بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٦ فبراير ٢٠١٢

عندما يصبح الدين تجارة

أكتب هذا المقال تحت تأثير ما يمكن وصفه بالشعرة التي قصمت ظهر البعير . والشعرة كانت سؤالا طرحه علي أحد الأصدقاء ، وحرك به مشاعر كامنة في نفسي حول العديد من المشاهد التي رأيتها ويراها الكثيرون حولنا ، والتي تشكل في قناعتي حالة صارخة وفاضحة من المتاجرة بالدين الإسلامي الحنيف ، واللعب على مشاعر الناس واستغلالها لتحقيق مكاسب مادية دنيوية ترخص مهما عظمت أمام عظمة الدين وسمو مكانته . سؤال هذا الصديق كان عن الكيفية التي تم بها تحديد حدود منطقة الحرم في المدينة المنورة ، وعن الفارق في معدلات أسعار العقارات في هذه المدينة بين تلك الواقعة داخل وخارج حدود الحرم ، وذلك بحكم انتمائي إلى هذه المدينة المشرفة . قلت لصديقي هذا أن منطقة الحرم في المدينة المنورة حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف بأنها تلك الواقعة ما بين عير إلى ثور ، وفي حديث آخر ما بين لابتيها ، أي المدينة المنورة . وقلت له أيضا أن هذا التحديد إنما يرسم وصفا عاما لحدود منطقة الحرم ، وهو وصف لا يمكن أن يرسم له خط محدد بالمسطرة كما يراه سكان وزوار المدينة المنورة بتلك العلامات التي وضعت على الطرق في مكة الكرمة والمدينة المنورة . والمشكلة أن هذا التحديد القطعي الصارم قد تم توظيفه بشكل مبتذل وسافر لينعكس على أسعار العقارات في المدينتين المقدستين ، وأصبح وسيلة من وسائل المتاجرة بالدين . وأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لعقارين متجاورين ويتمتعان بذات المواصفات والمعايير ، ويفصل بينهما ذلك الخط الرفيع الذي يحدد حدود منطقة الحرم ، أن يتفاوت ثمنهما تفاوتا كبيرا يصل إلى حد التضاعف أضعافا عديدة . ضربت لصديقي هذا مثالا عن هذا الخلل في مشروع تلال المدينة الذي تقوم على تطويره شركة دار الأركان في المدينة المنورة ، والذي يقع جزء منه داخل منطقة الحرم وجزء خارجه ، وكيف أن أسعار المساكن وقطع الأراضي المتماثلة تتفاوت أثمانها تفاوتا كبيرا استنادا إلى مواقعها من منطقة الحرم ، وهو ما أعده لعمري ظلما فادحا وشكلا مبتذلا من أشكال المتاجرة بالدين ومشاعر الناس وقناعاتهم .
غادرني صديقي بعد هذه الإجابة التي يبدو أنها أحدثت في نفسه شيئا من الصدمة والتشويش ، ووجدتني بعدها أسترجع صورا أخرى من صور هذه الممارسة المخلة الظالمة ، وتذكرت مشهد العقارات الشاهقة المطلة على الحرم المكي الشريف ، خاصة مشهد أبراج البيت التي سمت شاهقة لتعلو حتى على مآذن الحرم ، وتوقع في نفوس طواف بيت الله الحرام شعورا خانقا بسطوة المادة على روحانية المكان . ونحن نعلم جميعا كيف أن أسعار الغرف الفندقية في تلك المباني المحطية بالحرم تتفاوت بحسب إطلالتها ، فالغرف التي تطل على الكعبة المشرفة تعلو أسعارها على تلك التي تطل على الحرم ، وتلك بدورها تعلو على أسعار الغرف التي تطل على جهات أخرى ، وهلم جرا ، حتى أصبح التمتع بالنظر إلى الكعبة المشرفة حكرا على الأثرياء وعلية القوم . قد يقول قائل أن هذا الأسلوب يجري اتباعه في كل أنحاء العالم ، وأن أسعار الغرف في فندق ذي واجهة بحرية مثلا تتفاوت بحسب إطلالتها على البحر . ومع أن هذا القول صحيح ومفهوم بالعموم ، إلا أن تطبيق هذا الأسلوب على الحرمين الشرفين يتعارض مع قدسيتهما الدينية ، ويوظفهما لتحقيق مكاسب مادية على حساب مشاعر الناس وحرصهم على التمتع بالنظر إلى هذين الموقعين المشرفين ، وهو ما أعده أيضا شكلا من أشكال المتاجرة بالدين .
الصور التي استرجعتها في ذاكرتي من صور المتاجرة بالدين لم تكن تتعلق فقط بالشأن العقاري والسياحي ، بل شملت أيضا صورا من صور المعاملات المالية اليومية في حياة الناس ، ومنها على سبيل المثال معاملات البيع بالتقسيط . وبعض شركات التقسيط والبنوك التي تصف عملياتها بالإسلامية تقوم بعمليات البيع بالتقسيط بتكاليف تفوق مثيلاتها التي تصنف على أنها عمليات تمويل تقليدية . هذا الفارق في التكلفة الذي يتحمله المتعاملون استنادا إلى حرصهم على نقاء معاملاتهم أعده شكلا من أشكال الاستغلال والتربح والمتاجرة بالدين ، والجهات التي تمارس هذا الأسلوب تعمد إلى تقديم عروض مغرية تضرب على وتر الدين وحرمانية معاملات الغير ، وتدعمها بختم اعتماد الهيئة الشرعية لتكسبها صفة النقاء والطهر ، في الوقت الذي يدور كثير من الجدل الفقهي حول صحة التكييف الشرعي لهذه العمليات ، خاصة تلك التي تتبنى مفهوم التورق أساسا لهذا التكييف . أحد المستشارين القانونيين في أحد البنوك الإسلامية برر هذا الارتفاع في تكلفة عمليات التمويل الإسلامية بأنه يتطلب جهودا إضافية في ترتيب العقود والمعاملات والوثائق الخاصة بهذا النوع من العمليات ، إضافة إلى ارتفاع نسبة المخاطر المترتبة عليها فيما يتعلق بتعثر السداد ومنع تطبيق غرامات التأخير عليها . وأنا في الحقيقة لم أستطع أن أفهم أو أقبل هذا التبرير ، إذ أن حرص المتعاملين على البعد عن الوقوع في المعاملات المحرمة شرعا لا يجب أن يوقع عليهم تحمل أعباء وتكاليف إضافية ناتجة عن تعقيدات مفتعلة في هذه المؤسسات ، بما فيها تكاليف أجور أعضاء الهيئات الشرعية التي يدفعها أولئك المتعاملون . كنت قد أشرت في مقال سابق إلى أن بطاقات الائتمان الإسلامية تبلغ تكاليفها السنوبة أكثر من ثلاثة أضعاف تكاليف بطاقات الائتمان التقليدية ، فهل عجزت المصرفية الإسلامية عن معالجة هذه المشكلة ، وهل يعقل أن يتحمل الناس مثل هذه الأعباء المرتفعة ثمنا لحرصهم على الحلال والبعد عن الحرام .
خلاصة القول ، ديننا الإسلامي دين السماحة واليسر ، وما نشهده من حالات صارخة من المتاجرة بالدين تتطلب وقفة حاسمة وحازمة من هيئة كبار العلماء والحكماء من رجال الدين في هذا البلد الذي يضم بين جنباته أقدس بقاع الأرض ، وشهدت أرضه انطلاق أعظم الرسالات السماوية . أما أن يكون هذا البلد موطنا لاستغلال الناس باسم الدين ، وأن يكون طول اللحى وسيلة لخداع الناس وكسب ثقتهم لتحقيق مكاسب مادية رخيصة ، فهذه لعمري مصيبة كبرى ، وواقع يتنافى مع مباديء الدين الحنيف ، ويتعارض مع توجهات قيادة الدولة التي رفعت منذ نشأتها راية الإسلام ، وجعلتها رمزا لها يرفرف خفاقا تعبيرا عن رفعة الدين وتطبيق تعالميه ومبادئه في هذا البلد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق