بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، ٢٨ أغسطس ٢٠١١

عيد بأية حال عدت يا عيد


يطل علينا يوم غد أو بعد غد عيد الفطر المبارك مؤذنا بنهاية شهر الخير والبركة . ومع حلول كل عيد أجدني أستذكر قول المتنبي ، عيد بأية حال عدت يا عيد ، بما مضى أم بأمر فيك تجديد . هذا البيت يدفعني إلى تسجيل مشاهد الحياة في محيطي البسيط باحثا عن أوجه التجديد والتغيير والتطور . وأجدني أرى في هذه المشاهد كثيرا من التباين بين أوجه شهدت تغييرات سلبية كانت أو إيجابية ، ومشاهد أخرى بقيت تراوح مكانها دون تجديد . وفي هذا العيد ، وبعد أن سجلت بقلمي كثيرا من الرؤى والأطروحات حول قضايا وموضوعات تهم الوطن والمواطن ، وجدتني أجري مراجعة سريعة لعناوين تلك الموضوعات ، وأسترجع ما مسها من تجديد وتطوير وتغيير ، فوجدتها وقد تباينت في حظها من التطوير والتجديد المأمولين ، بما خلق في نفسي خليطا من مشاعر الإحباط والتفاؤل . صحيح أن كثيرا من هذه القضايا يتطلب حلها كثيرا من الجهد والوقت ، ولكن ما يثير الإحباط في ذلك البعض هو أنها لم تجد بعض ذلك الاهتمام الجاد الذي يضعها على الأقل على طريق الحل . والمشكلة أن كثيرا من تلك الموضوعات كانت محل النقاش والحديث من كثير من كتاب الرأي ومختلف فئات المواطنين ، ومع ذلك فهي لا زالت تراوح مكانها دون أن تطالها يد التغيير أو التناول الجاد بما تستحقه من اهتمام . أقول هذا ليس من قبيل تسجيل النقد فحسب ، بل تعبيرا عن حالة من الأمل في أن تكون أعيادنا محطات من الفرح والتفاؤل نرى فيها بلادنا وقد أصبحت في كل عيد في حال أفضل وأحسن من العيد الذي سبقه .
يحل علينا العيد وأزمة الإسكان لا زالت تراوح مكانها ، حتى ما شهدته هذه الأزمة من مبادرات وقرارات حكومية عبرت عن اهتمام القيادة بحلها ، إلا أن تلك الحلول لا زالت حبيسة عوائق التنفيذ الفعال ، خاصة مع تأخر صدور أنظمة الرهن العقاري التي طال الحديث عنها ، وتعثر جهود وزارة الإسكان بحسب منهج العمل الذي اختارته لنفسها ، وعجز صندوق التنمية العقاري عن تحقيق تطوير حقيقي لآليات عمله .
يحل علينا العيد ومشكلة استهلاك الطاقة الجائر لم تجد بعد أي اهتمام حقيقي من الجهات المسئولة ، أو أية مبادرات جادة للتعامل معها ، مع أنها تمس المورد الأهم من موارد الدولة ، وتعترض سبيل تأمين مستقبل الأجيال القادمة من مخاطر محدقة به حيال نضوب هذا المورد .
يحل علينا العيد وأجهزة الدولة لا زالت تعمل دون استراتيجية موحدة ، تبذل كل منها جهودا مضنية في سبيل تنفيذ مهامها ، ومع ذلك لا تؤتي هذه الجهود ثمارها نتيجة لهذا الخلل في التنسيق والتكاتف والعمل وفق رؤية استراتيجة وخطة مركزية موحدة ، وكأن كلا منها جزيرة مستقلة لا يربط بينها رابط ولا يجمعها مصير واحد مشترك .
يحل علينا العيد والشكوى مستمرة من قصور دور البنوك التجارية في دعم مسيرة التنمية ، وتوفير حلول التمويل الفاعلة التي يمكن أن تنهض باقتصاد البلاد ، في الوقت الذي تتضخم فيه خزائن هذه البنوك بأموال سائلة مودعة لا تحقق حتى للمساهمين فيها عوائد مجزية من توظيف تلك الأموال .
يحل علينا العيد وأزمة البطالة لا زالت مستشرية بين شباب الوطن ، وأفواج الأجانب تترى لتحصد خيرات البلد وأمواله لتصدرها إلى بلدان أخرى لينعمو بها . كل هذا ووزارة العمل تعيش حالة من العزلة عن واقع المشكلة ، وتخرج علينا ببرامج لا تعدو أن تكون حلولا مبتسرة تخضع فيها اقتصاد البلد ومواطنيه لتجارب لا يدري أحد كم ستحقق من النجاح .
يحل علينا العيد والحديث يتكرر عن هيئة الاستثمار ودورها الحاضر الغائب عن إدارة منظومة الاستثمار في البلاد ، والاكتفاء بتوجيه اهتمامها وعنايتها لاستثمار أجنبي غلب عليه فقر الحال وضعف المساهمة الحقيقة في نقل التقنية والمعرفة وتطوير اقتصاد البلد ، وتنقل في ذات الوقت إلى المواطنين رسائل إعلامية جوفاء تعلن إنجازات وأرقاما لا نراها على أرض الواقع .
يحل علينا العيد ومشروع تطوير القضاء يسير بخطى السلحفاة ، وحقوق الناس لا زالت حبيسة ذات المفاهيم التقليدية في التعاطي مع مشاكلهم وخلافاتهم ، حتى أصبح هذا القطاع العقبة الأكبر في سبيل الارتقاء باقتصاد البلد ونجاح مساعي جهات حكومية أخرى في تطويره والنهوض به .
يحل علينا العيد والحديث عن الفساد بأوجهه الكثيرة لا زال شائعا بين الناس ، حتى مع إنشاء هيئة لمكافحته غاب الحديث عنها وباتت يخشى عليها أن تكون قد انخطرت في حالة من البيات الصيفي الذي عاشته كثير من الهيئات الأخرى التي تم تأسيسها في السنوات الماضية .
يحل علينا العيد ومجتمعنا يعيش حالة من التفكك وفقدان الثقة بين أفراده ، حتى أصبح كل ما يربطهم في العيد رسائل يتبادلونها عبر أجهزة الجوال ، في الوقت الذي لا يعرف الجار جاره ، ولا يبادره لا بسلام ولا بزيارة تهنئة .
يحل علينا العيد وكثير من مشاكلنا وأزماتنا تراوح مكانها ، بل إن بعضها يزيد عمقا واستعصاء على الحل . وهو واقع يذكرني ببرنامج طاش ما طاش الذي ما زال يكرر نفسه فيما يطرحه من موضوعات عل مدى ثمانية عشر عاما . ومع ذلك فإن تكرار الحديث في تلك الموضوعات على مدى كل تلك السنوات إنما يعبر عن هذا الخلل والبطء في معالجتها بما تستحقه من جدية واهتمام .
يحل علينا العيد والعالم حولنا يموج بثورات ومظاهرات أطاحت بأنظمة وهزت عروش أنظمة أخرى . والعيد في بعض تلك الدول ليس كأعياد كثيرة سبقته ، فهم يترقبون ما ستؤول إليه أحوالهم ، وما إذا كانت ستكون أحسن حالا من سابق عهدهم ، أما أنها ستنحدر بهم إلى أعماق ومجاهيل سحيقة .
ومع كل ذلك ، تظل للعيد بهجته ، ونظل ننتظره عاما بعد عام ، ليس فقط بحثا عن لحظات من الفرح والسعادة في حياة مليئة بالمشاكل والتطلعات ، ولكن أملا في مستقبل أفضل ، وفي رقي نستحقه ونتطلع إليه بما نملكه من إمكانات وقدرات ، خاصة وأننا نعيش في ظل ملك صالح لا يريد إلا للخير لشعبه ، ولا يألو جهدا لتحقيق ما يصبو إليه من رقي ورخاء . فله ولكل أهل بلدي أقول ، كل عام وأنتم جميعا بخير ، وكل عام وبلادي في حال أفضل وأكثر تقدما ورخاء وازدهارا . وعسى أن تكون أعيادنا القابلة أكثر فرحا وبهجة .

الاثنين، ٢٢ أغسطس ٢٠١١

لا تثقلو كاهل المقام السامي


أكتب هذا المقال بناء على طلب أحد الأصدقاء بعد أن دار بيني وبينه نقاش حول قضية عايشناها لمواطن وقع ضحية إشكالية تنازعته فيها عدد من الجهات التي ضاع دمه بينها ، فاضطر إلى اللجوء لجهة قضائية ليصدم ونصدم برد نزل علينا نزول الصاعقة . ولأن هذا الرد كان في رأينا سمة لمشكلة يمكن أن تكون ذات أثر سلبي كبير على هيكل العمل المؤسسي في كل أجهزة الدولة ، فقد ألح علي صديقي هذا في طرح الموضوع في هذا المقام ، مع أني تحرجت قليلا مما يمكن أن يثيره هذا الطرح من ردود أفعال يمكن أن تحمل شيئا من السلبية . إلا أن أهمية الموضوع من جهة ، وثبوت الأدلة التي أحملها بحوزتي من جهة أخرى ، كل ذلك دفعني إلى الاستجابة لهذا الطلب ، وكتابة هذا المقال الذي أرجو أن يوجه أعين الاهتمام إلى ما يبرزه من مخاطر .
في هذه القصة سجلت إحدى المؤسسات البنكية ملاحظة في السجل الائتماني لهذا المواطن لدى شركة سمة للمعلومات الائتمانية . جمع هذا المواطن ما لديه من وثائق ومستندات تثبت خطأ هذا الإجراء وسعى بين الشركة والمؤسسة البنكية لمعالجة هذا الخطأ . إلا أنه وقع ضحية اعتذار الشركة بعدم قدرتها على رفع هذه الملاحظة بالرغم من قناعتها بصحة ما عرضه من إثباتات على هذا الخطا ، وكذلك تعنت المؤسسة البنكية في موقفها ، ورفض اتخاذ إجراء تصحيحي يعالج هذا الخطأ ، كمن أخذته العزة بالإثم . ولأن آخر الدواء الكي ، فقد اضطر هذا المواطن إلى التوجه إلى القضاء لحل هذا الخلاف وإنقاذ سجله الائتماني من التشويه . ولأن المؤسسات البنكية لا تخضع للدوائر القضائية التقليدية ، بما فيها ديوان المظالم والمحكمة العامة ، في شكل من أشكال التمييز الذي يثير كثيرا من التساؤلات ، فقد توجه بشكواه إلى لجنة تسوية المنازعات المصرفية التي تتبع مؤسسة النقد العربي السعودي . قدم هذا المواطن شكواه إلى سكرتير اللجنة ، وصدم بالرد الذي تلقاه منه . الرد كان أن الخلاف لن ينظر من اللجنة إلا بعد الرفع إلى المقام السامي وانتظار توجيهه حول النظر في هذه القضية أو حفظها . وبعد نقاش وأخذ ورد حول صحة هذا الإجراء ، وبعد أن أثبت سكرتير اللجنة صحته بالديل القطعي من نص نظام اللجنة ، خرج هذا المواطن لا يلوي على شيء ، وهو الآن ينتظر رد المقام السامي على هذا الطلب ، متوجسا أن يطول أمد هذا الرد في ظل كم المشاغل التي ينوء بها كاهل المقام السامي في إدارة شئون الدولة . تساءل هذا المواطن وتساءلنا معه عن خصوصية هذا الإجراء في هذه اللجنة بالذات ، ولماذا يمكن للجهات القضائية التقليدية أن تبت في اختصاصها في النظر في القضايا من عدمه ، فيما يكبل النظام أيدي هذه اللجنة ، ويمنعها من تحديد اختصاصها ، ويثقل كاهل المقام السامي بمزيد من الإجراءات البيروقراطية .
هذه القصة كانت سببا في إثارة كثير من التساؤلات حول دور المقام السامي في الخوض في كثير من الإجراءات التي كان من الممكن تفويض الاختصاص بها إلى جهات تنفيذية تم تشكيلها من الأساس للتعاطي مع تلك الإجراءات . عندما نستعرض نصوص الأنظمة والتشريعات الرسمية نجد كثيرا منها يحيل كثيرا من إجراءاتها إلى المقام السامي للإنفاذ أو الإقرار أو منح الإذن في مرحلة من مراحل تلك الإجراءات . وفي الحقيقة ، أرى أن مثل هذا الإجراء يضع كثيرا من العقبات في سبيل تسهيل أمور المواطنين ، وتنفيذ مشاريع التنمية ، ويقوض في ذات الوقت مبدأ تفويض الصلاحيات ، ويرسخ مفهوم المركزية في إدارة شئون الدولة . كثيرا ما نسمع عن مشروعات وقد تعثرت في انتظار موافقة المقام السامي على مناقلة مالية لهذا المشروع أو زيادة في مدة ذاك المشروع . وكثيرا ما نسمع عن تأخر إقرار زيادة في الطاقة الاستيعابية لأحد المستشفيات التي يجري تنفيذها في انتظار موافقة المقام السامي . وتأتي هذه القصة لتبرز مثالا آخر للحالات التي يشكل فيها انتظار موافقة المقام السامي عقبة في تسهيل أمور المواطنين ومعالجة مشكلاتهم . المقام السامي ، كما يعنيه هذا الوصف ، يجب أن يكون ساميا عن الغوص في الإجراءات التفصيلية في إدارة شئون الدولة ، خاصة وأن كاهله ينوء بالكثير من القضايا والموضوعات السياسية والتنموية والاستراتيجية الكبرى . المقام السامي يمثل مجلس إدارة شركة كبرى بحجم الدولة ، يمارس اختصاصه في وضع الاستراتيجات وإدارة الشئون العظمى في سياسة الدولة ، ويترك المهام التنفيذية للأجهزة التنفيذية التي يضمها هيكل الدولة . والمشكلة ، أن هذا الواقع لا يمثل عقبة في سبيل إدارة شئون الدولة وحسب ، بل إنه يمثل الشماعة التي يعلق عليها كثير من الموظفين والمسئولين فشلهم في تسيير أعمالهم وإنجاز مهامهم ، ويضع اللائمة على المقام السامي الذي يسمو عن هذا الخلل .
