بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢٧ يونيو ٢٠١١

أزمة الطاقة بين أرامكو السعودية وشركة الكهرباء


الزيارة التي تسنى لي أن أحظى بها لشركة أرامكو السعودية قبل حوالي أسبوعين كشفت لي كثيرا من المعلومات حول أزمة الطاقة ونزيف النفط ، وهو ذات الموضوع الذي تناولته بالحديث في مقال نشرته في هذه الصحيفة قبل تلك الزيارة بعدة أشهر . تلك المعلومات فاقمت كم القلق والمخاوف التي عبرت عنها في ذلك المقال ، بعد أن أوضحت الأرقام والإحصاءات كم المخاطر ومقدار الهدر في استهلاك النفط لإنتاج الطاقة ، وهو ما لم تتناوله حتى الآن شركة الكهرباء بما يستحقه من اهتمام ، كونها لا زالت حتى الآن تتبنى إنتاج الطاقة الكهربائية بوسائل تقليدية عفا عليها الزمن ، وتتسبب في إهدار المصدر الرئيس لموارد الدولة المالية ، في الوقت الذي تتبارى فيه الأمم الأخرى في تطوير مصادر الطاقة البديلة . بينما كنا نتنقل بين أرجاء الشركة وفق برنامج الزيارة الحافل ، وردت إلى هاتفي الجوال رسالة قصيرة تحمل خبر منح الدولة شركة الكهرباء قرضا حسنا قيمته أكثر من 50 مليار ريال ، وهو القرض الثاني خلال سنة واحدة بعد القرض السابق الذي بلغت قيمته 15 مليار ريال . وبعد كل هذه المليارات التي قدمتها الدولة للشركة في شكل قروض حسنة معفاة من الفوائد ، حصلت الشركة في الأسبوع الماضي على قرض جديد بقيمة مليار دولار من أحد البنوك الفرنسية . خبر القرض الأخير أثار لدي كثيرا من علامات الاستفهام حول حاجة الشركة إلى هذا القرض الصغير نسبيا مقارنة بكل تلك المليارات عديمة التكلفة التي حصلت عليها الشركة من الدولة . فإذا كانت الشركة تستطيع الحصول على قروض من أسواق التمويل المحلية والعالمية فلماذا تستنزف موارد الدولة التي كان من الممكن توجيهها لدعم مشاريع التنمية الأخرى ، وما هي خطة الشركة لتوظيف كل تلك المليارات في معالجة جذور المشكلة المتعلقة بنمط إنتاج الطاقة الكهربائية ونزيف النفط الذي يمثل مورد الدولة الرئيس .
قبل أن أسترسل في الحديث ، أجد لزاما علي أن أسوق للقاريء الكريم خلاصة تلك المعلومات والأرقام والإحصاءات التي حصلت عليها أثناء زيارة شركة أرامكو السعودية حول هذا الموضوع . فالشركة تقول أن الاحتياطي المسجل من النفط يبلغ حوالي 260 مليار برميل ، وأن كثافة الطاقة في المملكة تبلغ 480 وحدة مقابل 220 وحدة في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال . وكثافة الطاقة تعرف بأنها معدل استهلاك وحدة واحدة من الطاقة لكل وحدة من الناتج القومي ، ويتم احتسابها بقسمة كمية الطاقة المستهلكة محليا على الناتج الإجمالي المحلي للدولة . هذه المقارنة تعني أن معدل استهلاك الكاقة في المملكة يبلغ أكثر من ضعف مثيله في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بالناتج القومي لكل منهما ، وهو ما يمثل مؤشرا خطيرا حول تفاقم معدلات استهلاك الطاقة محليا . شركة أرامكو تقول أيضا أن الزيادة في معدل استهلاك الطاقة ستصل إلى حوالي 170% خلال 20 سنة ، وهو ما يتطلب إنفاق أكثر من 1.2 تريليون ريال لإنتاج الطاقة الكهربائية بذات الوسائل الحالية بخلاف النفقات المطلوبة للبنية التحتية ومد الشبكات والأعمال الأخرى ذات العلاقة . هذه الزيادة المطردة في استهلاك الطاقة مع كل ما توقعه من زيادة في الهدر تمثل واقعا يعاكس التوجه العالمي الذي يؤكد تناقص معدلات استهلاك الطاقة في الدول المتقدمة ، حيث أن كثافة الطاقة في دول أوروبا على سبيل المثال تتناقص بمقدار 7% سنويا . تقول الشركة أيضا أن مقدار الفاقد في استهلاك النفط حاليا يبلغ حوالي 500.000 برميل تبلغ قيمتها حوالي 50 مليار ريال سنويا ، وتتوقع الشركة أن يزيد هذا الفاقد مع استمرار نمط الاستهلاك الحالي ليصل إلى أكثر من 250 مليار ريال في العام 2030 م . إن هذه الأرقام والمعلومات تثير الرعب وتدق ناقوس الخطر حول مشكلة خطيرة تحدق بمستقبل اقتصادنا الوطني ومقدرات الأجيال القادمة . وكل هذا الهدر والفاقد في استهلاك الطاقة والنفط هو في حقيقته يأتي على حساب الاستثمار في تطوير البنية التحتية والاجتماعية والبشرية ، ويمثل هدرا لمواد ومنتجات يفترض فيها أن تكون معدة للتصدير لا للاستهلاك الجائر . والحديث عن الاستهلاك الجائر يعيد إلى الذاكرة مخاطر واقع استهلاك البنزين الذي يعد الأرخص على مستوى العالم ، ويعود بخسائر هائلة على موارد الشركة والدولة ، خاصة إذا علمنا أن حوالي 35% من البنزين المستهلك محليا يتم استيراده من خارج المملكة في ظل قصور إمكانات المصافي المحلية لمواجهة الطلب المحلي المتنامي على البنزين الرخيص .
في المقابل ، فإنه لا يبدو أن أيا من مؤسسات الدولة يعي حقيقة المخاطر التي تؤشر لها هذه الأرقام والمعلومات الخطيرة ، فكل الأمور لا زالت تجري وفق ذات النمط المعتاد من إهدار الموارد والطاقات ، وما من جهد موجه ومركز لتطوير بدائل اقتصادية وفعالة لإنتاج الطاقة ، ولا لترشيد الاستهلاك الذي نشهد أوجه الهدر فيه في كل مناحي حياتنا . ونحن لا زلنا حتى الآن نرى أعمدة الإنارة في الطرق مضاءة في وضح النهار ، بما فيها طريق الملك عبد الله حديث الافتتاح الذي كان من المتوقع أن يوظف أفضل التقنيات لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية . ولا زلنا نرى المباني الحكومية تشع بإضاءتها ليلا في الوقت الذي أغلقت فيه أبوابها وآوى موظفوها إلى منازلهم ، بما فيها جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن التي تضاء أنوار مبانيها وطرقها ليلا وهي لما تبدأ تشغيلها الفعلي بعد . ووزارة الإسكان التي تم تكليفها بمهمة بناء 500.000 وحدة سكنية لم تعلن حتى الآن عن تبنيها أية مناهج لتوظيف تقنيات تسهم في ترشيد استهلاك الطاقة ، ناهيك عن استهلاك مواد البناء في ظل الآليات التقليدية التي لا زالت الوزارة تعتمدها في منهجها الذي تدور حوله الكثير من التساؤلات . الأهم من ذلك أن شركة الكهرباء ، المسئول الأول عن إنتاج الطاقة الكهربائية ، لا زالت تتبنى إنتاج الطاقة الكهربائية بذات الوسائل القديمة التي توجه إليها أصابع الاتهام في هدر النفط ، ولا زالت تستخدم ذات المولدات التي تعمل بأقل من نصف طاقتها الإنتاجية . أخشى ما أخشاه أن توجه كل تلك المليارات التي حصلت عليها الشركة من الدولة ومصادر التمويل الأخرى لبناء وحدات إنتاجية تستخدم ذات الآليات العقيمة في إنتاج الطاقة ، وهو ما يؤشر إليه غياب جهود البحث والتطوير لمجالات الطاقة البديلة التي غضت الشركة عنها بصرها مؤثرة استمرار نهجها الحالي ، وهو ما تدل عليه تصريحات المسئولين في الشركة ووزارة المياه والكهرباء .
خلاصة القول ، قضية إنتاج الطاقة ونزف النفط قضية خطيرة تحمل في طياتها كثيرا من المشاكل والمخاطر التي تحدق بمستقبل بلادنا ، وهي تتطلب من الجميع أولا الاعتراف بهذا الوضع المخل ، ووضع الأصبع على مواطن الخلل ، والعمل على وضع حلول عاجلة لمعالجة هذه القضية معالجة جذرية ممنهجة . وأول ما يجب فعله هو تنظيم مؤتمر وطني حول هذه القضية المصيرية ، يجلس فيه المسئولون في الجهات ذات العلاقة جنبا إلى جنب ، ويضمو أيديهم وعقولهم بنية مخلصة للخروج بالحلول التي تتطلبها هذه المعالجة . أما استمرار النهج الحالي من إلقاء التهم وتبادل المسئوليات فإنه لن يعود على مقدرات الأمة ومسيرة التنمية سوى بمزيد من الهدر وتعميق المخاطر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق