بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٨ مايو ٢٠١٢

اضحك مع الخطوط السعودية

لم أعتد فيما سبق أن أكون كاتبا ساخرا ، مع أني أؤمن أن شر البلية ما يضحك ، على الأقل لكي لا أموت بحسرتي من كم ما أراه وأعايشه يوما بعد آخر من أحداث ومواقف في بلدي الحبيب . وفي مرحلة سابقة من حياتي ، كنت قد خضت تجربة الكتابة اليومية في مدونة إلكترونية أنشأتها لأبثها همومي وتجاربي اليومية ، على الأقل على سبيل الفضفضة ، وعنونتها بمقدمة قلت فيها "أن تجربة الكتابة الأسبوعية في الصحافة هي تجربة ثرية من ناحية ، ولكنها من ناحية أخرى تشكل معاناة للكاتب ، من جهة أنها تخلق لديه حسا لالتقاط الأحداث والأخبار لتشكل قائمة طويلة من العناوين والموضوعات ، وهو ما يجعل الكتابة الأسبوعية وسيلة غير كافية لتفريغ مخزون الذاكرة من الموضوعات والعناوين. هذه المدونة ستكون الملجأ الذي أسطر فيه أطروحات يومية من ذلك المخزون ، علها تكون وسيلة لتسجيل خواطري حول الوطن والتنمية والناس" . هذه التجربة استمرت عاما كاملا بالتمام والكمال ، توقفت بعدها تحت وطأة بعض الضغوط الشخصية والمعنوية ، واكتفيت بمقالي الأسبوعي في هذه الجريدة . اليوم على وجه الخصوص ، وهو يوم الجمعة بالمناسبة ، احتجت إلى تفريغ الضغوط التي تكالبت علي من مواقف متتالية تصادف أن يكون بطلها جميعا الخطوط الجوية العربية السعودية . وحتى لا يمل الإخوة القراء من هذا التكرار الممجوج من سرد قصص المعاناة مع الخطوط السعودية ، فقد قررت أن أحاول اتخاذ موقف الكاتب الساخر ، تاركا للقاريء الكريم الحكم على هذه المحاولة ، وربما أيضا التعليق على مضمون هذه القصة .
وصلت في الساعة السابعة إلى مطار جدة مع بعض الإخوة عائدين من رحلة إلى خارج المملكة ، وانتقلت مع عدد من رفقاء الرحلة إلى صالة المغادرة الداخلية ليلحق كل منا بطائرته لتأخذه إلى محطته الأخيرة . ولما كان موعد رحلتي المجدولة إلى الرياض في الساعة العاشرة فقد ذهبت إلى كاونتر الخطوط السعودية محاولا الحصول على مقعد في رحلة أبكر من تلك الرحلة . موظف الخطوط أفادني بأن مقاعد كل الرحلات محجوزة مسبقا ، ولا مجال البتة لتحقيق هذا المطلب ، اللهم إلا عبر تسجيل اسمي في قائمة الانتظار ، وهو ما يتطلب إلغاء حجزي الأصلي ونقل رقم التذكرة إلى حجز الانتظار . تعجبت من هذه الإفادة ، إذ كيف يمكن أن أتخلى عن حجز مؤكد متعلقا بأمل واه في حجز على قائمة الانتظار ، ثم أن الانتظار لا يعد حجزا في حد ذاته حتى يقوم بتفعيل التذكرة عليه . لم يجد النقاش نفعا ، فطلبت من الموظف إصدار بطاقة صعود الطائرة وذهبت إلى صالة الفرسان وأنا أفكر كيف سأقضي هاتين الساعتين في انتظار موعد إقلاع الرحلة .
بينما كنت أتجول في صالة المطار وجدت أحد رفاق الرحلة وقد وصل إلى صالة الفرسان للتو بعد أن أنهى إجراءات سفره على رحلة لخطوط طيران ناس . هذا الرجل هو عضو في مجلس الشورى ، ويحمل بطاقة الفرسان الذهبية التي تخوله الدخول إلى صالة الفرسان كما تقول اللافتة المنصوبة على مدخل الصالة . ولكن موظف استقبال الصالة رفض السماح له بالدخول محتجا بأن القاعة مخصصة فقط للمسافرين على الخطوط السعودية ، طالبا من هذا الرجل أن يلجأ إلى مدير المطار لحل مشكلته . الرجل ذهب طائعا إلى مدير المطار الذي كان من اللطف أن اتصل بموظف الصالة ولامه على هذا الخطأ ، وطلب معتذرا من صديقي المسافر العودة إلى الصالة معززا مكرما . عندما وصل الرجل إلى الصالة وجد موظفا آخر على كاونتر الاستقبال ، ليتكرر معه أيضا موقف الرفض لدخول الصالة ، وهو موقف لم ينته إلا بعد كثير من الجدل والأيمان المغلظة عن موقف مدير المطار ، فدخل الرجل صالة الفرسان فاتحا منتصرا . ولو أنه سألني لنصحته بعدم الإلحاح على تحقيق هذا النصر المبين ، إذ لا مكسب يستحق خوض هذه المعركة من الأساس . فصالة الفرسان ليست إلا حالة مزرية من الامتنان الأجوف الذي تمارسه الخطوط لسعودية على مسافريها . أنا لا أريد أن أعقد تلك المقارنة الظالمة مع كل ماهو في بلادي وما يقابله في أماكن أخرى من العالم ، دبي على سبيل المثال . صالة الدرجة الأولى في مطار دبي تجربة ممتعة بكل ما تعنيه الكلمة ، تلوح فيها علامات الكرم والضيافة بصنوف شتى من الأطعمة والمشروبات ومقاعد وثيرة وتجهيزات متقدمة . في المقابل ، فإن حاويات الطعام في صالة فرسان مطار جدة كانت فارغة عندما وصلت إليها . وعندما سألت موظف الاستقبال عما إذا كان سيعاد ملؤها أجابني أن الأطعمة تقدم فقط في وقت الغداء ووقت العشاء ، وبخلاف ذلك فلا يتم تقديم شيء سوى بعض الشطائر الخفيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع . تحاملت على نفسي وآثرت الصمت وجلست ممسكا بحاسوبي الصغير لأراجع رسائل بريدي الإلكتروني التي انقطعت عنها لثلاثة أيام متواصلة . المفاجأة الجديدة كانت أن شبكة الانترنت في صالة الفرسان لا تعمل ، فتوجهات مرة أخرى إلى موظف الاستقبال سائل عن هذا الخلل ، فقال أن ضغط المستخدمين على الشبكة هو السبب ، وأنه لا يملك فعل شيء إذ أن موظف صيانة الشبكة لا يأتي إلا صباحا . مظهر آخر من مظاهر الاستخفاف بالمسافرين ، وهو مظهر يصبح أكثر استفزازا عندما يكون مصحوبا بهذه اللغة الجامدة المتعالية من مثل هذا الموظف . قلت لنفسي ، إذا كان هذا هو الحال في صالة الدرجة الأولى ، فكيف هو الحال في صالات المسافرين العامة ممن لم تتهيأ لهم وسائل الراحة والمتعة التي خصصتها الخطوط السعودية لنخبة مسافريها ؟ .
اكتفيت بما رويت من القصة ، فختمت المقال تمهيدا لإرساله إلى الجريدة ، لأستعد بعدها لصعود طائرتي متجها إلى الرياض لأنهي يوما جديدا من أيام المعاناة مع الخطوط السعودية ، داعيا الله ألا تمتد هذه المعاناة أثناء الرحلة ، وإلا فإنني سأضطر إلى إرسال ملحق لهذا المقال إلى الجريدة لأكمل مسرحية هذا المساء مع الخطوط السعودية .

الاثنين، ٢١ مايو ٢٠١٢

عهد جديد لهيئة الاستثمار


جلست يوم الخميس بحسب عادتي الأسبوعية أستعد لكتابة مقال الأسبوع في هذه الجريدة ، وإذ بهاتفي الجوالي يرن منبئا بوصول رسالة نصية . تناولت هاتفي وفتحت الرسالة لأجد فيها خبر صدور عدد من القرارات الملكية بتعيين عدد من  المسئولين في مواقع قيادية في عدد من مؤسسات الدولة . سيطر على نفسي حينها شعور طاغ بالتفاؤل ، خاصة عندما قرأت من بين الأسماء التي تضمنها الخبر اسم المهندس عبد اللطيف بن أحمد العثمان الذي تم تعيينه محافظا للهيئة العامة للاستثمار . هذا الرجل كنت قد التقيته أثناء تلك الزيارة التي استضافتني وعدد من كتاب الرأي فيها شركة أرامكو السعودية ، فعرفته رجلا محملا بكنوز من المعرفة والمهارات والرؤية الثاقبة انعكست سجلا حافلا بالإنجازات والنجاحات التي شكلت لبنة هامة في سجل نجاح وتميز هذه الشركة الرائدة . المهندس عباس بن أحمد هادي الذي تم تعيينه نائبا لوزير الإسكان هو أيضا أحد رجالات هذه الشركة ، وهو ما يؤكد الدور الحيوي الذي تقوم به في منظومة التنمية الوطنية ، إذ هاهي تمد مؤسسات الدولة بكفاءات بشرية مميزة ليسهمو في إدارة مؤسسات الدولة باقتدار ، عبر نقل مفاهيم ومهارات العمل الاحترافي في هذه الشركة إلى القطاع الحكومي بما يمكن أن يسهم في تطويرها والارتقاء بمستويات الأداء فيها . وإذ أزف التهنئة خالصة لهذين الرجلين ، وللدكتور خالد بن عبد القادر طاهر الذي تم تعيينه أمينا لمنطقة المدينة المنورة ، فإنني أدعو الله العلي القدير لهم بالتوفيق والسداد ، وأن يتمكنو من تحقيق نجاحات يتطلع إليها الوطن في مؤسسات تحمل مسئوليات جسام في منظومة التنمية الوطنية .
الهيئة العامة للاستثمار كانت على مدى السنوات الماضية محل نقد الكثيرين من الكتاب والمحللين ، وأنا منهم ، عطفا على المنهج الذي اتبعته ، والآثار التي أوقعها هذا المنهج على واقع الاستثمار وقضايا التوظيف ودور الاستثمار الأجنبي في هيكل الاستثمار والاقتصاد الوطني . كل ذلك النقد لم يكن الغرض منه شخصنة القضية ولا الهجوم على أحد بعينه ، بل كان غرضه الدفع لتحقيق النجاح المأمول لهذه الهيئة في الارتقاء بواقع وبيئة الاستثمار الوطني ، وتفعيل دورها في معالجة قضايا هذا القطاع الحيوي بما يعود بالنفع على الوطن والمواطنين . إلا أن واقع الحال في تلك الحقبة أبرز حالة من التفرد بالرأي ، وهي حالة عطلت أية إمكانية للاستفادة من الآراء المطروحة على ساحة الرأي . والهيئة وهي تبدأ عهدها الجديد تحت قيادة المهندس عبد اللطيف العثمان تواجه الكثير من التحديات والآمال التي تتطلب من هذا الرجل الاستماع إلى تلك الآراء وتمحيصها والاستفادة منها ، إذ هو يواجه مهمة تصحيح الانحرافات التي شابت مسيرة الهيئة في العهد الفائت ، وحالة التركيز على الأرقام كمؤشر على الإنجازات والنجاحات دون أن يكون لها أثر ملموس على أرض الواقع ، وأيضا حالة التركيز على جانب الاستثمار الأجنبي واللهث الدؤوب وراء استقطابه عوضا عن التركيز على تحسين بيئة الاستثمار المحلية ومعالجة ما تواجهها من مشاكل وعقبات ، بما يمكن أن يوفر بيئة جاذبة للاستثمارات المحلي منها والأجنبي .
أقول هنا لمحافظ الهيئة الجديد ، هيئة الاستثمار يجب أن تكون راعية ومنظمة ومسئولة عن كل جوانب الاستثمار ، وهي مسئولة أيضا عن تحقيق مكتسبات حقيقية تعود على الوطن والمواطنين بالنفع والرخاء . أول مهام الهيئة في عهدها الجديد يجب أن تكون تلمس وفهم وحصر العقبات التي تواجه بيئة الاستثمار في المملكة ، والعمل على معالجتها وتذليلها أمام كل فئات المستثمرين وشرائحهم ، ومد الجسور بين مؤسسات الدولة المختلفة ليسهمو جميعا في تحقيق رؤية وطنية لتنمية قطاع الاستثمار . بيئة الاستثمار المحلي يا معالي المحافظ تعاني الأمرين من سطوة بعض الجهات الحكومية وتعنتها تجاه المستثمرين المحليين ، فيما هيئة الاستثمار أتاحت المجال للمستثمرين الأجانب ليرتعو في أرض الوطن ، إما بوعود زائفة عن استثمارات مليارية لم يتحقق منها إلى نزر يسير ، وإما بمؤسسات خدمية وكيانات واهية ضعيفة كل ديدنها استنزاف مقدرات الوطن وموارده المالية وتهجيرها إلى الخارج ، وليست مؤسسات المقاولات ومحلات المطاعم والحلاقة وغيرها بعيدة عن رؤية الجميع على أرض الواقع . هيئة الاستثمار يا معالي المحافظ يجب أن تحرص كل الحرص على أن تسهم هذه الاستثمارات الأجنبية على توفير فرص عمل لأبناء الوطن ، وهو ما ترفعت عنه في عهدها السابق بشكل أصاب الكثيرين بخيبة أمل خانقة . أذرع الدولة الاستثمارية سبقت الكيانات الخاصة في ضخ المليارات من الدولارات في استثمارات خارج حدود الوطن ، بينما الهيئة تستقطب الاستثمارات الأجنبية إلى أرض الوطن ، وهو لعمري تناقض مخل لا يمكن فهمه . والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ليست إلا مثالا على هذا الواقع ، فهي تملك ما يزيد عن 300 مليار ريال من الاستثمارات الأجنبية خارج المملكة ، ومثلها كذلك المؤسسة العامة للتقاعد ، وصندوق الاستثمارات العامة ، ومؤسسة النقد العربي السعودي ، وغيرها الكثير مما نعلمه ولا نعلمه . معالجة هذا الواقع المرير تتطلب معالجة واقع بيئة الاستمار المحلي ، والعمل على خلق فرص استثمار واعدة تجذب الاستثمارات المحلية منها والأجنبية ، وتحقق لأبناء الوطن فرصا وظيفية بعيدا عن استجداء المعونة التي يقدمها برنامج حافز وزارة العمل . قضية التستر الخفي والمعلن هي أيضا إحدى القضايا التي يجب على الهيئة أن تبادر إلى معالجتها معالجة جذرية ، وليس قطاع محلات التجزية والخضار إلا نموذجا لهذه الواقع المخل في هذه الظاهرة .
خلاصة القول ، هيئة الاستثمار دخلت اليوم عهدا جديدا ملؤه التفاؤل النابع من شخصية قائدها الجديد ، وقادة الوطن وأبناؤه جميعا يترقبون بشغف ما سيقدمه لهم . أعلم أن المهمة صعبة ، وأعلم أيضا أنه أحد أكفأ من يمكن لهم أن يضطلعو بها باقتدار . وإذا كانت ثقة القيادة قد برزت هذه المرة في أحد أجمل صورها ، فإنني أدعو الله العلي القدير لهذا الرجل بالتوفيق والسداد ، عسى أن يتحقق على يديه الأمل المنوط بهذه المؤسسة الحيوية ، والحلم الذي يراود خيال كل مواطن من أبناء هذا الوطن الحبيب .

مشروعات وزارة الإسكان تحت المجهر


ملتقى الرياض للعقارات الذي عقد في الأسبوع قبل الماضي حمل فرصة للحضور للاطلاع على مشروعات وزارة الإسكان الجاري تنفيذها في الوقت الراهن ، والتي بلغ عدد وحداتها السكنية الإجمالي أكثر من 16000 وحدة موزعة على عدد من المواقع في أنحاء المملكة . فريق الوزارة الهندسي قدم في أحد جلسات الملتقى عرضا مصورا مسهبا عن هذه المشروعات ، وهو العرض الذي كان موضوعا لنقاش معمق من حضور تلك الجلسة ، وخاصة من المختصين في مجال البناء والتنمية العمرانية . والمعلوم أن هذه المشروعات تمثل باكورة مشروعات الوزارة التي بدأ العمل عليها ضمن مهمة هيئة الإسكان قبل تحويلها إلى وزارة للإسكان ، وهي التي كانت أعلنت في ذلك الحين عن تخطيطها لإنشاء حوالي 26000 وحدة سكنية ضمن برنامجها الأولي لمعالجة أزمة العرض في سوق الإسكان في المملكة ، وهو البرنامج الذي تم دعمه في وقت لاحق بمنحة المقام السامي لإنشاء 500000 وحدة سكنية خصص لها مبلغ 250 مليار ريال ، بخلاف الميزانية المخصصة لإنشاء الدفعة الأولى من وحدات البرنامج . مسألة قيام الوزارة بمهمة البناء المباشر لهذه الوحدات لا زالت محل تحفظ من الكثيرين من المختصين والكتاب ، وأنا منهم ، حيث أن الكثيرين يحملون قناعة راسخة بأن الوزارة يجب أن تقوم بدور المنظم والمشرع والمراقب لهذا القطاع ، وأن توكل مهمة البناء إلى شركات التطوير العقاري المتخصصة عبر شراكات محددة المعالم مع القطاع الخاص . وحتى تصل الوزارة إلى تبني هذا المنهج ، فإنها على الأقل مسئولة عن تنفيذ هذه المشروعات بما تتطلبه من جودة نوعية يمكن أن تؤسس نموذجا يحتذى من قبل شركات التطوير العقاري . وفي هذا الإطار ، فإنني أعرض في هذا المقال تقييما فنيا لهذه المشروعات التي عرضتها الوزارة ، متطلعا إلى أن يسهم هذا التقييم في تطوير مستوى العمل في بقية مشروعات الوزارة . وإذا كانت هذه المشروعات قد تم العمل على إنجازها تحت وطأة الضغط الرسمي والشعبي والإعلامي الذي دأب على مطالبة الوزارة بسرعة الإنجاز ، إلا أن هذا الضغط لا يجب أن يكون سببا في إنتاج مشروعات رديئة متدنية المستوى ، خاصة في ظل استعانة الوزارة بشركة بارسونز العالمية لتولي مهمة تقديم الخدمات الاستشارية لمشروعاتها المقبلة ، بالرغم من التساؤلات المثارة حول نظامية هذا التعاقد .
الصفة الأولى التي اتسمت بها مشروعات الوزارة التي رأيتها في العرض كانت النمطية الطاغية على كل المستويات . فمن الناحية التخطيطية لم تخرج المشروعات عن نموذج التخطيط الشبكي التقليدي الذي نراه في كل مشروعات التطوير العقاري التقليدية ، والذي يتبنى سيطرة السيارة على منهج التخطيط . ولا زالت قطع الأراضي الموجهة لبناء الفلل السكنية بمساحات كبيرة أساسا لهذا المنهج ، مع كل ما يحمله من هدر في الأراضي والموارد . صفة النمطية امتدت لتطبع أيضا تصاميم الوحدات السكنية في هذه المشروعات ، فجميع الوحدات السكنية متماثلة في الطابع والتصميم المعماري في إغفال تام لكافة المؤثرات البيئية والطبيعية والجغرافية والاجتماعية والثقافية التي تتباين من موقع لآخر ومن منطقة لأخرى . قد يكون السبب وراء هذا الخلل هو قيام الوزارة بتبني نموذج محدد للوحدة السكنية دون فهم ودراسة شرائح وفئات المستخدمين ، إذ أن الوزارة لم تتمكن حتى الآن من تحديد فئات ونوعيات هؤلاء المستخدمين ، ولا حتى آلية توزيع الوحدات السكنية عليهم . وبالتالي ، فإن الوزارة وضعت نفسها في موقع التصميم الجزافي الذي سيؤدي حتما إلى كثير من الخلل والهدر في تلبية احتياجات المستخدمين عند توزيع الوحدات عليهم . وحتى لو قبلنا بهذا الواقع ، فإنه من غير المقبول أن تكون جميع الوحدات السكنية في هذه المشروعات متماثلة إلى حد التطابق الممل والممجوج سواء كان المشروع واقعا في سهل أو على جبل أو قريبا من البحر ، وسواء كان في أي من مناطق المملكة التي يملك كل منها رصيدا ثمينا من الثقافة والطراز العمراني المحلي المميز لكل منها .
الصفة الثانية التي طبعت هذه المشروعات هي تبنيها منهج البناء التقليدي الشائع باستخدام الخرسانة المسلحة والصب في الموقع ، مع كل ما يحمله هذا المنهج من هدر في الموارد والوقت وجودة التنفيذ . والغريب أن النمطية التي تبنتها الوزارة في تصميم الوحدات السكنية كان يجب أن تكون دافعا لتبني أنظمة بناء حديثة تستخدم المعيرة والنمذجة أساسا للبناء ، لتحقيق الفائدة المرجوة في رفع الجودة وخفض التكاليف ومدد البناء وتقليل الاعتماد على العناصر البشرية في البناء بما يؤدي إلى تخفيض الأخطاء الفنية في التنفيذ . إن هذا العدد الكبير من الوحدات السكنية التي تقوم الوزارة ببنائها يمكن أن يكون وسيلة لاختبار وتجربة العديد من أنظمة البناء المتقدمة التي يجري تطبيقها في أنحاء كثيرة من العالم ، خاصة وأن الوزارة تتمتع بقدرة لا تملكها شركات التطوير العقاري التي تتذرع دوما بعدم استطاعتها تحمل مخاطر تقديم أنظمة جديدة قد لا يقبلها السوق . ولو أن الوزارة تبنت هذا المنهج فإنها بذلك لن تحقق ارتقاء بمستوى ونوعية وحداتها السكنية فحسب ، بل إنها ستسهم في تغيير ثقافة السوق ، وتصحيح المفاهيم العامة للمستخدمين تجاه النمط التقليدي السائد في البناء .
الجانب الأهم الذي وجدته غائبا في منهج الوزارة هو غياب مفهوم إدارة المشروعات وإدارة التنفيذ في مشروعاتها القائمة والمقبلة ، وهو ما يعود في الأساس إلى اضطرارها إلى العمل وفق نظام المشتريات الحكومية البالي ، خاصة وأن وزارة المالية لم تتمكن حتى الآن من تنفيذ التوجيه السامي بتطبيق منهج إدارة المشاريع في مشروعات التنمية . والحقيقة أن حالة النمطية والتماثل التي تطبع مشروعات الوزارة تمثل دافعا لتبني هذا المنهج ، وهو ما سيمكن الوزارة من تحقيق سيطرة كبرى ووفر مادي هائل في إدارة المشتريات المركزية لمواد وعناصر البناء على سبيل المثال . وإذا كانت الوزارة قد تمكنت من تجاوز الأنظمة في مسألة التعاقد مع شركة بارسونز لتحقيق هدفها في الاستعانة بخبرة عالمية متخصصة ، فإنها لن تألو سبيلا لإيجاد وسيلة تمكنها من استباق تعثر وزارة المالية في تبني منهج إدارة المشروعات وتطبيقه على مشروعات الإسكان إن هي آمنت بحتمية وجدوى تطبيقه في هذه المشروعات .
خلاصة القول ، وزارة الإسكان تحمل أمانة ومسئولية كبرى في هذه القضية ، وهي مسئولية تتجاوز مسألة الكم إلى الكيف في تنفيذ المشروعات . والأكيد أن الوزارة لم تتمكن حتى الآن من الخروج عن نمطية منهج البناء التقليدي الذي أظهرها في صورة المطور العقاري الرديء . وهي الآن مطالبة بفهم الدروس المستقاة من تجاربها وتجارب الآخرين السابقة ، وأن تعمد إلى تبني مفاهيم جديدة مختلفة في بناء مشروعاتها المقبلة ، هذا إذا استسلمنا مرة أخرى لحتمية قيامها بالبناء المباشر لهذه المشروعات .

الاثنين، ٧ مايو ٢٠١٢

إذا كنت لا تدري ... يا معالي وزير الإسكان

معرض الرياض للعقارات لهذا العام حقق نقلة نوعية كبرى ، وهو ما يشير من ناحية إلى تنامي مستوى الاحترافية لدى الشركة المنظمة ، ومن ناحية أخرى إلى نهضة كبرى لقطاع العقارات تلوح في الأفق ، ويؤمل منها أن تعكس أيضا تناميا في احترافية الشركات العقارية لكي تتمكن من الإسهام الفاعل في معالجة أزمة الإسكان التي كانت المحور الرئيس للملتقى المصاحب للمعرض ، والذي سيطرت عليه وزارة الإسكان سيطرة تامة ، فكانت جميع جلساته مخصصه لمنسوبي الوزارة لعرض خططهم ومشاريعهم وتوجهاتهم في التعاطي مع هذه القضية الحيوية . وفي الحقيقة ، فإن ما طرحته الوزارة في هذا الملتقى يبرز تحولا في رؤية الوزارة حول دور القطاع الخاص من ناحية ، وطبيعة التوجهات الاستراتيجية لمعالجة هذه الأزمة من ناحية أخرى . إلا أنه لم يبرز جديدا في مسألة تعاطي الوزارة مع مشروع بناء الخمسمائة ألف وحدة التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين ، إذ لا زالت الوزارة مصرة على القيام بدور المطور في هذا المشروع ، ولا زالت تديره بذات المنهجية العقيمة التي تتبع نظام المشتريات الحكومية ، وهو مالا يمكن أن يحقق النجاح المأمول لهذا المشروع ، خاصة بعد أن عرضت الوزارة واقع مشروعاتها القائمة ، والذي يعاني من كثير من المشاكل والعثرات في طبيعة المنتج الذي قدمته الوزارة .
لا أريد هنا أن أكرر الحديث عن مشاكل هذا المنهج ، إذ أن هذا الحديث أصبح ممجوجا ومكررا للإخوة القراء ، ولابد أن يكون قد بلغ مسامع المسئولين في الوزارة ، حتى أنني قدمت على مسامع مستشار الوزير الذي حضر الملتقى تلخيصا لطبيعة المشكلات الفنية التي تعاني منها هذه المشروعات . السؤال الذي طرحته في الملتقى جاء على النحو التالي ، إذا كانت الوزارة قد أقدمت على تنفيذ المجموعة الأولى من مشروعاتها وفق هذا المنهج تحت ضغط إلحاح القيادة والرأي العام ، فما هو الأمر المختلف الذي ستقدمه شركة بارسونز التي تعاقدت معها الوزارة للقيام بالأعمال الاستشارية للمشروع ، وما هو دورها في تصحيح هذا المنهج والارتقاء بنوعية المنتجات السكنية التي ستقوم الوزارة بتنفيذها ، وما هو الإطار التعاقدي المحدد في علاقة الوزارة مع هذه الشركة . غرض السؤال كان الإجابة على الملاحظات السابقة التي طرحتها في مقال سابق عن نظامية هذا التعاقد ، ومحاولة البحث عن مبرر فني للتجاوز الذي وقعت فيه الوزارة بالتعاقد مع كيان أجنبي للقيام بمهام استشارية مخالفة لحدود الترخيص الذي تحمله الشركة في المملكة . مسئول الوزارة الذي أجاب عن السؤال قال أن الشركة مسئولة عن تقديم خدمات الدراسات والتصميم والإشراف على التنفيذ لمشروعات الوزارة الكبرى ، وهو إجراء يعكس حرص الوزارة على توظيف خبرات فنية متقدمة لخدمة هذه المشاريع والارتقاء بمستويات تطويرها وتنفيذها . أنا في الحقيقة لم أقتنع بهذا الجواب ، إذ أنني لا زلت مؤمنا بأن هذه المشروعات لا تتطلب خبرات فنية خاصة بخلاف تلك التي تتمتع بها كثير من الكيانات الاستشارية الوطنية . وبالتالي ، فإن قيام الوزارة بمثل هذا التعاقد المخالف للأنظمة لا يبرره هذا المطلب بالرغم من أهميته . والأهم من ذلك أن استئثار هذه الشركة بعقد واحد ضخم للقيام بهذه المهمة إنما هو مخاطرة كبرى تقوم بها الوزارة ، إذ كان الأجدر بها أن تقوم بتوزيع المسئوليات على عدد أكبر من الشركات الاستشارية ، حتى تنحصر مسئولية كل منها في مشروع واحد محدد عوضا عن شيوع المسئولية وتشتتها بين عدد كبير من المشروعات والمواقع .
مسئول الوزارة قال أيضا أن هذا التعاقد تم وفق نظام المشتريات الحكومية ، وأن اختيار هذه الشركة تم من بين عشر شركات استشارية عالمية تتمتع كلها بخبرات متقدمة في مجال الخدمات الاستشارية وتنمية المشروعات . وأنا هنا أوجه سؤالي لمعالي وزير الإسكان فأقول له ، ألا تعلم يا معالي الوزير أن هذه الشركة لا تحمل ترخيصا نظاميا يخولها العمل في مجال الخدمات الاستشارية الهندسية في المملكة ، وإنما هي تحمل ترخيصا للمقاولات المتخصصة في التصميم والتنفيذ ، وهو ترخيص يحصر نشاطها في مجال مشروعات الطاقة والنفط والبتروكيماويات . ثم ألا تعلم يا معالي الوزير أن نظام المشتريات الحكومية الذي يقول مسئول وزارتك أن الوزارة تبنت قواعده في هذا التعاقد يفرض أن تكون الشركات المتقدمة لمثل هذه المنافسات حاصلة على تراخيص مهنية من الجهات المختصة في المملكة ، وهي في هذه الحالة الهيئة السعودية للمهندسين ، وهو مالم يتحقق في حالة هذه الشركة . ألا تعلم يا معالي الوزير أن عدم حصول هذه الشركة على مثل هذا الترخيص يحمل مخاطر جمة على الاقتصاد الوطني وفرص نجاح مشروعات الوزارة ، كون هذه الشركة لا تحمل أية مسئولية مهنية عن الأخطاء المحتملة في إنجاز مهامها في ظل عدم حصولها على هذا الترخيص . ربما يكون الجواب على كل هذه الأسئلة هو النفي ، وربما لا يكون معالي الوزير عالما بكل هذه البديهيات ، ولكنني أقول له حينها ، إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم .
الأمر الإيجابي الذي خرجت به من معرض وملتقى العقارات لهذا العام هو أن الوزارة أبرزت اهتماما مختلفا هذه المرة بالاستماع لوجهات نظر الحضور والتفاعل معها بإيجابية . كل ما أرجوه ألا يكون هذا الأمر مشهدا تمثيليا محضا لا يعدو أن يكون وسيلة من وسائل العلاقات العامة والتلميع الإعلامي ، وأن يكون بحق منهجا جديدا تتبناه الوزارة في التعاطي مع قضية تعد أحد أهم قضايا التنمية الوطنية . أولى الخطوات التي أرجو أن تقوم الوزارة بها هو تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه بهذا التعاقد الذي يصفه البعض بالمشبوه ، وأن تعمد إلى إشراك الكيانات الاستشارية الوطنية في مشروعاتها ، هذا إذا استسلمنا لحتمية قرار الوزارة بالاستمرار في منهج البناء الذاتي لهذه المشروعات . فالخطأ الذي وقعت فيه الوزارة بهذا التعاقد لا ينحصر فقط كونه مخالفا للأنظمة الرسمية ، بل إنه كذلك حرم الكيانات الاستشارية الوطنية من فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى للمشاركة في مشروع وطني جبار أهداه ملك البلاد الصالح لأبناء الوطن ، لا ليقطف ثمراته وملياراته كيانات أجنبية دخيلة لا تحترم هذا البلد ولا أنظمته وتشريعاته .