قد يقول قائل ، إن الأنظمة التي يتم إقرارها من المقام السامي أساسا هي التي تحيل مثل هذه الاختصاصات إليه ، وأن أولئك المسئولين التنفيذين لا يقومون إلا بما تمليه عليهم تلك الأنظمة . ومع أني أتفق مع هذا الطرح ، إلا أن تلك الأنظمة والتشريعات إنما تصاغ وتشكل من قبل أجهزة محددة من أجهزة الدولة ، تضم في العادة هيئة الخبراء ومجلس الشورى والوزارة المختصة بهذا النظام أو ذلك التشريع . والمختصون في هذه الأجهزة هم من يضعون آلية تلك الإجراءات ، بما فيها إجراء الإحالة إلى المقام السامي . ومن هنا ، أجد أن الخلل يبدأ من الأساس من ذات الجهات التنفيذية التي تضع التشريعات وتقوم على تنفيذها في ذات الوقت ، وكأنها لا تريد أن تتحمل أية مسئولية عن أداء تلك المهمات ، فتحيلها إلى شماعة المقام السامي لترفع عن نفسها طائل المسئولية . إن هذا الأمر يمثل في رأيي المتواضع أحد إشكالات آليات التشريع وصياغة الأنظمة في المملكة ، إذ أن انخراط الأجهزة التنفيذية في صياغة التشريعات يعد خلطا واضحا وفاضحا في الاختصاصات ، وشكلا من أشكال تعارض المصالح ، مع أنها لا تمثل مصالح شخصية في الأساس ، وإن كان هذا الخلط في بعض الحالات يشكل منفذا يمكن أن ينفذ منه أصحاب النفوس الرخيصة لتحقيق مصالح شخصية .
خلاصة القول ، المقام السامي يجب أن يبقى ساميا ، وأن يبقى اختصاصه بإدارة شئون الدولة على المستوى الاستراتيجي وليس التنفيذي . ومن الضروري العمل على تصحيح آليات وهياكل صياغة الأنظمة والتشريعات حتى تحقق الفصل المطلوب بين السلطات التشريعية والنفيذية والقضائية . وأقول للمسئولين في أجهزة الدولة لا تثقلو كاهل المقام السامي ، ولا تشغلوه بصغائر الأمور . فهو يحمل هما تنوء بحمله الجبال ، ويواجه تحديات وطنية وإقليمية ودولية تتطلب منه توجيه الاهتمام إليها . وما أظن أن تعيين هؤلاء المسئولين في مواقع المسولية إلا دليل ثقة المقام السامي فيهم وفي قدرتهم على أداء مهامهم . ولتكن أجهزة الرقابة بعد ذلك الوسيلة الفاعلة لتقييم أدائهم ومحاسبتهم عن أي خطأ أو خلل أو تقصير .

الأحد، ٧ أغسطس ٢٠١١

الدعم الحكومي بين الكفاءة وإهدار الموارد


أعترف بداءة بأن كثيرا من الموضوعات التي أتناولها بالحديث في مقالاتي لا تقع في دائرة اختصاصي المباشر ، وأنا  بذلك أتبرأ من صفة الكاتب أو المحلل الاقتصادي كوني لا أملك قدرات وأدوات المختصين في الشأن الاقتصادي . ولكني أتحدث دوما إما من زاوية المواطن الذي يعايش هذه الموضوعات في حياته اليومية ، أو من زاوية علاقة هذه الموضوعات بقضية التنمية ، وهي القضية التي تمثل صلب اهتمامي العام . أقول هذا مقدمة لحديثي اليوم عن قضية الدعم الحكومي ، وهي القضية التي أتناولها ليس من جانب المنظور الاقتصادي البحت ، ولكن من منظور أثرها وفعاليتها على قضية التنمية . والحديث عن موضوع الدعم الحكومي ينطلق من مشاهدات مواطن بسيط لمنظومة القرارات والإجراءات الحكومية التي شهدتها الساحة خلال الأشهر الماضية ، بما فيها الدعم الموجه لقضايا الإسكان والطاقة وحتى قضايا الأعلاف والشعير . أكثر ما وجه انتباهي لهذا الموضوع هو ذلك الخبر الذي أوردته الصحف بعد القرار السامي الكريم بدعم الأعلاف بنسبة 50% من تكاليفها ، والذي أشار إلى ضآلة أثر هذا القرار على أسعار منتوجات الألبان والدواجن التي لم تنخفض بأكثر من نصف ريال لا غير . حتى أن بعض المواطنين تضاحك على هذا الخفض البائس في ظل عدم تداول العملة المعدنية ، ليحصل المواطن مقابل هذا الخفض على علبة علك أو مناديل ورقية ليمسح بها عرق جبينه الذي يتصبب من فاتورة الأسعار المرتفعة باضطراد . هذا الخبر جعلني أتساءل عن جدوى الدعم الذي تكبدت أعباءه الدولة وأثره المباشر على مصلحة المواطن ، وكيف أن هذا الدعم لم يحقق أي فائدة إلا للتجار الذين قطفو ثمرته توفيرا في تكاليف إنتاج وتسويق سلعهم دون أن ينعكس هذا الوفر على المواطن بشكل واضح ومؤثر . هذه الحالة من الدعم غير الكفؤ وغير الفعال وجدتها حالة تستحق البحث والتحليل والنقاش الجاد ، خاصة وأنها حالة ليست بالفريدة ، بل إنها تمس كثيرا من الجوانب والقضايا التي تمد إليها الدولة يد دعمها السخي ، دون أن تحدث أثرا فاعلا في حل المشاكل المرتبطة بتلك الجوانب والقضايا .
كنت قد تناولت موضوع الدعم الحكومي للطاقة وإنتاج الكهرباء في اللقاء المتلفز الذي استضافني فيه أخي الأستاذ طلعت حافظ قبل فترة ، وهو القطاع الذي توجه له الدولة دعمها على مختلف المستويات ، فهي تقدم الدعم أولا لشركة الكهرباء بإلزام شركة أرامكو السعودية ببيع برميل النفط لشركة الكهرباء بسعر دولار واحد فقط في الوقت الذي يباع فيه برميل النفط في السوق العالمي بأكثر من مائة ضعف هذا الرقم . وهي أيضا تلزم شركة الكهرباء ببيع الطاقة الكهربائية بسعر لا يتجاوز 8 هللات للوحدة في الشريحة السكنية مقابل تكلفة إنتاج تزيد على 15 هللة ، وذلك عن طريق دفع 26 هللة لوحدة الطاقة الكهربائية في الشريحة الحكومية . وفي ظني ، أن هذا الدعم الذي يحمل خزينة الدولة كثيرا من الخسائر والربح الفائت من ضياع فرصة بيع براميل النفط المهدرة على إنتاج الكهرباء بالطريقة التي تنتهجها شركة الكهرباء هو في حقيقته دعم يفتقر إلى الكفاءة والفعالية . كما أنه يضع شركة الكهرباء في موقع المستفيد المباشر من هذا الدعم دون أن ينعكس اثره على مصالح المواطنين البسطاء أو على دعم قطاعات الاقتصاد التي يشتكي أهلها من الأعباء الكبيرة لفواتير الكهرباء على جدوى استثماراتهم فيها ، مع أن شركة الكهرباء تشتكي من قلة الدخل وقصور الموارد ، وتسعى في كل الاتجاهات للحصول على مزيد من الدعم ومزيد من القروض الحسنة وغير الحسنة ، دون أن تسعى في ذات الوقت لتصحيح المنهج الذي لا زالت تتمسك به ، والعمل الجاد على تطوير آليات الإنتاج وتقليل تكاليفه عوضا عن المناداة برفع تعرفة الكهرباء على المواطنين . وفي رأيي المتواضع ، فإن هذا الدعم يمكن أن يكون أكثر كفاءة لو تم توجيهه بشكل مباشر إلى الجهات التي تحتاج إليه حاجة فعلية . فمثلا ، لماذا لا تسمح الدولة لشركة أرامكو السعودية أن تبيع النفط لشركة الكهرباء بسعره الحقيقي في السوق ، ومن ثم تقوم الدولة بدفع قيمة الفارق السعري مباشرة إلى شركة الكهرباء عوضا عن إلزامها ببيع النفط بسعر مخفض خفضا مريعا ، وعلى أن يكون هذا الدعم دعما متناقصا على المدى الطويل ، ومرتبطا باتفاقيات واضحة ومحددة مع الشركة تضمن قيام الشركة بتطوير وسائل إنتاج الطاقة الكهربائية وتحسين كفاءتها . أجزم أن هذا المنهج سيدفع شركة الكهرباء إلى معالجة أوضاعها المتردية بشكل سريع هربا من هذا العبء الذي سيقع على كاهلها . وأيضا ، لماذا لا تسمح الدولة لشركة الكهرباء ببيع الطاقة الكهربائية للمواطنين بتكلفتها الحقيقية ، ومن ثم تقوم الدولة بتوجيه الدعم المباشر إلى المواطنين تبعا لدرجة استحقاقهم وحاجتهم ، وهو ما يعلم الجميع أنه يتفاوت تفاوتا كبيرا تبعا لقدرات المواطنين ومستويات دخولهم . مثل هذا الدعم يمكن أن يصل إلى المواطنين المستحقين مباشرة عبر قنوات وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الإسكان على سبيل المثال . وهو بذلك سيكون دعما كفؤا يتيح للشركة تحقيق دخل يتناسب مع تكاليف الإنتاج فيها ، ويلغي مبدأ العدالة الظالمة الذي تتم ممارسته حاليا من خلال تسعيرة الطاقة الموحدة لكافة فئات المواطنين . ينطبق هذا المثل أيضا على أسعار البنزين ، الذي يتم بيعه لكافة فئات المواطنين بسعر موحد مدعوم من الدولة ، في الوقت الذي تشتكي شركات البنزين من عدم جدوى هذا السعر مقابل المطالبات المتكررة بالارتقاء بمستوى محطات الوقود في المملكة . إن ما نشتكي منه من استهلاك جائر للبنزين إنما يقع من فئات المواطنين التي لا تشعر بأي ضرر أو عبء من هذا الهدر . ولو تحتم على أولئك الشباب المستهترين الذين يقضون أوقاتهم في التسكع في الشوارع بسياراتهم الفارهة أن يدفعو ثمنا أعلى للبنزين الذي يستهلكونه لترددو كثيرا قبل أن يستمرو في هذا النمط السلكوي الجائر ، أو على الأقل لدفعو ثمنا حقيقيا لهذا الاستهلاك عوضا عن أن يتمتعو بدعم حكومي يبدو كما لو أنه يدعم استهتارهم . وهو الدعم الذي كان ليكون أكثر كفاءة لو أنه وجه مباشرة إلى الفئات المحتاجة إليه بعد تمكين شركة أرامكو من بيع البنزين بسعره الحقيقي .
انتهت مساحة المقال ولم أنه الحديث بعد إلا عن مثالين اثنين . وأترك بذلك المجال للقاريء الكريم والمسئول الجاد ليطلق لخياله العنان في هذا المنحى من التفكير الذي يدعو إلى تصحيح آليات الدعم الحكومي ليكون أكثر كفاءة وأكثر فعالية في مساعدة المحتاجين الفعليين إليه . وربما أعود في يوم آخر للتوسع في الحديث عن أمثلة أخرى ، وربما يكون لوزارة الإسكان على وجه الخصوص نصيب من هذا الحديث .

الاثنين، ١ أغسطس ٢٠١١

صرخة مهندس


الأخ الكاتب صالح الشهوان كان قد قارب الصواب عندما اعتقد أنني ربما أكون قد شققت جيبي عندما كتبت مقالي السابق بعنوان " قطاعنا الهندسي في مهب الريح " قبل أكثر من ثلاثة أشهر . وأنا في الحقيقة  أكاد أشق جيبا في كل يوم أرى أو أسمع فيه خبرا يتعلق بهذا القطاع ، إلى الحد الذي أصبحت نفسي فيه تحدثني بمقاطعته وإلقاء همومه وراء ظهري . عندما كتبت ذلك المقال عبرت عن كم الإحباط الذي خلقه معالي وزير الخدمة المدنية في نفوس آلاف المهندسين بتلك الطريقة الفجة التي قابل بها تلك المجموعة من المهندسين الذين تجمعو أمام مقر وزارته مطالبين بحسم اتخاذ القرار حول موضوع الكادر الهندسي . وبعد تلك المقابلة أطلق الوزير وعدا بتحقيق ذلك المطلب في غضون شهرين اثنين ، وأكد أن الموضوع سيكون على جدول أعمال مجلس الخدمة المدنية في أول اجتماع له ، وهو ما جعل كل منسوبي القطاع الهندسي يتطلعون إلى انعقاد ذلك المجلس مترقبين ما يمكن أن يتوصل إليه في هذا الصدد . وأقول أن كل منسوبي القطاع الهندسي تابعو هذا الموضوع باهتمام منقطع النظير ، حتى تلك القلة القليلة منهم التي تعمل في القطاع الخاص ، أملا منهم في أن يكون في هذا القرار انتصارا ولو جزئيا لحقوقهم ومطالبهم ، حتى لو كان هذا الانتصار انتصارا رمزيا لا يسمن ولا يغني من جوع ، وذلك لأن هموم منسوبي هذا القطاع تعددت وتنوعت حتى بلغ السيل الزبي ، وأصبح الانتساب لهذا القطاع هما تنوء به الجبال عوضا عن أن يكون مفخرة ومجلبة لحياة كريمة كما هو الحال في الدول الأخرى . وعندما صدرت في الأسبوع الماضي مجموعة من القرارات عن مجلس الخدمة المدنية ، وهي التي لم تتضمن أي ذكر لموضوع الكادر الهندسي من قريب أو بعيد ، تجدد ذلك الشعور بالإحباط في نفسي ونفوس المساكين من منسوبي هذا القطاع ، خاصة وأن تلك القرارات رسخت ذلك الانحياز الذي كانو دوما يشتكون منه للقطاع الطبي ، وأغفلت هذا الموضوع الذي لا يكاد أثره على خزينة الدولة شيئا يذكر مقارنة بتلك الأخبار عن المليارات الضخمة التي يتم تخصيصها وإنفاقها يمنة ويسرة ، وفي الوقت الذي يقوم فيه المهندسون العاملون في القطاع الحكومي بالإشراف على مشاريع التنمية بميزانياتها المليارية ، فيما لا يحصلون مقابل تلك المهام الجسيمة إلا على فتات الفتات .
وخلال الفترة الماضية ، تناقلت وسائل الإعلام مجموعة أخرى من الأخبار التي أتلفت كل جيوبي ، بما فيها تلك الأخبار عن العقود التي تمنحها الدولة لشركات استشارية أجنبية دون أن يكون للقطاع الهندسي المحلي أي دور فيها . والغريب أن بعض تلك العقود تتم ترسيتها على تلك الشركات دون أن نسمع عن أية منافسة معلنة أو مسابقة مهنية خاضعة للتحكيم . وآخر تلك الأخبار كان خبر ترسية عقد الأعمال الاستشارية لمشروعات وزارة الإسكان على شركة بارسونز العالمية ، وقبله خبر ترسية عقد الأعمال الاستشارية لمشروعات تصريف السيول والبنية التحتية في محافظة جدة على شركة إيكوم العالمية . وبين هذا وذاك تلك الأخبار التي نسمعها عن منافسة بين الشركات العالمية لأداء خدمات استشارية لتطوير البنية التحتية في مدينة الرياض أطلقتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ، وأخرى أطلقتها شركة أرامكو السعودية لمشروعات إسكانية لمنسوبيها ، وثالثة تطلقها الهيئة الملكية للجبيل وينبع لمشروعات تطوير مدينة راس الخير ، وغير ذلك الكثير من المنافسات والمشروعات التي سمعنا عنها أو لم نسمع . كل هذه المنافسات لم تر فيها تلك الجهات أي جدوى من إتاحة الفرصة للكيانات الاستشارية المحلية للانخراط فيها ولو بجزء يسير منها . وفي الوقت ذاته تشتكي تلك الجهات من افتقار تلك الكيانات المحلية للخبرات الفنية التي تؤهلها للعمل في مثل هذه المشاريع . وأنا لا أدري في الحقيقة من أين تخلق الخبرة ، وكيف يمكن لهذه الكيانات أن تكتسب الخبرة التي تطلبها تلك الجهات إن لم تتح لها فرصة المشاركة جنبا إلى جنب مع تلك الكيانات العالمية ، ولو على سبيل نقل الخبرة وتوطينها . وفي النهاية ، فإن العدد المسجل من المكاتب الهندسية المحلية الذي يزيد على 3000 مكتب ، لا تجد أمامها سبيلا إلا للمنافسة على الجزء الأصغر والأقل جدوى من كعكة العمل الهندسي ، فيما تذهب العقود الضخمة لتلك الكيانات العالمية دون أي التزام عليها تجاه تدريب وتأهيل الكيانات المحلية أو حتى الأفراد من المهندسين السعوديين . وإلى أن تنتهي هذه الطفرة التي تعيشها المملكة ، فإن هذه الفرص التي يتم تفويتها على القطاع الهندسي بقصد أو بغير قصد للارتقاء بخبراته وإمكانته الفنية والمهنية هي في الحقيقة فرص لن تتكرر ولن تتاح مثلها مرة أخرى لهذا القطاع . وفي النتيجة ، سنجد أن هذا القطاع قد خرج من هذه الطفرة صفر اليدين ، فلا خبرات جمعها لتزيد من تأهيله وتنافسيته ، ولا هو من قطف جزءا يسيرا من تلك الأرقام الفلكية التي يتم تحويلها إلى حسابات تلك الشركات العالمية خارج المملكة .
وفي الجانب الآخر ، فإن الهيئة العامة للاستثمار لا زالت تعمل وفق أجندتها لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية دون أن تحقق أي جهد يذكر في سبيل تحسين المناخ الاستثماري أمام المستثمرين المحليين . وهي على وجه الخصوص ، وفيما يتعلق بالقطاع الهندسي ، لا زالت تمنح التراخيص لكيانات هندسية أجنبية لتخوض غمار المنافسة على مشروعات التنمية . ومع أن الأنظمة تفرض على المستثمرين الأجانب في القطاع الهندسي نسبة محددة من الشراكة مع مهندسين سعوديين ، إلا أن هيئة الاستثمار تقوم بمنح التراخيص لتلك الكيانات لممارسة أنشطة أخرى لا تشترط تلك الشراكة ، وتغفل في ذات الوقت عن المخالفات التي تمارسها تلك الكيانات بتقديم خدمات استشارية هندسية غير مرخصة . ونحن نرى في سوق العمل الهندسي كثيرا من الكيانات التي تحمل تراخيص مقاولات وإنشاءات وإدارة مشاريع وغير ذلك وهي تقوم بتقديم خدمات هندسية لقطاعات عريضة من العملاء الذي لا يجدون حرجا أو غضاضة في التعاقد مع مثل تلك الجهات طالما كانو يقدمون خدمات أقل أسعارا من تلك التي تطلبها الكيانات الهندسية المرخصة ، حتى لو كان ذلك على حساب جودة العمل وفقدان المسئولية المهنية . الأخطر من وجهة نظري هو ما تقوم به بعض جهات الدولة من التعاقد مع جهات غير مرخصة لتقديم خدمات هندسية لمشاريعها . والأكثر خطورة أن تكون وزارة المالية ، وهي حامي حمى المال العام في المملكة ، هي في ذات الوقت أحد أكبر المخالفين لأنظمة العمل الهندسي ، عبر منحها عقودا هندسية لجهات غير مرخصة ، ومنها شركة دار الهندسة التي قامت ولا زالت تقوم بإنجاز عقود ضخمة لأعمال هندسية في المملكة ، وتترفع في ذات الوقت عن الانخراط في نظام تراخيص الهيئة السعودية للمهندسين ، وتحصل مع ذلك على مزيد من العقود تحت سمع وبصر المسئولين في وزارة المالية وغيرها من الجهات  الحكومية .
لا أدري إن كان هذا المقال هو آخر ما أكتب عن هذا الموضوع ، إذ أن الإحباط قد بلغ مني كل مبلغ ، وصرت أشعر أن هذا الحديث لا يجد أي صدى من الاهتمام أو التفاعل أو حتى التقدير . كل ما أرجوه أن يصل صوتي وصوت منسوبي هذا القطاع المسكين إلى ملكنا الصالح الذي لا يضام عنده أحد ، فهو ملجأنا بعد الله ، وفيه نروم خلاصنا من هذا الضيم .