بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٦ أغسطس ٢٠١٢

التفحيط .. الإرهاب المباح


منظر الأشلاء التي كانت تتطاير من السيارة التي كانت تتقلب على الرصيف الذي اصطدمت به في ذلك المشهد المروع الذي تناقلته القنوات الفضائية ومواقع الانترنت لم يفارق مخيلتي منذ ذلك الحين . فبقدر ما كنت أسمع عن حوادث التفحيط وأرى بعضا منها أحيانا ، إلا أن أيا مما رأيت أو سمعت لم يبلغ مبلغ الترويع في هذا المشهد . أعجبتني كثيرا هذه الجرأة في عرض المشهد على شاشات التلفزيون عل ذلك يحدث صدمة توقظ الشباب والأهالي وحتى المسئولين في الأجهزة الحكومية المسئولة عن استشراء ظاهرة التفحيط واستمرارها على مدى أكثر من ثلاثين عاما بالرغم من تلك الأحاديث المتفرقة والحملات الخجولة ضدها . الشيء الأكيد أن هذه الظاهرة هي نتيجة لعوامل كثيرة ، ربما يكون أهمها الكثير من الخلل في أداء عدد من الأجهزة الحكومية . ولكي نؤسس لمعالجة فاعلة لهذه الظاهرة لابد أن نضع أيدينا على هذا الخلل ، وأن تعي تلك الجهات الحكومية عظم المسئولية الملقاة على عاتقها ، وحتمية تصحيح مواطن الخلل لحماية أبنائنا وشبابنا من أن يلقو بأيديهم إلى التهلكة .
إدارة المرور هي أول المقصرين في هذه الظاهرة ، وهو تقصير يمس جوانب كثيرة نرى تبعاتها كل يوم في شوارع وطرق المدن السعودية . فالغياب الميداني لدوريات المرور أفسح المجال لكثيرمن الممارسات والسلوكيات الخاطئة في القيادة ، بدءا بقطع الإشارات والتسابق في الطرق والوقوف الخاطيء وغير ذلك الكثير . التفحيط أحد هذه الممارسات التي شاعت في ظل غياب الرقابة الميدانية من قبل دوريات المرور ، حتى أنها عجزت عن تلبية البلاغات الطارئة عن تلك التجمعات أو حالات التفحيط التي تحدث في الطرق العامة أحيانا وفي داخل الأحياء أحيانا أخرى . بطء استجابة دوريات المرور حالة لا يمكن إنكارها ، وكثير منا اضطر للانتظار ساعات طوالا في انتظار وصول دوريات المرور عند وقوع حوادث مرورية أو حالات تفحيط . أنا وغيري الكثيرون نعاني الأمرين من ممارسات التفحيط داخل الأحياء صباحا ومساء بعيدا عن أعين المرور ، وكم من طفل أو مريض أو شيخ انتفض منتبها من أصوات التفحيط داخل الأحياء . والحقيقة ، أنا كاميرات نظام ساهر لم توضع لتفعيل وسائل الرقابة على الطرق والميادين ، بل لتصيد المخالفين وجباية أموالهم فحسب . كان الأجدى أن تعمد إدارة المرور وأجهزة الأمن الأخرى لنشر نظام للكاميرات يراقب الطرق والميادين وحتى الشوارع داخل الأحياء لتحقيق رقابة فاعلة تمنع كثيرا من صور المخالفات المرورية والأمنية على حد سواء .
وزارة الشئون البلدية والقروية هي الأخرى تشترك في المسئولية ، فنمط التخطيط الذي تبنته كان سببا مباشرا في تهيئة المناخ لمثل هذه الممارسات الخاطئة . شوارع مدننا وأحيائنا السكنية تم تخطيطها للسيارة وليس للبشر ، وهي في الغالب الأعم تتصف بالاستقامة والاتساع بما يشجع على سرعة القيادة دون أية عوائق اللهم إلا تلك المطبات الصناعية التي يعمد بعض الأهالي لوضعها في شوارع الأحياء للحد من جنون سرعة القيادة والتفحيط فيها . والحقيقة أن نمط التخطيط في الأحياء لم يشهد أي تطور يذكر على مدى سنوات طويلة ، ولا زالت الأحياء الجديدة تحمل ذات السمات وتتبنى ذات المباديء التخطيطية مع كل ما تحمله من مشكلات على مستوى الخصوصية وفقدان العنصر الإنساني وسيطرة السيارة على المشهد التخطيطي . إن النمط الذي تبنته أمانة منطقة الرياض في تحسين التصميم العمراني لبعض الشوارع كشارع التحلية على سبيل المثال يمثل أسلوبا مجديا في السيطرة على حركة السيارات والتقليل من فرص التهور في القيادة فيها . والمطلوب أن تتبنى وزارة الشئون البلدية والقروية هذا النموذج في الطرق والشوارع في كافة المدن السعودية ، وأن تتبنى أيضا أنماطا تخطيطية مختلفة في تطوير الأحياء الجديدة ، يكون فيها العنصر البشري هو أساس التخطيط بدلا من السيارة .
الرئاسة العامة لرعاية الشباب غابت تماما عن المشهد في هذه الظاهرة ، فهي لم تجد من قضايا الشباب سوى كرة القدم وبعض الرياضات الأخرى مجالا للتركيز والتعاطي . وحتى في هذا الجانب ، فهي قد غابت تماما عن التعامل مع قيادة السيارات كأحد الرياضات التي تقع ضمن إطار اختصاصها ، وأغفلت تبني برنامج متكامل لتهيئة حلبات السيارات وتسجيل وتأهيل وتدريب الممارسين لهذا النوع من الرياضة ، لتتركهم يمارسونها في الشوارع العامة ويحولوها إلى حلبات للموت .
وزارة التربية والتعليم تتحمل أيضا شيئا من المسئولية في هذه القضية ، فبالرغم من شيوع هذه الظاهرة واستشرائها على مدى سنوات طوال ، إلا أننا لم نر أي جهد من الوزارة لتوعية النشأ من مخاطرها وتبعاتها ، ولم نسمع يوما عن حملة بين صفوف الطلاب لتلمس اهتمامهم وشغفهم بها ، وتحري أولئك الذين يمارسونها عند أبواب المدارس في أعقاب نهاية اليوم الدراسي . لا أدري إن كانت الوزارة تعلم كم من الممارسات الخاطئة تقع في أوساط طلاب المدارس ، بما فيها ظاهرة التفحيط وما يصاحبها أحيانا من تعاط للمخدرات والمسكرات ، وهي مشاهد تكثر على وجه الخصوص في بعض المدارس الأهلية التي تصنف على أنها مدارس للنخبة المخملية من شباب يعتقدون أنهم فوق القانون .
جهات أخرى كثيرة تتحمل قدرا من المسئولية في هذه الظاهرة ، بما فيها الإعلام والشئون الاجتماعية ومؤسسات التمويل وغيرها الكثير . وفي حقيقة الأمر ، فإن هذه الظاهرة ليست إلا نتيجة للخلل الفاضح في التعاطي مع قضايا الشباب واحتياجاتهم وتطلعاتهم . وبين غياب الرقابة والحزم من ناحية ، وغياب الحلول البديلة من ناحية أخرى ، وغياب التوعية والتربية الحقة من ناحية ثالثة ، ها نحن قد خلقنا جيلا من المجرمين الأبرياء ، يحصدون أرواحهم وأرواح الآخرين فيها هم يبحثون عن سد مآربهم من ترفيه وإثبات للذات وبحث عن الشهرة والتميز . ظاهرة التفحيط ليست إلا شكلا من أشكال الإرهاب الذي أسهم المجتمع برمته في إذكاء ناره وتجنيد فئات من الشباب جنودا له . وبهذه النظرة التي لا تخلو من حدة ، فإن الحل لن يكون بمبادرات منفردة من هنا وهناك ، وإنما ببرنامج وطني متكامل موجه لمعالجة مشاكل الشباب وقضاياهم بما فيها البطالة والمشاكل الاجتماعية والسلوكية وغيرها من المشاكل .وفي ظل غياب المسئولية وتشتتها بين أجهزة متعددة يبرز السؤال الأزلي الذي لا نجد له جوابا .. من يعلق الجرس ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق