أعترف أن معلوماتي قاصرة حول كثير من الأمور ، وأحد هذه الأمور هو طبيعة توزيع المهام والمسئوليات في المؤسسات الرسمية ، وأسماء القائمين عليها ولو كانو وراء الكواليس . الدافع وراء هذا الاعتراف هو الخبر الذي ساقته الصحف حول فوز صندوق المئوية بجائزة الأمير سلمان لشباب الأعمال ، والذي اكتشفت من خلاله أن الأستاذ عمرو الدباغ محافظ هيئة الاستثمار هو في ذات الوقت رئيس مجلس إدارة الصندوق . هذا الاكتشاف فسر لي كثيرا من الأمور حول ملاحظاتي على الصندوق ، وحول أوجه الشبه بين الهيئة والصندوق ، وما أشهده ويشهده الكثيرون من قصور كبير في أداء الصندوق ، خاصة في السنتين الأخيرتين ، وهي الفترة التي تلت بروز الأزمة المالية العالمية ، وخلقت مبررا لإدارة الصندوق لما يشهده من انحسار واضح في أداء الدور الذي تبناه منذ تأسيسه منذ العام 1419 هـ تزامنا مع احتفالات مئوية المملكة .
صندوق المئوية بلغ من العمر حتى اليوم حوالي ثلاثة عشر عاما . وكنت قد حضرت عددا من المحافل التي تحدث فيها عدد من مسئولي الصندوق حول خططه وبرامجه لدعم تأسيس الكيانات الصغيرة والمتوسطة ، وخلق فرص العمال للشباب السعودي الطموح . وكنت دوما أسجل إعجابي بتلك الخطط ، وأتطلع إلى أن تجد طريقها إلى واقع التنفيذ والتفعيل ، مؤمنا بأن نموذج عمل الصندوق يمكن أن يشكل حافزا حقيقيا لدعم قطاع الكيانات السغيرة والمتوسطة ، والإسهام بفعالية في حل مشاكل البطالة التي أرقت المسئولين وأضحت هما ثقيلا على كواهل الجميع . والآن وبعد مرور هذه الفترة منذ تأسيس الصندوق ، أجد أن تفاؤلي كان في غير محله ، فلم أجد الأثر الذي كنت أتطلع إليه ، ولم أر وعود القائمين على الصندوق تتحقق على أرض الواقع . كل ما نسمعه من الصندوق بين الفينة والفينة حديثا عن أرقام وأرقام وأرقام تتحدث عن عدد الفرص التي خلقها ، وعدد الكيانات التي أسهم في تأسيسها . هذه الأرقام تشبه إلى حد كبير الأرقام التي نسمعها من الهيئة العامة للاستثمار عن حجم الاستثمارات الأجنبية التي جذبتها للمملكة ، دون أن نرى لها أثرا على أرض الواقع . هذا التشابه وجدت تفسيره في تشابه الفكر الإداري لدى القائمين على هاتين المؤسستين ، كونهما يتبعان لذات المرجعية الإدارية المشكلة في شخص الأستاذ عمرو الدباغ . وكما أن أرقام هيئة الاستثمار تتحدث دوما عن كم الاستثمارات التي جذبتها دون تبيان أي معلومات دقيقة عن نوعيات هذه الاستثمارات ومجالاتها ، وعن مصيرها ومدى نجاحها على أرض الواقع ، وعن دورها في خلق الفرص الوظيفية للشباب السعودي ، نجد أن أرقام صندوق المئوية تتحدث فقط عن عدد الكيانات التي أسهم في تأسيسها ، وعن عدد الوظائف التي خلقها ، ومقدار التمويل الذي منحه الصندوق ، دون أي حديث عن مدى النجاح الذي تحقق لهذه الكيانات ، وما إذا كانت هذه الوظائف التي خلقها اكتسبت صفة الاستمرارية والثبات ، أم أنها تعرضت لعواصف من الفشل والإغلاق كنتيجة طبيعية لقصور الدعم المعرفي والإداري والمهاري الذي يشتكي منه الكثيرون ممن حصلو على دعم الصندوق . إن الهدف من الهيئة والصندوق ليس فقط جذب الاستثمارات وتأسيس الكيانات للخروج بأرقام يتم تداولها في أروقة الإعلام كدليل على النجاح ، بل إن الهدف الحقيقي هو إنتاج كيانات اقتصادية ناجحة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني ، وخلق فرص وظيفية دائمة للشباب السعودي .
إن حجم التطلعات والطموحات التي علقها الجميع بصندوق المئوية تتجاوز بمراحل حجم إنجازات الصندوق ، خاصة وأن هذا الصندوق يرتبط بحدث وطني هام ، ويعكس اهتماما كبيرا من الدولة بدعم قطاع الكيانات الصغيرة والمتوسطة . الغريب ، أن عمر الصندوق يتجاوز عمر الهيئة العامة للاستثمار ، ويتجاوز على وجه الخصوص عمر الفترة التي تولى فيها الأستاذ عمرو الدباغ قيادة دفة الهيئة ، فكيف أصبح الصندوق نسخة مكررة للهيئة في فكرها الإداري ، وكيف أصبح الهاجس الإعلامي محور اهتمام الصندوق كما هو الحال في هيئة الاستثمار ؟ . حديثي هذا لا يأتي من فراغ ، وليس مبنيا على تخمينات جزافية ، بل إنه ينطلق من حالات كثيرة لشباب وشابات سعوديين وسعوديات ، منهم من تمكن من الحصول على دعم الصندوق لتأسيس كياناتهم دون أن يقوم الصندوق بدوره المطلوب في الإرشاد والتوجيه واحتضان هذه الكيانات لتجد طريق النجاح ، ومنهم من صدمو برفض الصندوق تقديم الدعم ، مع أن كثيرا منهم يملك أفكارا واعدة لأنشطة وخدمات يمكن أن تحقق إضافات جيدة لمنظومة الاقتصاد الوطني ، ومنهم من أصبح الصندوق وراءهم مجرد جهة تحصيل تطالبهم بسداد قيمة القروض دون أن تسعى لتحري أسباب تعثر أنشطتهم ومعالجتها ، انطلاقا من أن الهدف الرئيس للصندوق هو إنجاح الكيانات التي يسهم في تاسيسها وليس فقط توفير التمويل ومن ثم استرداده بذات المفهوم القاسي المتعسف الممارس من قبل البنوك التجارية .
أحد المسئولين في الصندوق قال لي قبل فترة أن الصندوق يعاني شحا كبيرا في موارده ، وهو ما وضعه في موقف التقصير في قبول الطلبات التي يتقدم بها الشباب لدعم تأسيس كياناتهم . الآن وبعد أن اكتشفت هذا الاكتشاف ، أسجل كبير الاستغراب من واقع الصندوق ، إذ أن الصندوق وهو مرتبط ارتباطا فكريا وشخصيا بهيئة الاستثمار يمكن له أن يؤسس قنوات متعددة للحصول على الموارد المالية اللازمة لتمكينه من أداء دوره بفعالية . فمثلا ، حجم الاستثمارات الهائل الذي تتحدث عنه الهيئة كان يمكن أن يتم استقطاع نسبة محدودة منه لدعم موارد الصندوق ، وتلك الكيانات التي جاءت إلى المملكة باستثماراتها كان يمكن أن يتم إلزامها بالتعاون مع الصندوق لتوجيه الشباب لخلق كيانات صغيرة ومتوسطة ترتبط بتلك الكيانات الكبيرة لتوفر لها ما تحتاجه من خدمات وصناعات داعمة . السبب الحقيقي الذي أراه وراء عدم تحقيق ذلك هو أن الاستثمارات التي تتحدث عنها الهيئة هي استثمارات غير حقيقية ، ولم يجد معظمها في الحقيقة طريقه إلى أرض الواقع ، أو أن الهيئة لا تملك القدرة الفعلية لإلزام تلك الكيانات بأداء دورها في المسئولية الاجتماعية ، والذي كان يمكن صندوق المئوية أحد قنواته التنظيمية . وفي النتيجة ، فإن صندوق المئوية ، حاله حال هيئة الاستثمار ، أصبح كيانا صوريا عاجزا عن أداء مهامه ، ووسيلة من وسائل الهدر في الموارد المالية التي أرقت الوطن وعطلت جهود التنمية .
خلاصة القول ، صندوق المئوية يؤمل منه الكثير ، وهو يرتبط بقطاع هو العمود الفقري لأي اقتصاد ، وهو قطاع الكيانات الصغيرة والمتوسطة . وما نتطلع إليه من تصحيح في أداء الصندوق يمثل تطلعا مشروعا يدعم تطلعات الشباب . وواقع الحال يتطلب مراجعة حقيقية لحالة الصندوق ، وهو ذات المطلب الذي نرفعه ونتحدث عنه حول الهيئة العامة للاستثمار . فكلتا المؤسستين بحاجة إلى مراجعة جادة للفكر الذي تعملان به ، والبعد ولو قليلا عن لعبة الأرقام والتلميع الإعلامي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق