الفنية والتسويقية والمالية الأولية لها ، وتأسيس قواعد ومراكز للمعلومات والبيانات ، وإدارة مجمل منظومة العلاقات بين الجهات الثلاث المختصة بإدارة القطاع الصناعي . أجزم أن هذا المركز ، إن رأى النور يوما ، سيكون له الأثر الأكبر في دفع عجلة التنمية الصناعية في المملكة ، والمساهمة في خلق فرص استثمارية واعدة ومجزية لأبناء الوطن ، وتنويع قنوات الاستثمار بعيدا عن القناتين اليتيمتين ، العقار والأسهم ، واللتين عصفتا بمدخرات الناس ، وأسهمتا في مفاقمة الواقع المعيشي المخل الذي نعاني منه جميعا .