بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٣٠ مايو ٢٠١١

نُطٌق النطاقات


القصد من عنوان هذا المقال ليس فقط بيان الخطأ اللغوي في تسمية برنامج نطاقات وزارة العمل ، من ناحية أن الجمع الأصح لكلمة نطاق هو نُطُق وليس نطاقات ، ولكنه عنوان لما أريد أن أتحدث عنه حول هذا البرنامج ، ونطق ومجالات تأثيره في معالجة مشكلة البطالة في المملكة . وأبدأ الحديث معترفا بأنني كنت قد وقفت من هذا البرنامج موقفا مشككا منذ أن أعلنت عنه الوزارة ، مبررا هذا الموقف بذلك الشك الدفين الذي رسخته الوزارة في قدرتها على التعاطي مع هذه المشكلة الذي أصبحت تبدو كما لو أنها استعصت على الحل ، وذلك الفشل الذريع الذي واجه كل برامجها السابقة . هذا الاعتراف يأتي بعد أن استمعت إلى ذلك العرض الذي قدمه وزير العمل المهندس عادل فقيه الأسبوع الماضي في مركز معارض الرياض الدولي ، والذي نظمته غرفة الرياض التجارية والصناعية . ذلك العرض الذي استخدم فيه الوزير أسلوب العرض الذي يستخدمه بيل غيتس في أحاديثه على المسرح ، فجاء عرضه شيقا جاذبا للانتباه والتفاعل ، علاوة على كونه جاء مسهبا وموضحا لهذا البرنامج بشكل أزاح كثيرا من الشكوك التي كانت راسخة في نفوس رجال الأعمال الذين حضرو ذلك اللقاء . ولكن ، وبالرغم من القناعة التي خلفها هذا العرض حول مصداقية البرنامج ، والتفاؤل الذي رسخه بإمكانات نجاحه ، إلا أنني لا زلت مؤمنا بأن البرنامج لن يجد النجاح الذي يرومه الوزير ، ليس لخلل في البرنامج ، ولكن لخلل أراه في آليات تطبيقه ، وانسلاخه عن عدد آخر من الحلول والبرامج التي يجب أن تنطلق بالتوازي معه ، لتشكل في مجملها منظومة متكاملة وبرنامجا شاملا لحل المشكلة ، انطلاقا من حتمية تبني الحل الشامل المبني على فهم عميق لجذور المشكلة ، بعيدا عن الحلول والبرامج المجتزأة والمتناثرة التي لا يمكن لها أن تحقق النجاح المأمول . ومن هنا ، أعرض أمام أنظار الوزير في هذا المقال مجموعة من الرؤى والتساؤلات حول هذا البرنامج ، وهي التي لم يتسن لي أن أطرحها في ذلك اللقاء ، في ظل السيطرة التي مارسها قادة الغرفة الذين احتلو الصفوف الأولى من صفوف المسرح على المايكروفون ، فاستاثرو بالأسئلة والنقاش والحوار .
ما خرجت به من هذا اللقاء هو أن هذا البرنامج تم تصميمه ليقدم مجموعة من الحوافز لمؤسسات وشركات القطاع الخاص لتوطين الوظائف وتوظيف السعوديين ، انطلاقا من تقسيم تلك الكيانات إلى قطاعات وفئات بحسب النشاط وحجم المنشأة ، وتحديد مستويات محددة من نسب السعودة لكل قطاع وفئة ، بحيث تمثل كل نسبة نطاقا من نطاقات البرنامج المتدرجة من الأحمر إلى الأصفر إلى الأخضر وصولا إلى الذهبي المميز . ويقدم البرنامج حوافزه لتلك الكيانات التي تقع في النطاقين الأخضر والذهبي ، بينما يضع الكيانات التي تقع في النطاق الأصفر في موقع الإنذار ، ويوقع على الكيانات التي تقع في النطاق الأحمر عقوبات حازمة عبر منعها من الاستقدام والاستفادة من خدمات مكاتب العمل . ومع أن هذا البرنامج يحمل في طياته كثيرا من الإيجابيات ، إلا أنني أرى أن المشكلة فيه تكمن في طبيعة الحوافز التي يقدمها ، والتي تقوم على منح الكيانات التي تقع في النطاقين الأخضر واالذهبي مرونة واسعة في الاستقدام ، وكذلك في نقل كفالة الوافدين الذين يعملون في كيانات النطاقين الأصفر والأحمر دون موافقة أصحاب تلك الكيانات . ومكمن الخلل في هذا الجانب هو أن الوزارة تكون بذلك كمن يعالج الداء بالسم ، فمنح التاشيرات والتوسع في توظيف الوافدين يتناقض مع صلب المشكلة ، علاوة على أنه يشكل دافعا لإعادة توزيع تواجد الوافدين في قطاع معين من مؤسسات القطاع الخاص ، عوضا عن السعي لإحلال السعوديين مكان الأجانب ، تحقيقا لمطلب تخفيض أعداد الأجانب العاملين في القطاع الخاص ، وتحقيق التوازن بين أعدادهم وأعداد السعوديين الذين قال الوزير أنهم لا يزيدون على 700 ألف سعودي ، مقابل أكثر من ثمانية ملايين وافد يعملون في القطاع الخاص . المشكلة الأخرى أن هذه الآلية لا تأخذ في اعتبارها طبيعة التخصصات ومجالات العمل التي يتم توظيف السعوديين فيها ، ومعدلات الرواتب التي يحصلون عليها . وعلى أرض الواقع ، فإنه لا يمكن على سبيل المثال مقارنة مؤسسة توظف سعوديا واحدا في موقع قيادي بمرتب شهري مرتفع ، مع مؤسسة أخرى توظف عشرة سعوديين في وظائف بسيطة بمرتبات متدنية . أخشى ما أخشاه هنا أن تعمد كيانات القطاع الخاص إلى توظيف السعوديين بشكل جزافي في وظائف بسيطة وبمرتبات متدنية ، حتى يمكن لهم تحقيق النسب التي تدخلهم في النطاقين الأخضر والذهبي ، ليتسنى لهم حينها الاستفادة من تلك الحوافز التي تتيح لهم التوسع في الاستقدام ونقل الكفالة ، ليقومو بتوظيف الوافدين في الوظائف التشغيلية والقيادية ، وبمعدلات أعلى من الرواتب والدخول الشهرية . إن تبني مبدأ العدد وحده دون النظر في جوانب النوعية والدخل يمثل موطن خلل رئيس في هذا البرنامج ، وهو ذات الخلل الذي أعطب برامج السعودة السابقة وأصابها بالفشل والشلل ، ويمكن له أيضا أن يصيب هذا البرنامج في مقتل ، ويجره إلى ذات الرف الذي وضعت عليه البرامج السابقة . إن معالجة قضية البطالة والسعي إلى توظين الوظائف يتطلب معالجة جذرية تنظر بعين الاعتبار إلى جوانب التأهيل والتدريب ، وتحفيز مؤسسات القطاع الخاص على الارتقاء بقدرات السعوديين وإثبات وجودهم في ميدان العمل ، وليس بالدعوة إلى تكديسهم لتحقيق النسب التي تفرضها تلك النطاقات الملونة دون جدوى .
السؤال الآخر الذي يفرض نفسه هو السؤال عن قدرة مكاتب العمل على إدارة هذا البرنامج ، وكفاءة العاملين فيها لتطبيقه تطبيقا فعالا ، خاصة مع ذلك التفاوت الكبير في القدرات والإمكانات بين مكاتب العمل العاملة في مناطق المملكة المختلفة ، وغياب الربط الآلي بين أنظمتها الإلكترونية ، وتلك الثقافة الحكومية الممسيطرة على منسوبيها ، والمشبعة بالبيروقراطية والتشكيك المسبق التي تسيطر على مفاهيمهم . إن السرعة التي تم بها وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ دون أن يسبقه برنامج مكثف لتدريب وتطير قدرات العاملين في مكاتب العمل ، وتطوير بناها التحتية ، يمكن أن يكون سببا آخر لفشل البرنامج ، خاصة في ظل قصور التعريف المسبق والكافي لمؤسسات القطاع الخاص بطبيعة البرنامج وآليات تطبيقه . ومع أن الوزير منح القطاع الخاص مهلة قدرها ثلاثة أشهر بين بدء تطبيق البرنامج وبدء تطبيق حوافزه وعقوباته ، إلا أن هذه الفترة لا يمكن أن تكون كافية لتهيئة القطاع الخاص تهيئة كافية للتعاطي معه ، الأمر الذي يمكن أن يجر على كثير من مؤسساته الويلات والمصائب التي يمكن أن تكون سببا في تعطيل دورها في مسيرة التنمية جراء وقوعها تحت طائلة العقوبات ، وربما يوصلها حتى إلى الخروج من سوق العمل ، وتكريس ظاهرة استئثار الشركات الكبرى بالجزء الأكبر من مشروعات التنمية .
ليس هذا كل شيء ، ولكن المقام لا يتسع لكل المقال ، فللحديث بقية .

الاثنين، ٢٣ مايو ٢٠١١

استراحات الطرق – حوار مع أهل القطاع


هذه هي المرة الثالثة التي أكتب فيها عن هذا الموضوع ، وهو ما يمثل استجابة لطلب من أحد الإخوة الأعزاء الذي ظل يلح علي بتكرار الكتابة فيه مرات ومرات ، نظرا لما يحمله من أهمية ، وما يواجهه من تجاهل من كافة الجهات المسئولة عنه وعلى كافة المستويات . هذه المرة أنطلق بحديثي من مضمون الحوار الذي دار مع أعضاء اللجنة الوطنية لمحطات الوقود ، الذين جمعني بهم لقاء نظمته هذه الصحيفة الغراء لمناقشة مشاكل هذا القطاع من وجهة نظر أهله . وفي الحقيقة ، فإن هذا الحوار كشف لي كثيرا من الأمور التي تعد خافية على الكثيرين من غير أهل القطاع ، وجعلني أعيد تشكيل وجهة نظري حول هذه القضية استنادا إلى فهم أشمل لطبيعة المشكلات التي تحيط بها . هذا المقال يعرض خلاصة وجهة النظر هذه ، علها تسهم في معالجة هذه القضية الحيوية التي أصبحت تصنف ضمن أحد القضايا المستعصية على الحل مثلها في ذلك مثل قضايا الإسكان والبطالة وغيرها الكثير من قضايا التنمية .
أبدأ أولا بعرض مجمل حديث أعضاء اللجنة من ممثلي أهل القطاع ، والذي شرحو فيه مواطن معاناتهم وأسباب مشاكلهم التي رأو أنها السبب الحقيقي وراء ما يواجهه هذا القطاع من ضعف في الأداء وترد في المستوى . قالو أن عدد محطات الوقود في المملكة يبلغ حوالي عشرة آلاف محطة منها حوالي 70% محطات قديمة ومتهالكة المستوى . وقالو أن أهم مشاكلهم تتمثل في غياب استراتيجية واضحة لتوزيع المحطات في المخططات داخل المدن ، أو على الطرق بين المدن . الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تراكم المحطات في مواقع قريبة من بعضها البعض لتتنافس على خدمة ذات العدد من العملاء ، بما يقلل من عوائد الربحية فيها ، ويؤدي بذلك إلى تدني مستوى الخدمة . قالو كذلك أن القطاع يشهد غياب شركات متخصصة في تشغيل محطات الوقود واستراحات الطرق ، وشيوع ممارسة التشغيل الذاتي للمحطات والاستراحات من قبل ملاكها الذين تغلب عليهم صفة الفردية ، وهو ما عبرو عنه بغياب ثقافة العمل المؤسسي في مجمل القطاع ، موضحين أن 12% فقط من تلك المحطات تتم إدارتها من قبل شركات متخصصة ، فيما تتم إدارة 88% الباقية من قبل عمالة يتم التستر عليها من ملاك المحطات ، وهو ما يخلق في رأيهم منافسة غير عادلة جرت القطاع إلى ما يشهده من تدن في المستوى والأداء . قالو أيضا أن القطاع يعاني من تحديد أسعار الوقود ، وهو تحديد لا يسمح لهم بوضع أسعار مناسبة تحقق لهم عوائد مجزية يمكن أن تكون دافعا لتطوير المحطات والاستراحات ، وطالبو بتحرير أسعار الوقود وفتح الباب للمنافسة العادلة في هذا المجال . وقالو أيضا أن تخصيص أراضي المحطات والاستراحات يتم بموجب منافسات تطرحها وزارة المالية أحيانا ، ووزارة الشئون البلدية والقروية أحيانا أخرى ، وهي منافسات مفتوحة لمن هب ودب دون وضع أية معايير تضمن تقدم شركات مؤهلة لتطوير وإدارة هذه المرافق ، وهو ما يسمح للدخلاء بالتقدم لهذه المنافسات ، وتقديم أسعار غير مدروسة تنعكس تاليا على مستوى البناء والخدمة بالتدهور والاسترخاص . قالو أيضا أنهم يعانون من تسلط وزارة العمل عليهم وعجزهم عن تحقيق نسب السعودة المفروضة عليهم ، واشتكو من أن قطاعهم غير جاذب للسعوديين ، وهم الذين يترفعون عن العمل اليدوي خاصة في مجال تعبئة الوقود وميكانيكا السيارات وغيرها من الخدمات التي تقدمها هذه المحطات . قالو أيضا أكثر من ذلك مما سيحتل كامل مساحة المقال لو كنت لأورده جميعا . وأكتفي هنا لأقول ما أريد أن أقول .
ما قاله أهل القطاع من مشاكل ومعوقات رأو أنها وراء التدهور الذي يشتكي منه الجميع أثار كثيرا من التعاطف والتفهم لما يعيشونه من معاناة ، وخلق لدي كما قلت مزيدا من الفهم لمشكلات القطاع . ولكني أقول لهم في المقابل أن هذه المشكلات والعوائق ليست حكرا على هذا القطاع ، بل هي مشكلات أصبحت سمة من سمات قطاعات الأعمال كلها في المملكة ، وكلها تشتكي من والتستر والمنافسة غير العادلة والفردية عوضا عن المؤسسية وتأثير نظم المشتريات الحكومية والتخطيط الحضري والسعودة وغير ذلك الكثير ، فلماذا اختص هذا القطاع بكونه الأكثر تدهورا وتهالكا بين كل القطاعات الأخرى ، ولماذا لا نجد بين كل تلك المحطات التي بلغ عددها عشرة آلاف محطة كما قالو ولو محطة واحدة يتيمة حققت شيئا من التميز والنظافة . حتى تلك النسبة من المحطات التي تدار من قبل الشركات المتخصصة ، والتي بلغت 12% من المحطات ، لم تنج من هذا الواقع الأليم . أقول لهم أيضا أن الشكوى من تحديد وتوحيد سعر الوقود لا يمثل مبررا لها التدهور ، خاصة وأن ما يطالبون به من تحرير للأسعار يمكن أن يؤدي إلى كثير من حالات الاستغلال والتربح على حساب حاجات الناس ، خاصة المسافرين منهم على الطرق بين المدن ، وخاصة وأن الوقود لا يمثل إلا سلعة واحدة من السلع والخدمات العديدة التي يمكن أن يتم تقديمها في تلك المحطات والاستراحات ، وربما لا تمثل في كثير منها سوى نسبة بسيطة من الدخل . أقول لهم أيضا أن السعودة واجب وطني من ناحية ، ولكنه مشكلة عامة من ناحية أخرى . ومع ذلك ، فإن السعوديين الذين قبلو العمل في المطاعم ومحلات التجزئة وغيرها من المهن التي تقع في ذات التصنيف يمكن لهم أن ينخرطو في العمل في محطات الوقود واستراحات الطرق فيما لو وفرت لهم شركاتهم بيئات عمل جاذبة ، ورواتب مجزية ، إذ ليس من العدل أن نتوقع أن يعمل السعودي بذات الدخل والمميزات وفي ذات البيئة التي يعمل فيها ذلك الوافد الذي أتى من بيئات نعلم جميعا طبيعتها . أقول لهم أيضا أن هذه المشكلات والمعوقات يمكن أن تبرر غياب الاستثمار في هذا القطاع أو حتى الخروج منه بالكلية ، ولكنها لا تبرر هذا التدني الرهيب في المستوى ، ولا الانزلاق بالمنافسة مع تلك الفئات الرديئة من المحطات بالهبوط إلى مستواها ، وهو ذات الواقع الذي جرت فيه شركتا الطيران المعلومتان الخطوط السعودية إلى هذا التدني في مستوى الخدمة عبر تدني مستوى المنافسة .
خلاصة القول ، قطاع محطات الوقود واستراحات الطرق قارب الانهيار ، بل هو في فعلا في أسوأ حالاته ، وإنقاذه يتطلب جهدا مخلصا من أهل القطاع أولا وثانيا وثالثا . صحيح أن الدولة تتحمل كثيرا من المسئوليات حيال هذا التدهور ، ولكن القطاع ، وأي قطاع ، لا يمكن أن يجد الاهتمام المأمول من قبل الدولة ، ولا الدعم من قبل فئات المجتمع ، إلا إذا آمن أهل القطاع بقطاعهم ، وانبرو له مدافعين ومناضلين بالمطالبة بحقوقهم ، وخلقو نماذج من نجاحات يمكن أن تجعل الدولة والمجتمع يمنحهم الثقة التي يطلبونها من جديد . وقديما قالو ، فاقد الشيء لا يعطيه .

الاثنين، ٩ مايو ٢٠١١

خواطر حول المجالس البلدية


عندما أعلنت وزارة الشئون البلدية والقروية عن بدء الإعدادات لانتخابات المجالس البلدية أيقنت أن هذا الحدث سيكون موضوعا للعديد من المقالات لكتاب الرأي في الصحف السعودية ، وأيقنت أن مواقفهم منها ستتباين بين المؤيد والمعارض . ولكنني لم أتوقع أن أرى مثل هذا التطرف الذي رأيته في المواقف ، فالمؤيدون ركزو على الجوانب الإيجابية بكثير من التضخيم الذي كان بعيدا عن واقع التجربة التي عاشها المجتمع خلال السنوات الستة الماضية من عمر المجالس البلدية في دورتها الأولى ، والمعارضون بالغو في الامتعاض وإبراز الجوانب السلبية حتى أنهم قررو مقاطعة الانتخابات وإشاعة جو بعدم جدواها . ومع أني كنت قد آثرت عدم الخوض في هذا الموضوع ، إلا أن هذه الحالة من التناقض المتطرف في الطرح دفعني إلى كتابة هذا المقال في محاولة لطرح رؤية متوازنة موضوعية تعين القاريء الكريم على اتخاذ موقف بناء من هذه التجربة . وربما يكون الدافع الأكبر لكتابة هذا المقال هو النقاش الذي دار مع عدد من أعضاء مجلس الرياض البلدي ضمن برنامج الملتقى المصاحب لمعرض الرياض للعقارات الذي شهدته المدينة الأسبوع الماضي ، والذي شهد كثيرا من الشد والجذب حول تجربة المجالس البلدية وقضية الانتخابات .
أبدأ حديثي بالتأسيس إلى الفصل بين موضوعين يتعلقان بهذه القضية ، الأول هو دور وأداء ومهمة المجالس البلدية ، والثاني هو موضوع الانتخابات وجدوى المشاركة فيها . والموضوعان لا يحملان أي صفة من صفات التلازم ، بالرغم من أنهما يتعلقان بذات القضية ، إذ أن الانتخابات كآلية معتمدة لاختيار أعضاء المجالس البلدية ليست إلا وسيلة من وسائل اختيار الممثلين ، يمكن النظر إليها على أنها خطوة من خطوات تأسيس فكر العمل الديموقراطي الذي يعكس توجها من الدولة ضمن منظومة البرامج الإصلاحية ، في حين أن دور المجالس البلدية يحمل أهمية في تفعيل دور المشاركة الشعبية في العمل البلدي ، بغض النظر عن آلية اختيار أعضائه . ذات الحديث ينجر على بقية المؤسسات الرسمية في هيكل الدولة ، ومنها على سبيل المثال مجلس الشورى ، فالحديث عن آلية اختيار أعضاء المجلس عبر الانتخابات أو التعيين لا علاقة له بتفعيل دور المجلس وأداء الدور المأمول منه ، إذ لا جدوى من انتخابات يتم من خلالها تشكيل مجلس لا يملك الصلاحيات والأدوات التي تمكنه من أداء هذا الدور . وفي المحصلة ، فإن تفعيل دور المجالس البلدية يتطلب إيمانا من الدولة بأهمية هذا المجلس ، والحاجة الملحة لتقييم تجربة الدورة الأولى من عمره ، ومنحه الوسائل والصلاحيات التي تجعل الدورات القادمة أكثر نجاحا وفعالية .
النقاش الذي دار في ملتقى معرض الرياض للعقارات سعى فيه أعضاء مجلس الرياض البلدي إلى إبراز الجهد الذي بذلوه في الدورة المنقضية من عمر المجلس ، وسجلو بلغة الأرقام حجم ذلك الجهد بعرض عدد الشكاوى التي استقبلوها وتعاملو معها ، وعدد القضايا التي بحثوها وناقشوها مع الجهات المعنية ، وعدد الاجتماعات واللقاءات الشعبية التي عقدوها . وكالعادة ، فإن لغة الأرقام التي تركز على إبراز الكم لا الكيف كانت الوسيلة التي استخدمها اعضاء المجلس في إبراز جهدهم ونجاحهم في الدورة الماضية ، مع أن هذه اللغة لا يمكن أن تكون أداة لقياس هذا النجاح بعيدا عن إبراز حجم التغيير والتطور في العمل البلدي وتنمية المدينة الذي نتج عن تلك الجهود واللقاءات والاجتماعات . وبنظرة عامة لأداء المجالس البلدية استنادا إلى مشاهداتنا خلال السنوات الست الماضية ، ومجمل الحديث الذي دار في ذلك الملتقى ، فإن تلك المجالس كانت تعمل استجابة للضغط الشعبي الذي كان يقع عليها في شكل شكاوى أو طلبات تتعلق بمشاكل الناس اليومية ، وغلب على أداء تلك المجالس غياب استراتيجية ممنهجة تتضمن برامج عمل مرسومة محددة وأولويات محددة لتطوير العمل البلدي وتحسين جهود تنمية المدن وتطوير أطر العمل المؤسسي في الأجهزة البلدية وتفعيل علاقاتها مع بقية أجهزة الدولة ذات العلاقة . ونتيجة لذلك أصبحت المجالس البلدية أقرب إلى أن تكون جهازا بيروقراطيا آخر من أجهزة الدولة ، عوضا عن أن تكون مؤسسات مدنية تمارس دورها الحقيقي في التشريع والرقابة والتنظيم والمحاسبة لقطاع العمل البلدي . هذه العشوائية في ممارسة عمل المجالس البلدية كانت أحد أهم السمات التي طبعت ملامح الدورة المنقضية من عملها ، والسبب الرئيس لهذه الحالة من الإحباط من دور المجالس البلدية التي يشهدها المجتمع وتعكسها كتابات المعارضين من كتاب الرأي . وللإنصاف ، فإن هذا القصور في عمل المجالس البلدية لم يكن نتيجة لقصور قدرات أعضاء المجالس البلدية ، وكثير منهم هم من أعمدة المجتمع ونخبه الثقافية والمهنية ، خاصة في حالة مدينة الرياض ، بل نتيجة للتحجيم الذي عانت منه المجالس البلدية من قبل الدولة ، وعدم امتلاكها الصلاحيات والأدوات التي تمكنها من أداء دورها الحقيقي . أحد الأمثلة على هذا الواقع هو ترؤس رئيس البلدية أو أمين المدينة للمجلس البلدي في كثير من الحالات ، وهو ما يعكس في رأيي حالة من حالات تعارض المصالح في إدارة جهازين أحدهما تنفيذي والآخر رقابي على الأول ، وأرجو ألا تؤخذ هذه الملاحظة على محمل الاتهام أو التشكيك ، إذ أن كثيرا من أولئك الأمناء ورؤساء البلديات هم من الكفاءة والنزاهة في موقع التميز ، إلا أن هذه الازدواجية توقع خللا في الإدارة والتطبيق في إطار طبيعة النفس البشرية . وعلى أية حال ، فإن إنجاح مسيرة عمل المجالس البلدية في الدورات القادمة تتطلب كما قلت فهما لأوجه الخلل في حالة الدورة الماضية ، وتحقيق الفصل التام لهذه المجالس عن الأجهزة البلدية التنفيذية ، وتفعيل دورها كمؤسسات مدنية شعبية ، وتسليحها بالوسائل التي تمكنها من أداء دورها المأمول .
أما في الموضوع الآخر ، وهو موضوع الانتخابات ، فإن أي قصور أو حتى فشل في تجربة المجالس البلدية في الدورة المنقضية لا يمكن أن يكون سببا لمقاطعة الانتخابات . وآلية الانتخابات كما قلت تمثل خطوة من خطوات توسيع المشاركة الشعبية وتطبيق الديموقراطية ضمن خطط الإصلاح التي تبنتها الدولة ، وهي ممارسة تتطلب التطور والتدرج في التطبيق لتحقق الفعالية المأمولة منها . إن مقاطعة الانتخابات لن تؤسس لأي نجاح في العمل الديموقراطي ، ولن تنتج مجلسا أفضل أو أسوا ، بل إنها يمكن أن تكون سببا في تعطيل مسيرة التنمية والإصلاح . إن حق الانتخاب هو حق وطني يجب على كل مواطن أن يمارسه لتأكيد دوره في اتخاذ القرار وإدارة أجهزة الدولة ، والتخلي عن هذا الحق يمكن أن يكون شكلا من أشكال التخلي عن المواطنة . وإذا كان الانطباع السائد بأن انتخابات الدورة الماضية هي السبب في تشكيل مجالس لم تحقق الدور المأمول منها ، فإن هذا الأمر يوجب أن تتم ممارسة هذا الحق الانتخابي بشكل أكثر توسعا ومشاركة ووعيا حتى يتم اختيار من هم أكثر كفاءة وقدرة على أداء هذا الدور ، وتمثيل حقوق المواطنين في المجالس البلدية . إن الدعوة لمقاطعة الانتخابات هي دعوة لمقاطعة الوطن ، فهل يمكن أن نكون مواطنين فاعلين بمثل هذه الحالة من السلبية ؟ .