ها أنذا أعود إلى الكتابة بعد أن كنت قد آثرت الصمت وإفساح المجال
لغيري من الإخوة الكتاب للإدلاء بدلائهم في قضايا الوطن . هذه العودة يعود الفضل
فيها ، أو بالأحرى وزرها ، إلى وزير الإسكان . فبعد أن شاهدت لقاءه في حلقة برنامج
الثامنة شعرت بغصة ما بعدها غصة ، اختلطت بغصة خسارة منتخبنا الوطني أمام منتخب
العراق الشقيق في دورة كأس الخليج فطار النوم من عيني ، ووجدتني أتناول حاسوبي
الصغير لأرسل هذه الرسالة لمعالي الوزير ، عله ينصت هذه المرة ، ليس حرصا عليه
وعلى كرسيه ، بل على نجاحه في حلحلة أزمة تكاد تعصف بآمال الناس ، وتوقع خطرا
عظيما بأمن الوطن واستقراره .
حديث الوزير هذه الليلة جاء مليئا بالمغالطات وتزييف الحقائق ، ملفقا
ومفبركا بطريقة لم تعد أن تنتج خطابا إعلاميا مهلهلا يروم تخدير الناس وشحنهم
بمزيد من الأحلام والتطلعات الواهمة ، ويتجاهل حقيقة أن المشكلة باتت طافية على
سطح مستنقع الفشل الذي غاصت فيه وزارة الإسكان ، ومعلومة للعامي قبل المتخصص . لن
أتمكن من تمحيص كل ما ورد في كلام الوزير لأنني سأعيد كثيرا مما قلته وقاله غيري
الكثيرون من أحاديث وتحاليل ونصائح صم الوزير عنها آذانه منذ أن تسنم قمة قطاع
الإسكان في هيئته أولا ثم في وزارته على مدى ما يزيد على ثلاث سنوات مضت من عمر
أحلام المواطنين . ولذلك فإنني سألخص رسالتي هذه مركزا على لب المشكلة في فهم
الوزير لطبيعة المشكلة ، عسى أن تقوده ليقر بشجاعة بخطأ منهجه والعودة إلى جادة
الصواب ، وهي عودة لا يجب أن تكون معلنة عبر وسائل الإعلام التي استخدمها لتسويق
حديثه المفبرك ، بل بعمل حقيقي جاد يرى الناس نتائجه ويلمسون آثاره على أرض الواقع
.
الإسكان قطاع وليس مشروعا يتحقق النجاح بإنجازه ، وأنا أكاد أجزم أن
هذه الحقيقة غائبة عن إدراك معالي الوزير ، فحديثه في البرنامج لم يوح لأحد بذلك ،
ولم يعبر عن فهمه للفارق الشاسع بين الرؤيتين بما ينعكس على منهج تعامله ومقاربته
لهذه القضية الشائكة . كل كلام الوزير كان عن مشاريع وزارته وعدد الوحدات التي
يجري وسيتم بناؤها ، وعن سير العمل فيها وبراعة جهازه المحنك في إدارتها ومتابعتها
والإشراف عليها ، وعن آلية توزيعها التي لم يتذكر أنه بحاجة إليها إلا بعد مضي
ثلاث سنوات من العمل دون منهج واضح المعالم ، وعن حرصه على توفير احتياجات
المعاقين والعجزة في تلك المشروعات ، وحماسه المفرط على تحقيق أحلام أولئك الذين
بلغو من العمر عتيا وهم ينتظرون تحقيق أحلامهم في الحصول على مساكن تحتويهم هم
وأسرهم . الجديد في حديث الوزير هذه المرة أنه جاء مفعما بتفاؤل مزيف أشبع به
حديثه لتخدير حماسة وشغف الناس ، فلم يتضمن حديثه أية اتهامات لجهات أخرى في
الدولة بالتسبب في تعثر تنفيذ مشاريعه ، وأغفل كيل الاتهامات لوزارة الشئون
البلدية والقروية بعدم توفير الأراضي اللازمة لمشاريعه ، أو لوزارة العمل بالتسبب
في تعثر مقاوليه بقراراتها الملونة ، بل إنه قال بالحرف الواحد أنه لا يوجد في
قاموس وزارته مايسمى بالعوائق . وزيرنا هذه المرة تخطى حتى النغمة المعتادة في
اتهام المقاولين بعدم الكفاءة والعجز عن أداء هذه المهمة العويصة بالغة التعقيد
التي حدت به إلى تكليف مكتب استشاري عالمي غير مرخص في المملكة للقيام بالإشراف
على هذا المشروع بعقد ملياري ضخم لم يسأله أحد عن نظاميته والجدوى منه . لا أدري
متى سيعي وزيرنا أن الإسكان قطاع اقتصادي وطني هام يطال بتأثيره شرائح اقتصادية
كثيرة في هيكل التنمية ناهيك عن مجمل التركيبة السكانية ، وأنه يتطلب درجة عالية
من التنسيق الفعال مع العديد من الأجهزة الحكومية الأخرى ، ومد كل الأيدي إلى
القطاع الخاص بالدعم والتمكين والتحفيز ليقوم بدوره المفترض في هذا القطاع الحيوي
. لا أدري إلى متى سيظل وزيرنا عاجزا عن فهم طبيعة أزمة الإسكان وجذورها ومسبباتها
وتعقيداتها ، وسيظل يقدم بين الفينة والفينة مبادرات متناثرة لا تسمن ولا تغني من
جوع ، يطلق بعضها حينا تحت مظلة وزارته ، وحينا تحت مظلة صندوق التنمية العقارية
الذي تثاقلت خطواته بعد أن ارتبط بإشراف الوزير عليه . لا أدري إلى متى ستظل تلك
المليارات التي خصصها ملكنا الصالح لهذا القطاع حبيسة خزائن مؤسسة النقد دون أن
يوظفها الوزير في تسريع خطوات وزارته المتثاقلة لتحقيق أحلام المواطنين البسيطة .
لا أدري إلى متى سيظل الوزير منكرا لواقع التدهور والتهالك الذي تعانيه مشروعاته
الجاري تنفيذها في سبعة وأربعين موقعا تأخر منها ست وأربعون وواحد فقط تم إنجاز
مبانيه ليتذكر رجال الوزارة المحنكون أنهم نسو شيئا اسمه البنية التحتية لتشغيل
تلك المباني فظل مغلقا لسنة أو يزيد .
الحقيقة أن أزمة الإسكان ستظل نقطة سوداء في كتاب التنمية الحافل
بالإنجازات في عهد هذا الملك الصالح ، وستظل حلما ، بل سرابا ، يلهث خلفه
المواطنون البؤساء جريا وراء مساعي الوزير الحثيثة في الطريق الخاطيء . والحقيقة
أنني أتعاطف كثيرا مع الجهد الكبير الذي يبذله الوزير ، فهو كما يقول يخوض بنفسه
غمار المتابعة الميدانية لمشاريع وزارته ، وأنا هنا أتجاوز فرضية أن هذا المسلك
إنما يعبر في حقيقته عن عدم ثقة الوزير في رجال وزارته من المهندسين والاستشاريين
. لكنني بالرغم من هذا التعاطف أحمل أضعافا مضاعفة من التعاطف والانحياز لتطلعات
المواطنين وأحلامهم التي لن تتحق بهذا المنهج العقيم الذي تعمل به وزارة الإسكان ،
وهذا الفهم القاصر عن حقيقة القطاع الذي تتولى إدارته . والجهد المقدر الذي يبذله
الوزير لن يغفر له ولن يبرر هذا القصور والفشل الذريع الذي يلوح في أفق الواقع
كقرص الشمس في وضح النهار . ولكن ما يمكن أن يغفر له ذلك هو تبني موقف شجاع يرفع
راية التصحيح والعمل على إدارة القطاع بمنهج أكثر فعالية وقدرة على الإنجاز ، تقوم
فيه الوزارة بدور المنظم والمشرع والمراقب والموجه ، والترفع عن القيام بدور
المطور الذي لبست ثوبه دون علم ومعرفة ، فأصبحت كأردأ ما يكون المطورون الذين
يتهمهم الوزير بالعجز والقصور .
أختم بكلمة عتب على القائمين على برنامج الثامنة الذي تمكن باقتدار من
أن يكون صوت المواطن ، فأنا أستكثر عليهم في الحقيقة أن يكون هذا البرنامج أداة
لتلميع الوزراء والمسئولين بهذه الطريقة الممجوجة التي شاهدتها هذه الليلة . أقل
القليل الذي كان يجب عليهم أن يقومو به أن يستعينو بعدد من المتخصصين ليعينوهم على
طرح حقيقة القضايا المتعلقة بهذا القطاع على طاولة المناقشة مع الوزير عوضا عن
تركه يبث هذا الحديث المفبرك الذي ظهر به البرنامج أداة تواطؤ للتلميع والتخدير .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق