أعترف بداءة بأن كثيرا من الموضوعات التي أتناولها بالحديث في مقالاتي لا تقع في دائرة اختصاصي المباشر ، وأنا بذلك أتبرأ من صفة الكاتب أو المحلل الاقتصادي كوني لا أملك قدرات وأدوات المختصين في الشأن الاقتصادي . ولكني أتحدث دوما إما من زاوية المواطن الذي يعايش هذه الموضوعات في حياته اليومية ، أو من زاوية علاقة هذه الموضوعات بقضية التنمية ، وهي القضية التي تمثل صلب اهتمامي العام . أقول هذا مقدمة لحديثي اليوم عن قضية الدعم الحكومي ، وهي القضية التي أتناولها ليس من جانب المنظور الاقتصادي البحت ، ولكن من منظور أثرها وفعاليتها على قضية التنمية . والحديث عن موضوع الدعم الحكومي ينطلق من مشاهدات مواطن بسيط لمنظومة القرارات والإجراءات الحكومية التي شهدتها الساحة خلال الأشهر الماضية ، بما فيها الدعم الموجه لقضايا الإسكان والطاقة وحتى قضايا الأعلاف والشعير . أكثر ما وجه انتباهي لهذا الموضوع هو ذلك الخبر الذي أوردته الصحف بعد القرار السامي الكريم بدعم الأعلاف بنسبة 50% من تكاليفها ، والذي أشار إلى ضآلة أثر هذا القرار على أسعار منتوجات الألبان والدواجن التي لم تنخفض بأكثر من نصف ريال لا غير . حتى أن بعض المواطنين تضاحك على هذا الخفض البائس في ظل عدم تداول العملة المعدنية ، ليحصل المواطن مقابل هذا الخفض على علبة علك أو مناديل ورقية ليمسح بها عرق جبينه الذي يتصبب من فاتورة الأسعار المرتفعة باضطراد . هذا الخبر جعلني أتساءل عن جدوى الدعم الذي تكبدت أعباءه الدولة وأثره المباشر على مصلحة المواطن ، وكيف أن هذا الدعم لم يحقق أي فائدة إلا للتجار الذين قطفو ثمرته توفيرا في تكاليف إنتاج وتسويق سلعهم دون أن ينعكس هذا الوفر على المواطن بشكل واضح ومؤثر . هذه الحالة من الدعم غير الكفؤ وغير الفعال وجدتها حالة تستحق البحث والتحليل والنقاش الجاد ، خاصة وأنها حالة ليست بالفريدة ، بل إنها تمس كثيرا من الجوانب والقضايا التي تمد إليها الدولة يد دعمها السخي ، دون أن تحدث أثرا فاعلا في حل المشاكل المرتبطة بتلك الجوانب والقضايا .
كنت قد تناولت موضوع الدعم الحكومي للطاقة وإنتاج الكهرباء في اللقاء المتلفز الذي استضافني فيه أخي الأستاذ طلعت حافظ قبل فترة ، وهو القطاع الذي توجه له الدولة دعمها على مختلف المستويات ، فهي تقدم الدعم أولا لشركة الكهرباء بإلزام شركة أرامكو السعودية ببيع برميل النفط لشركة الكهرباء بسعر دولار واحد فقط في الوقت الذي يباع فيه برميل النفط في السوق العالمي بأكثر من مائة ضعف هذا الرقم . وهي أيضا تلزم شركة الكهرباء ببيع الطاقة الكهربائية بسعر لا يتجاوز 8 هللات للوحدة في الشريحة السكنية مقابل تكلفة إنتاج تزيد على 15 هللة ، وذلك عن طريق دفع 26 هللة لوحدة الطاقة الكهربائية في الشريحة الحكومية . وفي ظني ، أن هذا الدعم الذي يحمل خزينة الدولة كثيرا من الخسائر والربح الفائت من ضياع فرصة بيع براميل النفط المهدرة على إنتاج الكهرباء بالطريقة التي تنتهجها شركة الكهرباء هو في حقيقته دعم يفتقر إلى الكفاءة والفعالية . كما أنه يضع شركة الكهرباء في موقع المستفيد المباشر من هذا الدعم دون أن ينعكس اثره على مصالح المواطنين البسطاء أو على دعم قطاعات الاقتصاد التي يشتكي أهلها من الأعباء الكبيرة لفواتير الكهرباء على جدوى استثماراتهم فيها ، مع أن شركة الكهرباء تشتكي من قلة الدخل وقصور الموارد ، وتسعى في كل الاتجاهات للحصول على مزيد من الدعم ومزيد من القروض الحسنة وغير الحسنة ، دون أن تسعى في ذات الوقت لتصحيح المنهج الذي لا زالت تتمسك به ، والعمل الجاد على تطوير آليات الإنتاج وتقليل تكاليفه عوضا عن المناداة برفع تعرفة الكهرباء على المواطنين . وفي رأيي المتواضع ، فإن هذا الدعم يمكن أن يكون أكثر كفاءة لو تم توجيهه بشكل مباشر إلى الجهات التي تحتاج إليه حاجة فعلية . فمثلا ، لماذا لا تسمح الدولة لشركة أرامكو السعودية أن تبيع النفط لشركة الكهرباء بسعره الحقيقي في السوق ، ومن ثم تقوم الدولة بدفع قيمة الفارق السعري مباشرة إلى شركة الكهرباء عوضا عن إلزامها ببيع النفط بسعر مخفض خفضا مريعا ، وعلى أن يكون هذا الدعم دعما متناقصا على المدى الطويل ، ومرتبطا باتفاقيات واضحة ومحددة مع الشركة تضمن قيام الشركة بتطوير وسائل إنتاج الطاقة الكهربائية وتحسين كفاءتها . أجزم أن هذا المنهج سيدفع شركة الكهرباء إلى معالجة أوضاعها المتردية بشكل سريع هربا من هذا العبء الذي سيقع على كاهلها . وأيضا ، لماذا لا تسمح الدولة لشركة الكهرباء ببيع الطاقة الكهربائية للمواطنين بتكلفتها الحقيقية ، ومن ثم تقوم الدولة بتوجيه الدعم المباشر إلى المواطنين تبعا لدرجة استحقاقهم وحاجتهم ، وهو ما يعلم الجميع أنه يتفاوت تفاوتا كبيرا تبعا لقدرات المواطنين ومستويات دخولهم . مثل هذا الدعم يمكن أن يصل إلى المواطنين المستحقين مباشرة عبر قنوات وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الإسكان على سبيل المثال . وهو بذلك سيكون دعما كفؤا يتيح للشركة تحقيق دخل يتناسب مع تكاليف الإنتاج فيها ، ويلغي مبدأ العدالة الظالمة الذي تتم ممارسته حاليا من خلال تسعيرة الطاقة الموحدة لكافة فئات المواطنين . ينطبق هذا المثل أيضا على أسعار البنزين ، الذي يتم بيعه لكافة فئات المواطنين بسعر موحد مدعوم من الدولة ، في الوقت الذي تشتكي شركات البنزين من عدم جدوى هذا السعر مقابل المطالبات المتكررة بالارتقاء بمستوى محطات الوقود في المملكة . إن ما نشتكي منه من استهلاك جائر للبنزين إنما يقع من فئات المواطنين التي لا تشعر بأي ضرر أو عبء من هذا الهدر . ولو تحتم على أولئك الشباب المستهترين الذين يقضون أوقاتهم في التسكع في الشوارع بسياراتهم الفارهة أن يدفعو ثمنا أعلى للبنزين الذي يستهلكونه لترددو كثيرا قبل أن يستمرو في هذا النمط السلكوي الجائر ، أو على الأقل لدفعو ثمنا حقيقيا لهذا الاستهلاك عوضا عن أن يتمتعو بدعم حكومي يبدو كما لو أنه يدعم استهتارهم . وهو الدعم الذي كان ليكون أكثر كفاءة لو أنه وجه مباشرة إلى الفئات المحتاجة إليه بعد تمكين شركة أرامكو من بيع البنزين بسعره الحقيقي .
انتهت مساحة المقال ولم أنه الحديث بعد إلا عن مثالين اثنين . وأترك بذلك المجال للقاريء الكريم والمسئول الجاد ليطلق لخياله العنان في هذا المنحى من التفكير الذي يدعو إلى تصحيح آليات الدعم الحكومي ليكون أكثر كفاءة وأكثر فعالية في مساعدة المحتاجين الفعليين إليه . وربما أعود في يوم آخر للتوسع في الحديث عن أمثلة أخرى ، وربما يكون لوزارة الإسكان على وجه الخصوص نصيب من هذا الحديث .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق