بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، ١٠ أبريل ٢٠١٢

لقاء وزير الاقتصاد والتخطيط .. لا جديد تحت الشمس

عندما تلقيت دعوة لجنة شباب الأعمال في غرفة الرياض لحضور اللقاء الذي نظمته اللجنة  مع معالي الدكنور محمد الجاسر وزير الاقتصاد والتخطيط قمت على الفور بإلغاء كافة ارتباطاتي في ذلك الوقت حرصا مني على حضور هذا اللقاء رغبة مني في الاستماع إلى ما سيقوله هذا الرجل الذي تولى مهمة قيادة هذه الوزارة الحاضرة الغائبة . حضرت هذا اللقاء محملا بالكثير من الآمال في أن تطال نجاحات هذا الرجل السابقة هذه الوزارة ، وأن يتمكن من أن يعيد إليها بريقها ومكانتها انطلاقا من أهمية دورها في منظومة التنمية الوطنية . ولكنني خرجت من هذا اللقاء بصورة مغايرة لتلك التي دخلت بها إليه ، إذ أنني لم أجد في حديث الوزير ما يشيع الأمل ويوحي بالثقة التي يحملها الكثيرون تجاهه انطلاقا من سجله الحافل بالنجاحات في مهامه القيادية السابقة . ولأنني لم أتمكن من الحصول على فرصة للتعليق في ذلك اللقاء ، بالنظر إلى سيطرة أعضاء مجلس إدارة الغرفة الذين احتلو الصفوف الأولى في القاعة على دفة الحديث ، فإنني رأيت أن أسجل تعليقي على صفحات هذه الجريدة ، عله يجد لدى الوزير أذنا صاغية وصدى يعينه على تصحيح الرؤية تجاه مهمة هذه الوزارة ودورها الحيوي .
أول الملاحظات حول حديث الوزير في هذا اللقاء أنه جاء مكتوبا بلغة معقدة ومتقعرة لم تكن أبدا ملائمة لشريحة الحضور الذين كانو في معظمهم من شباب الأعمال الذين نظمت لجنتهم هذا اللقاء . والشيء الآخر أن حديث الوزير تبنى ذات اللغة التخديرية التي نسمعها دوما في أحاديث المسئولين ، فالوزير أورد في حديثه مجموعة من المؤشرات الرقمية التي أراد بها إبراز منجزات خطط التنمية ، فأورد في حديثه تلك الأرقام التي استرشد بها على تنويع القاعدة الاقتصادية وارتفاع نسب الصادرات غير البترولية إلى الواردات السلعية ، وأورد أيضا أرقاما متناثرة تشير إلى ارتفاع إنتاج الاسمنت كمؤشر على نهضة قطاع البناء ، وارتفاع معدل أعمار السكان كمؤشر على تطور القطاع الطبي ، والزيادة في طول الطرق المعبدة وغير ذلك من الأرقام التي نسمعها دوما بما تحمله من إيحاء بالمنة على الوطن والمواطنين . ومع أن الوزير قال أن الدولة غير راضية وغير مكتفية بهذه الإنجازات ، وأن ملك البلاد دأب على حث الوزراء على سرعة وكفاءة الإنجاز ، إلا أنه لم يتناول بحديثه مواطن الخلل والقصور في خطط ومنجزات التنمية ، ولم يعرج على المشكلات التي ظلت حتى الآن بارزة على السطح دون حلول جذرية بالرغم من بقائها محل البحث لسنوات طوال . والشيء الآخر أن حديث الوزير خلا من تأسيس أية مقارنة دقيقة بين هذه الأرقام التي تبرز الإنجازات وتلك التي تضمنتها خطط التنمية السابقة ، بما يمكن أن يؤسس قياسا حقيقيا لمقدار النجاح في تنفيذ تلك الخطط . حديث الأرقام هذا ليس جديدا في الخطاب الرسمي السعودي ، وهو بالعموم فقد مصداقيته خاصة بعد ممارسته باقتدار من قبل الهيئة العامة للاستثمار . ولكن المشكلة هنا أنه أتى من وزير يتمتع بكم كبير من المصداقية استنادا إلى نجاحاته السابقة ، خاصة وأنه لم يمض بعد في هذه الوزارة أكثر من ثلاثة أشهر . كنت أتمنى أن يترفع الوزير هذه المرة عن حديث الأرقام والإنجازات ويركز على المشاكل والتطلعات ، بل إنني كنت أتمنى أن يختصر الوزير حديثه المطول ، ويقول للحاضرين بكل بساطة أنه أتى ليستمع إليهم لا ليخطب فيهم حديثا ملوه وسئمو تكراره . ولكن يبدو أن الهالة الإعلامية التي تحيط بصاحب المنصب لم يكن لها أن تسمح بمثل هذا الموقف . وفي الخلاصة ، فإن حديث الوزير أبرز حقيقة أن هذه الوزارة لا زالت تعيش في برج عاجي من الدراسات والإحصاءات النظرية بعيدا عن تلمس المشكلات على أرض الواقع ، بما يمكن أن يؤسس لإعادة صياغة دورها وتفعيله في منظومة التنمية الوطنية .
أحد النقاط التي وردت في حديث الوزير وأثارت كثيرا من الجدل هي قوله أن دور وزارته هو التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة ، وليس التدخل في تنفيذ خططها وبرامجها ، وأن عملية التخطيط لا يجب أن تكون مركزية كما هو الحال في المجتمعات الاشتراكية ، بل إنها يجب أن تنحصر في تخطيط الأهداف والاستراتيجيات والتنسيق مع الجهات الأخرى لوضع خطط تنفيذها وتفعيلها على أرض الواقع . ومع أني أتفق مع رؤية الوزير حول عدم جدوى مفهوم المركزية في إدارة الدولة وخطط التنمية ، إلا أنني أبرز هنا الفارق بين مركزية التخطيط ومركزية الإدارة . فمركزية التخطيط تمثل مطلبا مهما في ظل غياب آليات التشريع البرلمانية ، واضطلاع الدولة بهذه المهمة بشكل أساسي . وغياب مركزية التخطيط هي في رأيي السبب المباشر وراء تضارب الخطط والبرامج والسياسات التي تقوم بإعدادها أجهزة الدولة المختلفة بشكل ذاتي ، فتجدها بالعموم تأتي متضاربة أحيانا ومعزولة أحيانا عن مجمل توجهات الدولة الاستراتيجية . وبالتالي ، فإن التخطيط المركزي يمثل الوسيلة الأنجع لضمان تنسيق هذه الخطط والاستراتيجيات ، وتحقيق التكامل والتنسيق المطلوب بينها ، وهو ما يبرز أهمية دور هذه الوزارة بهذا الصدد ، وهو الدور الذي قلت سابقا أنه لن يتحقق طالما بقيت مهمة التخطيط مناطة بجهاز الوزارة التي تقف على درجة واحدة مع بقية الوزارات التنموية ، وهو ما يجعلها أقل قدرة على أداء هذا الدور ، وقيادة أدوار بقية الوزارات والأجهزة الحكومية . ومن جهة أخرى ، فإنه بالرغم من اتفاق الجميع على عدم جدوى مركزية الإدارة ، إلا أنها حالة ممارسة على أرض الواقع في ظل سيطرة وزارة المالية على توجيه وإدارة المخصصات المالية للأجهزة الحكومية ، إلى درجة أن صرف المستخلصات يتم باعتماد الممثلين الماليين التابعين لوزارة المالية ، وهو ما يبرزه أيضا ذلك التفاوت الملحوظ بين الأرقام الواردة في خطط التنمية وتلك الواردة في موازنات الدولة السنوية ، في الوقت الذي كان من المفترض أن تعكس أرقام الموازنات آليات تنفيذية لخطط التنمية في انسجام واضح يحقق التكامل المأمول بين أدوار هذه الأجهزة .
خلاصة القول ، تخطيط التنمية مهمة تحتل مكان الرأس من جسد إدارة التنمية ، وهي المحور الأساس والموجه الأول لنجاحها بما يحقق تطلعات الوطن قيادة ومواطنين . هذا النجاح يتطلب مراجعة حاسمة وسريعة لدور الوزارة وموقعها في هيكل الدولة التنظيمي ، وربما يكون أحد أدوات تحقيق هذا التوجه هو دمج وزارة التخطيط والهيئة العامة للاستثمار مع المجلس الاقتصادي الأعلى ، ليكون جهازا مركزيا يقود ويدير عملية تخطيط التنمية وتنسيق برامجها مع هيئات ووزارات الدولة التنفيذية . وهنا أجد لزاما علي أن أشير إلى أن سيطرة المحور الاقتصادي على مفهوم التنمية لا يمكن أن تحقق النجاح المأمول لهذه التنمية ، إذ لابد أيضا أن يبرز اهتمام مماثل ببقية المحاور ، بما فيها محاور التنمية الاجتماعية والبشرية والسياسية وغيرها من محاور التنمية الشاملة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق