تلعب الصناديق السيادية أدوارا مهمة وحيوية في تنمية استثمارات الدول ، وقد شهدت السنوات الأخيرة تناميا مضطردا لهذه الأدوار ، وبروزا واضحا لعدد من الصناديق السيادية الإقليمية في مجال الاستثمار على المستوى الدولى . وبالرغم من أهمية الدور الذي تقوم به هذه الصناديق في تنمية موارد الدول ، إلا أن هذه الأهمية قد تجلب معها كما من المخاطر على تلك الاستثمارات وبالتالي على اقتصادات الدول التي تنتمي إليها . وربما تكون التبعات التي انجرت على عدد من تلك الصناديق إبان الأزمة المالية العالمية نموذجا لهذا الواقع ، وهو ما ميز صندوق الاستثمارات العامة ، الصندوق السيادي للمملكة العربية السعودية . ومع أن وزارة المالية والقائمين على الصندوق لا يحبذون وصفه بصفة الصندوق السيادي ، إلا أن واقع الصندوق وموجوداته المالية وآليات الاستثمار فيه تفرض عليه هذه الصفة ، حتى وإن نتج عن هذه الصفة فتح باب المقارنة مع بقية الصناديق السيادية للدول الأخرى .
صندوق الاستثمارات العامة السعودي هو أحد وربما أكبر القنوات الاستثمارية لموارد الدولة في المملكة . وقد لعب الصندوق منذ تأسيسه أدوارا هامة وحيوية في تنمية الاستثمار داخل حدود المملكة ، وأسهم بفعالية في تأسيس عدد من أهم المشروعات الرئيسية بالمملكة ، والتي تمثل نقاط ومحطات رئيسية في مسيرة التنمية في المملكة . ومن أهم الأمثلة على هذه المشروعات التي أسهم الصندوق في تأسيسها ودعم نموها ، مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين ، وشركة سابك التي تعد أحد أكبر اللاعبين العالميين في صناعة البتروكيماويات ، وشركات أخرى كثيرة في مجالات متنوعة ومتعددة بنكية وعقارية وتجارية وصناعية وغير ذلك الكثير . ويعد صندوق الاستثمارات العامة أحد أهم المستثمرين في سوق الأسهم السعودي ، ويلعب بوزنه الهائل دورا يكاد أن يكون دور محرك السوق . علاوة على ذلك ، يقوم الصندوق بلعب دور تنموي آخر لا يقل أهمية عما سبق ذكره ، وذلك عبر قيامه بأداء دور تمويلي إقراضي لعدد كبير من المشروعات والأنشطة ، بما في ذلك المشروعات الطبية والتعليمية والسياحية وغير ذلك الكثير . هذه الأدوار التي لعبها ويلعبها الصندوق تحمل في مجملها سمة رئيسية ربما تشكل الفارق الأهم في محل مقارنته مع الصناديق السيادية للدول الأخرى ، وذلك في التوجه المحلي لاستثمارات الصندوق مقارنة بالتوجهات الدولية لصناديق الدول الأخرى . وهذه السمة مع أنها ربما كانت محل الكثير من النقد والمساءلة ، إلا أنها ربما كانت السبب الأهم في حماية الصندوق من العواصف التي ضربت الاستثمارات الخارجية للصناديق الدولية الأخرى مقارنة بصندوق الاستثمارات العامة الذي لم يتعرض لمثل تلك العواصف نتيجة لتوجيه استثماراته إلى الداخل ، علاوة على أن هذه الاستثمارات كان لها كبير الأثر في خلق صناعات وفرص عمل على المدى الطويل تؤسس في مجملها لتنمية طموحة مستدامة طويلة المدى ، عوضا عن صفقات التربح السريع التي طبعت الصناديق السيادية الأخرى .
وبالرغم من تميز أداء الصندوق على مر السنوات الماضية ، والنجاح الكبير في مسيرة التنمية الاقتصادية الذي يعزى قدر كبير منه لصندوق الاستثمارات العامة ، إلا أن الصندوق لا زال يمكن له أداء أدوار أساسية وحيوية أخرى في مسيرة التنمية ، بما يؤكد دوره الفاعل في دفع عجلة التنمية . ففي الوقت الذي يتكاثر فيه الحديث حول قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، والتأكيد على الأهمية الحيوية لهذا القطاع في منظومة الاقتصاد الوطني لأي دولة ، نجد أن دور صندوق الاستثمارات العامة لا زال قاصرا مقارنة بحجم الطموح والتطلعات المنوطة بهذا الصندوق . ولست أتحدث هنا عن الدور الذي يلعبه الصندوق وفق برامج التمويل والإقراض المباشر للمشروعات المختلفة ، بإنني أعني على وجه التحديد قيام الصندوق بتأسيس ورعاية برامج محددة لتوظيف رأس المال المغامر لدعم الكيانات الناشئة ، وتمويل الكيانات الصغيرة والمتوسطة التي تحمل إمكانات تنموية متميزة . إن الاستثمار في الشباب وأفكارهم وطموحاتهم يحمل إمكانات كبيرة يمكن أن تعود على الوطن بالخير الكثير ، ليس فقط عبر خلق فرص وظيفية مباشرة وغير مباشرة لهؤلاء الشباب ، ولكن أيضا عبر تأسيس كيانات يمكن لها أن تسهم إسهامات فاعلة في منظومة التنمية انطلاقا من القاعدة الأوسع لهرم الأنشطة الاقتصادية . إن الغالب على استثمارات الصندوق في الفترة الماضية هو التركيز على الاستثمارات التي تقع في قمة الهرم ، وهي الاستثمارات التي تتطلب أحجاما ضخمة من التمويل وتتصف بدرجة عالية من الأمان . وفي رأيي ، فإن الوقت قد حان للصندوق ليوسع دائرة مشاركته فيا لتنمية عبر مساهمة فاعلة في تنمية ودعم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، وخاصة التي تملك إمكانات قائمة على إبداعات مهنية وخدمية ومؤسسية .
خلاصة القول ، صندوق الاستثمارات العامة قام بالكثير ويؤمل منه الكثير . وإذ يشكر المجتمع لهذا الصندوق والقائمين عليه كم الإنجازات المميز خلال الفترة الماضية ، فإنني أجزم أنه يتطلع إلى مزيد من الفهم والقرب من الصندوق تجاه مشاكل المجتمع . فمشاكل المجتمع هي في حقيقتها فرص استثمارية تحتاج إلى الرعاية والتأهيل لتكون مصادر رزق ومواطن توظيف تسهم في حل مشاكل البطالة والاكتفاء الذاتي للمجتمع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق