بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ٢١ مايو ٢٠١٢

عهد جديد لهيئة الاستثمار


جلست يوم الخميس بحسب عادتي الأسبوعية أستعد لكتابة مقال الأسبوع في هذه الجريدة ، وإذ بهاتفي الجوالي يرن منبئا بوصول رسالة نصية . تناولت هاتفي وفتحت الرسالة لأجد فيها خبر صدور عدد من القرارات الملكية بتعيين عدد من  المسئولين في مواقع قيادية في عدد من مؤسسات الدولة . سيطر على نفسي حينها شعور طاغ بالتفاؤل ، خاصة عندما قرأت من بين الأسماء التي تضمنها الخبر اسم المهندس عبد اللطيف بن أحمد العثمان الذي تم تعيينه محافظا للهيئة العامة للاستثمار . هذا الرجل كنت قد التقيته أثناء تلك الزيارة التي استضافتني وعدد من كتاب الرأي فيها شركة أرامكو السعودية ، فعرفته رجلا محملا بكنوز من المعرفة والمهارات والرؤية الثاقبة انعكست سجلا حافلا بالإنجازات والنجاحات التي شكلت لبنة هامة في سجل نجاح وتميز هذه الشركة الرائدة . المهندس عباس بن أحمد هادي الذي تم تعيينه نائبا لوزير الإسكان هو أيضا أحد رجالات هذه الشركة ، وهو ما يؤكد الدور الحيوي الذي تقوم به في منظومة التنمية الوطنية ، إذ هاهي تمد مؤسسات الدولة بكفاءات بشرية مميزة ليسهمو في إدارة مؤسسات الدولة باقتدار ، عبر نقل مفاهيم ومهارات العمل الاحترافي في هذه الشركة إلى القطاع الحكومي بما يمكن أن يسهم في تطويرها والارتقاء بمستويات الأداء فيها . وإذ أزف التهنئة خالصة لهذين الرجلين ، وللدكتور خالد بن عبد القادر طاهر الذي تم تعيينه أمينا لمنطقة المدينة المنورة ، فإنني أدعو الله العلي القدير لهم بالتوفيق والسداد ، وأن يتمكنو من تحقيق نجاحات يتطلع إليها الوطن في مؤسسات تحمل مسئوليات جسام في منظومة التنمية الوطنية .
الهيئة العامة للاستثمار كانت على مدى السنوات الماضية محل نقد الكثيرين من الكتاب والمحللين ، وأنا منهم ، عطفا على المنهج الذي اتبعته ، والآثار التي أوقعها هذا المنهج على واقع الاستثمار وقضايا التوظيف ودور الاستثمار الأجنبي في هيكل الاستثمار والاقتصاد الوطني . كل ذلك النقد لم يكن الغرض منه شخصنة القضية ولا الهجوم على أحد بعينه ، بل كان غرضه الدفع لتحقيق النجاح المأمول لهذه الهيئة في الارتقاء بواقع وبيئة الاستثمار الوطني ، وتفعيل دورها في معالجة قضايا هذا القطاع الحيوي بما يعود بالنفع على الوطن والمواطنين . إلا أن واقع الحال في تلك الحقبة أبرز حالة من التفرد بالرأي ، وهي حالة عطلت أية إمكانية للاستفادة من الآراء المطروحة على ساحة الرأي . والهيئة وهي تبدأ عهدها الجديد تحت قيادة المهندس عبد اللطيف العثمان تواجه الكثير من التحديات والآمال التي تتطلب من هذا الرجل الاستماع إلى تلك الآراء وتمحيصها والاستفادة منها ، إذ هو يواجه مهمة تصحيح الانحرافات التي شابت مسيرة الهيئة في العهد الفائت ، وحالة التركيز على الأرقام كمؤشر على الإنجازات والنجاحات دون أن يكون لها أثر ملموس على أرض الواقع ، وأيضا حالة التركيز على جانب الاستثمار الأجنبي واللهث الدؤوب وراء استقطابه عوضا عن التركيز على تحسين بيئة الاستثمار المحلية ومعالجة ما تواجهها من مشاكل وعقبات ، بما يمكن أن يوفر بيئة جاذبة للاستثمارات المحلي منها والأجنبي .
أقول هنا لمحافظ الهيئة الجديد ، هيئة الاستثمار يجب أن تكون راعية ومنظمة ومسئولة عن كل جوانب الاستثمار ، وهي مسئولة أيضا عن تحقيق مكتسبات حقيقية تعود على الوطن والمواطنين بالنفع والرخاء . أول مهام الهيئة في عهدها الجديد يجب أن تكون تلمس وفهم وحصر العقبات التي تواجه بيئة الاستثمار في المملكة ، والعمل على معالجتها وتذليلها أمام كل فئات المستثمرين وشرائحهم ، ومد الجسور بين مؤسسات الدولة المختلفة ليسهمو جميعا في تحقيق رؤية وطنية لتنمية قطاع الاستثمار . بيئة الاستثمار المحلي يا معالي المحافظ تعاني الأمرين من سطوة بعض الجهات الحكومية وتعنتها تجاه المستثمرين المحليين ، فيما هيئة الاستثمار أتاحت المجال للمستثمرين الأجانب ليرتعو في أرض الوطن ، إما بوعود زائفة عن استثمارات مليارية لم يتحقق منها إلى نزر يسير ، وإما بمؤسسات خدمية وكيانات واهية ضعيفة كل ديدنها استنزاف مقدرات الوطن وموارده المالية وتهجيرها إلى الخارج ، وليست مؤسسات المقاولات ومحلات المطاعم والحلاقة وغيرها بعيدة عن رؤية الجميع على أرض الواقع . هيئة الاستثمار يا معالي المحافظ يجب أن تحرص كل الحرص على أن تسهم هذه الاستثمارات الأجنبية على توفير فرص عمل لأبناء الوطن ، وهو ما ترفعت عنه في عهدها السابق بشكل أصاب الكثيرين بخيبة أمل خانقة . أذرع الدولة الاستثمارية سبقت الكيانات الخاصة في ضخ المليارات من الدولارات في استثمارات خارج حدود الوطن ، بينما الهيئة تستقطب الاستثمارات الأجنبية إلى أرض الوطن ، وهو لعمري تناقض مخل لا يمكن فهمه . والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية ليست إلا مثالا على هذا الواقع ، فهي تملك ما يزيد عن 300 مليار ريال من الاستثمارات الأجنبية خارج المملكة ، ومثلها كذلك المؤسسة العامة للتقاعد ، وصندوق الاستثمارات العامة ، ومؤسسة النقد العربي السعودي ، وغيرها الكثير مما نعلمه ولا نعلمه . معالجة هذا الواقع المرير تتطلب معالجة واقع بيئة الاستمار المحلي ، والعمل على خلق فرص استثمار واعدة تجذب الاستثمارات المحلية منها والأجنبية ، وتحقق لأبناء الوطن فرصا وظيفية بعيدا عن استجداء المعونة التي يقدمها برنامج حافز وزارة العمل . قضية التستر الخفي والمعلن هي أيضا إحدى القضايا التي يجب على الهيئة أن تبادر إلى معالجتها معالجة جذرية ، وليس قطاع محلات التجزية والخضار إلا نموذجا لهذه الواقع المخل في هذه الظاهرة .
خلاصة القول ، هيئة الاستثمار دخلت اليوم عهدا جديدا ملؤه التفاؤل النابع من شخصية قائدها الجديد ، وقادة الوطن وأبناؤه جميعا يترقبون بشغف ما سيقدمه لهم . أعلم أن المهمة صعبة ، وأعلم أيضا أنه أحد أكفأ من يمكن لهم أن يضطلعو بها باقتدار . وإذا كانت ثقة القيادة قد برزت هذه المرة في أحد أجمل صورها ، فإنني أدعو الله العلي القدير لهذا الرجل بالتوفيق والسداد ، عسى أن يتحقق على يديه الأمل المنوط بهذه المؤسسة الحيوية ، والحلم الذي يراود خيال كل مواطن من أبناء هذا الوطن الحبيب .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق