سبعمائة وثلاثون يوما كاملة مرت منذ نشرت
في هذه الجريدة مقالا بعنوان "يتطاولون في البنيان" سطرت فيه عددا من
التساؤلات والملاحظات حول ظاهرة المباني العالية التي باتت مسيطرة على مشهد
التطوير العمراني في المدن السعودية الكبرى على وجه الخصوص . لم أكن أتوقع بالطبع
أن يؤدي ذلك المقال إلى إحداث تغيير مباشر على واقع هذا المشهد ، ولكنني رجوت على
الأقل أن يحدث حالة من المراجعة والتقييم وربما حتى المناقشة المضادة لمضمون تلك
التساؤلات والملاحظات التي تضمنها المقال . وبعد مرور هذه المدة ، طالعت اليوم خبر
عقد اجتماع لمستثمري مشروع برج جدة الشاهق الذي أعلن أنه سيكون الأعلى في العالم
لمناقشة سير العمل في هذا المشروع . هذا المشروع ليس الوحيد الذي يقع في تصنيف
المباني العالية التي ناقش المقال جدواها ، ولكنه بالتأكيد يمثل حالة متطرفة من
التعبير عن هذا الاتجاه في تطوير المباني العالية ، خاصة مع كل تلك الأرقام
الفلكية التي تضمنها الخبر عن مساحة المشروع ومكوناته وتكلفة تنفيذه . والمشكلة أن
كل تلك المدة منذ نشر ذلك المقال شهدت تصاعدا مطردا لأرقام الطلب على المساكن ،
وارتفاعا متواصلا لأسعار الأراضي ، وعجزا مستمرا عن إيجاد حلول مثمرة لأزمة
الإسكان المستشرية ، بما في ذلك تعثر مشاريع تطوير المناطق العشوائية التي تشهدها
على وجه الخصوص مدينة جدة موطن هذا المشروع الخارق .
مدينة جدة ، عروس البحر الأحمر التي علتها
ملامح الشيخوخة المبكرة ، تعيش كثيرا من المشاكل الهيكلية في بنيتها العمرانية
والقصور المشهود في بنيتها التحتية وشبكات الخدمات فيها . هي ذات المدينة التي لا
زال أهلها يتذكرون صور كارثتي السيول المتتابعتين فيها دون أن يرو بعد ثمرة جهود
المعالجة التي تم الإعلان عنها مؤخرا . وهي ذات المدينة التي يئن سكانها من ازدحام
الطرق والشوارع فيها ، خاصة مع تأخر وتعثر العديد من مشروعات الجسور والأنفاق التي
كان يفترض إنجازها منذ سنوات مضت . وهي ذات المدينة التي يعاني أهلها من انقطاع
المياه المتكرر ، وتجوب شوارعها صهاريج الصرف الصحي التي تسد ثغرة النقص في تنفيذ
شبكاتها التحتية . وهي ذات المدينة التي يصرخ سكانها بالشكوى من ارتفاع تكاليف
إيجار المساكن حتى بلغت عنان السماء فيما هم عاجزون عن تحقيق حلم تملك مساكنهم في
ظل عجز أجهزة الدولة وعلى رأسها وزارة الإسكان عن تحقيق اختراق حقيقي في معالجة
هذه الأزمة . وهي ذات المدينة التي لا زال أهلها يحلمون بإنجاز مشروع المطار الحلم
فيما هم وضيوفهم يعانون الأمرين من مطارها الحالي الذي لم تفلح جهود الترقيع التي
طالته في تحسين بيئته المهلهلة . هذه الحالة من التناقض الصارخ لا يمكن إلا أن
تثير التساؤلات حول جدوى بناء مثل هذا المشروع في مثل هذه المدينة الجريحة ، فهي
أحوج إلى هذه المليارات لمعالجة مشكلاتها وتوفير حياة كريمة لسكانها بدلا من
التباهي والتفاخر والمنظرة وسباق التطاول في البنيان . مشروع برج جدة ليس مشروعا
لأهل جدة ، بل هو مشروع للنخبة الذين يملكون الإمكانات المادية ليعيشو غمار
التجربة الثرية التي سيقدمها ، وهو مشروع لاستنزاف موارد الناس الذين سيغريهم
المشروع بزيارته والتجول في أسواقه وجنباته وربما أيضا الصعود إلى قمته الشاهقة
ليتفرجو على جدة من عل لكي لا يرو ما أصابها من تلف . أحد المستثمرين قال أن هذا
المشروع سيكون رافدا للسياحة في هذه المدينة ، وأنا لا أدري هل هو بهذا الحديث
يضحك على أهل جدة أم على نفسه أم على رفاقه من المستثمرين ، فعن أية سياحة يتحدث
في مدينة يحدث أهلوها أنفسهم بهجرانها بعد أن حاصرتهم وأرقتهم معاناتهم اليومية
فيها ، وعن أية سياحة يتحدث في بلد لا يملك أيا من المقومات الأساسية لصناعة
سياحية حقيقية . حتى أولئك الذين يمكن أن يستقطبهم هذا المعلم العالمي من سياح
الخارج سيصطدمون بواقع عجزهم عن الحصول على تأشيرات لدخول بلد لا زال مغلقا في وجه
أفواج السياحة العالمية .
بعيدا عن الحديث العاطفي ، فإنني أجدد أيضا
ذات التساؤلات التي طرحتها في مقالي السابق في معرض الحديث عن هذا المشروع في هذه
المدينة الجريحة . فهل بنية جدة العمرانية يمكنها أن تستوعب مثل هذا البرج والأبراج
المحيطة به ، وهل شبكات الطرق التي كانت مصممة لمبان أقل ارتفاعا وفق الأنظمة
السابقة يمكنها أن تستوعب حجم الحركة المرورية التي تصبها تلك الأبراج فيها ، وهل
تملك أجهزة الدفاع المدني الإمكانات والقدرات الفنية والبشرية لمواجهة أية حرائق
أو كوارث يمكن أن تصيب أيا من هذه الأبراج لا سمح الله . كل هذه التساؤلات وغيرها
مما أوردته في مقالي السابق تتطلب وقفة جادة لمراجعة هذه الظاهرة الخطيرة ، على
الأقل ، كما قلت سابقا ، لتقنين هذه الظاهرة والسيطرة على هذا السباق المحموم
للتطاول في البنيان ، وتشجيع توجيه الاستثمارات إلى مجالات أخرى تمثل في بعضها
حاجات حقيقية وملحة ، وعلى رأسها قطاع الإسكان ، وكذلك لتفعيل استراتيجية التنمية
الوطنية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر منذ سنوات دون أن تجد سبيلا للتطبيق
الحقيقي على أرض الواقع ، وهي تلك التي تدعو إلى توزيع وتوازن الاستثمارات عبر
محاور التنمية الإقليمية والوطنية عوضا عن تركيزها في المدن الكبرى التي باتت
تعاني حالات من النمو السرطاني الخطير .
خلاصة القول ، هذا المشروع وغيره من
المشروعات المشابهة ، بما فيها مشروع مركز الملك عبد الله المالي ومدينة الاتصالات
والتقنية وأبراج استثمارات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وغيرها الكثير
إنما هي مشروعات تهدر موارد الوطن ومقدرات أبنائه . وإذا كانت كل تلك الكيانات
التي تقوم عليها تعمل من منطلق استثماري بحت بحثا عن الربح الجزيل ، فهل يمكن أن
تبقى الدولة وأجهزتها ، وعلى رأسها وزارة الشئون البلدية والقروية ، في هذه الحالة
المستمرة من الصمت والتراخي ؟ . أرجو ألا تمر سبعمائة وثلاثون يوما أخرى أكتب
بعدها مقالا آخر عن مشروع خارق آخر من مشاريع التطاول والتفاخر الجوفاء .
لأفض فوك يابسة إذ خالد وسلمت يمناك على هذه السطور التي وصفت الواقع المرير لعروس البحر الأحمر التي ان لم يتدخل عقل أيها لوقف معاناتها ستصبح عانس البحر الأحمر ولك مني كل الحب والاحترام على هذا الطرح الاكثر من رائع
ردحذففراس طرابلسي
You are pointing to the illness , but who is hearing !
ردحذفMy regards
معاناة جدة لن تتوقف عند حد معين ولن تنتهي الا بان يطلق عليها رصاصة الرحمة
ردحذفقد كنت اسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
فالاجهزة المعنية مشغولة بمشاركة المتطاولون في البنيان الربح الجزيل رغم ان الحكومة وفرت لهم الكثير
ودوام الحال من المحال فهل سوف تستيقظ بعد كارثة جديدة لجدة خاصة لا سمح الله
كم تستطيع جدة ان تحتمل من كوارث
هل التطاول في البنيان وتسخير كل مقدرات الاجهزة للمظي قدما بهذه المشاريع تساعد جدة فعلا ، تحميها من الخطر القادم او تقدما حلولا لسكان المدينة العجوز
هل تفتح افاقا من الرقي والحياة الكريمة ام تزيدهم سوء بارتفاع الاسعار