بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٣٠ مايو ٢٠١١

نُطٌق النطاقات


القصد من عنوان هذا المقال ليس فقط بيان الخطأ اللغوي في تسمية برنامج نطاقات وزارة العمل ، من ناحية أن الجمع الأصح لكلمة نطاق هو نُطُق وليس نطاقات ، ولكنه عنوان لما أريد أن أتحدث عنه حول هذا البرنامج ، ونطق ومجالات تأثيره في معالجة مشكلة البطالة في المملكة . وأبدأ الحديث معترفا بأنني كنت قد وقفت من هذا البرنامج موقفا مشككا منذ أن أعلنت عنه الوزارة ، مبررا هذا الموقف بذلك الشك الدفين الذي رسخته الوزارة في قدرتها على التعاطي مع هذه المشكلة الذي أصبحت تبدو كما لو أنها استعصت على الحل ، وذلك الفشل الذريع الذي واجه كل برامجها السابقة . هذا الاعتراف يأتي بعد أن استمعت إلى ذلك العرض الذي قدمه وزير العمل المهندس عادل فقيه الأسبوع الماضي في مركز معارض الرياض الدولي ، والذي نظمته غرفة الرياض التجارية والصناعية . ذلك العرض الذي استخدم فيه الوزير أسلوب العرض الذي يستخدمه بيل غيتس في أحاديثه على المسرح ، فجاء عرضه شيقا جاذبا للانتباه والتفاعل ، علاوة على كونه جاء مسهبا وموضحا لهذا البرنامج بشكل أزاح كثيرا من الشكوك التي كانت راسخة في نفوس رجال الأعمال الذين حضرو ذلك اللقاء . ولكن ، وبالرغم من القناعة التي خلفها هذا العرض حول مصداقية البرنامج ، والتفاؤل الذي رسخه بإمكانات نجاحه ، إلا أنني لا زلت مؤمنا بأن البرنامج لن يجد النجاح الذي يرومه الوزير ، ليس لخلل في البرنامج ، ولكن لخلل أراه في آليات تطبيقه ، وانسلاخه عن عدد آخر من الحلول والبرامج التي يجب أن تنطلق بالتوازي معه ، لتشكل في مجملها منظومة متكاملة وبرنامجا شاملا لحل المشكلة ، انطلاقا من حتمية تبني الحل الشامل المبني على فهم عميق لجذور المشكلة ، بعيدا عن الحلول والبرامج المجتزأة والمتناثرة التي لا يمكن لها أن تحقق النجاح المأمول . ومن هنا ، أعرض أمام أنظار الوزير في هذا المقال مجموعة من الرؤى والتساؤلات حول هذا البرنامج ، وهي التي لم يتسن لي أن أطرحها في ذلك اللقاء ، في ظل السيطرة التي مارسها قادة الغرفة الذين احتلو الصفوف الأولى من صفوف المسرح على المايكروفون ، فاستاثرو بالأسئلة والنقاش والحوار .
ما خرجت به من هذا اللقاء هو أن هذا البرنامج تم تصميمه ليقدم مجموعة من الحوافز لمؤسسات وشركات القطاع الخاص لتوطين الوظائف وتوظيف السعوديين ، انطلاقا من تقسيم تلك الكيانات إلى قطاعات وفئات بحسب النشاط وحجم المنشأة ، وتحديد مستويات محددة من نسب السعودة لكل قطاع وفئة ، بحيث تمثل كل نسبة نطاقا من نطاقات البرنامج المتدرجة من الأحمر إلى الأصفر إلى الأخضر وصولا إلى الذهبي المميز . ويقدم البرنامج حوافزه لتلك الكيانات التي تقع في النطاقين الأخضر والذهبي ، بينما يضع الكيانات التي تقع في النطاق الأصفر في موقع الإنذار ، ويوقع على الكيانات التي تقع في النطاق الأحمر عقوبات حازمة عبر منعها من الاستقدام والاستفادة من خدمات مكاتب العمل . ومع أن هذا البرنامج يحمل في طياته كثيرا من الإيجابيات ، إلا أنني أرى أن المشكلة فيه تكمن في طبيعة الحوافز التي يقدمها ، والتي تقوم على منح الكيانات التي تقع في النطاقين الأخضر واالذهبي مرونة واسعة في الاستقدام ، وكذلك في نقل كفالة الوافدين الذين يعملون في كيانات النطاقين الأصفر والأحمر دون موافقة أصحاب تلك الكيانات . ومكمن الخلل في هذا الجانب هو أن الوزارة تكون بذلك كمن يعالج الداء بالسم ، فمنح التاشيرات والتوسع في توظيف الوافدين يتناقض مع صلب المشكلة ، علاوة على أنه يشكل دافعا لإعادة توزيع تواجد الوافدين في قطاع معين من مؤسسات القطاع الخاص ، عوضا عن السعي لإحلال السعوديين مكان الأجانب ، تحقيقا لمطلب تخفيض أعداد الأجانب العاملين في القطاع الخاص ، وتحقيق التوازن بين أعدادهم وأعداد السعوديين الذين قال الوزير أنهم لا يزيدون على 700 ألف سعودي ، مقابل أكثر من ثمانية ملايين وافد يعملون في القطاع الخاص . المشكلة الأخرى أن هذه الآلية لا تأخذ في اعتبارها طبيعة التخصصات ومجالات العمل التي يتم توظيف السعوديين فيها ، ومعدلات الرواتب التي يحصلون عليها . وعلى أرض الواقع ، فإنه لا يمكن على سبيل المثال مقارنة مؤسسة توظف سعوديا واحدا في موقع قيادي بمرتب شهري مرتفع ، مع مؤسسة أخرى توظف عشرة سعوديين في وظائف بسيطة بمرتبات متدنية . أخشى ما أخشاه هنا أن تعمد كيانات القطاع الخاص إلى توظيف السعوديين بشكل جزافي في وظائف بسيطة وبمرتبات متدنية ، حتى يمكن لهم تحقيق النسب التي تدخلهم في النطاقين الأخضر والذهبي ، ليتسنى لهم حينها الاستفادة من تلك الحوافز التي تتيح لهم التوسع في الاستقدام ونقل الكفالة ، ليقومو بتوظيف الوافدين في الوظائف التشغيلية والقيادية ، وبمعدلات أعلى من الرواتب والدخول الشهرية . إن تبني مبدأ العدد وحده دون النظر في جوانب النوعية والدخل يمثل موطن خلل رئيس في هذا البرنامج ، وهو ذات الخلل الذي أعطب برامج السعودة السابقة وأصابها بالفشل والشلل ، ويمكن له أيضا أن يصيب هذا البرنامج في مقتل ، ويجره إلى ذات الرف الذي وضعت عليه البرامج السابقة . إن معالجة قضية البطالة والسعي إلى توظين الوظائف يتطلب معالجة جذرية تنظر بعين الاعتبار إلى جوانب التأهيل والتدريب ، وتحفيز مؤسسات القطاع الخاص على الارتقاء بقدرات السعوديين وإثبات وجودهم في ميدان العمل ، وليس بالدعوة إلى تكديسهم لتحقيق النسب التي تفرضها تلك النطاقات الملونة دون جدوى .
السؤال الآخر الذي يفرض نفسه هو السؤال عن قدرة مكاتب العمل على إدارة هذا البرنامج ، وكفاءة العاملين فيها لتطبيقه تطبيقا فعالا ، خاصة مع ذلك التفاوت الكبير في القدرات والإمكانات بين مكاتب العمل العاملة في مناطق المملكة المختلفة ، وغياب الربط الآلي بين أنظمتها الإلكترونية ، وتلك الثقافة الحكومية الممسيطرة على منسوبيها ، والمشبعة بالبيروقراطية والتشكيك المسبق التي تسيطر على مفاهيمهم . إن السرعة التي تم بها وضع هذا البرنامج موضع التنفيذ دون أن يسبقه برنامج مكثف لتدريب وتطير قدرات العاملين في مكاتب العمل ، وتطوير بناها التحتية ، يمكن أن يكون سببا آخر لفشل البرنامج ، خاصة في ظل قصور التعريف المسبق والكافي لمؤسسات القطاع الخاص بطبيعة البرنامج وآليات تطبيقه . ومع أن الوزير منح القطاع الخاص مهلة قدرها ثلاثة أشهر بين بدء تطبيق البرنامج وبدء تطبيق حوافزه وعقوباته ، إلا أن هذه الفترة لا يمكن أن تكون كافية لتهيئة القطاع الخاص تهيئة كافية للتعاطي معه ، الأمر الذي يمكن أن يجر على كثير من مؤسساته الويلات والمصائب التي يمكن أن تكون سببا في تعطيل دورها في مسيرة التنمية جراء وقوعها تحت طائلة العقوبات ، وربما يوصلها حتى إلى الخروج من سوق العمل ، وتكريس ظاهرة استئثار الشركات الكبرى بالجزء الأكبر من مشروعات التنمية .
ليس هذا كل شيء ، ولكن المقام لا يتسع لكل المقال ، فللحديث بقية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق