بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، ١١ أبريل ٢٠١١

البنوك التجارية والمسئولية الاجتماعية


حرصت قبل حوالي الأسبوعين على حضور لقاء نظمته هذه الجريدة الغراء مع عدد من القياديين في بعض البنوك التجارية السعودية للحديث عن الدور الذي تقوم به البنوك التجارية في مجال المسئولية الاجتماعية في المملكة . هذا الحرص كان مرده محاولة فهم وجهة نظر البنوك حول هذه القضية ، عسى أن أجد في ما يتم طرحه شيئا من التصحيح للرؤية العامة من المجتمع حول غياب دور فاعل لهذه البنوك في هذا المجال ، وهو ما تحدثت عنه سابقا وتحدث عنه الكثيرون من كتاب الرأي . وبكل أسف ، لم أخرج من هذا اللقاء بما كنت أتطلع إليه من تصحيح لتلك الرؤية ، بل إنها ازدادت ترسيخا بما وجدته في ما طرحه المتحدثون من فهم وجدته قاصرا حول دور البنوك في مجال المسئولية الاجتماعية ، وهو ما حملني على كتابة هذا المقال لأقدم للقائمين على تلك البنوك رؤية أخرى يمكن أن تمثل وجهة نظر المجتمع وتطلعاته حول هذا الدور المأمول .
جل ما تحدث عنه المتحدثون من منسوبي البنوك التجارية في ذلك اللقاء حول دورها في المسئولية الاجتماعية اقتصر على مجالات ثلاث ، السعودة والتدريب والعمل الخيري والاجتماعي . ففي مجال السعودة ، أعلن المتحدثون أن نسبة السعودة في البنوك التجارية السعودية تزيد على 90% في معظم البنوك ، إذ بلغ إجمالي السعوديين والسعوديات العاملين في البنوك التجارية السعودية حوالي 35.000 موظف ، منهم حوالي 3700 موظفة . ومع أن هذه النسبة من السعودة تعد إنجازا مقدرا لهذه البنوك مقارنة بالكثير من كيانات القطاع الخاص ، إلا أن هذا الرقم في الحقيقة لا يمثل إنجازا مؤثرا في مقابل حجم أزمة البطالة التي يعاني منها الشباب السعودي ، وهو ما يرجع في الأساس إلى حجم مساهمة القطاع البنكي في مجال التوظيف بالنظر إلى قلة عدد البنوك التجارية العاملة في المملكة في دولة تملك اقتصادا يقع في مصاف أكبر عشرين اقتصادا على مستوى العالم . إن دور البنوك التجارية في مجال التوظيف لا يجب أن يقف عند خلق الفرص الوظيفية المباشرة داخل البنوك ، بل في دعم الشباب السعودي لتأسيس كياناتهم الخاصة ، والتوسع في توفير حلول التمويل والدعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ، وهو ما سيكون له كبير الأثر في معالجة مشكلة البطالة بعيدا عن ترسيخ ثقافة الوظيفة .
وفي مجال التدريب ، تحدث الحضور من منسوبي البنوك التجارية في ذلك اللقاء عن العديد من برامج التدريب التي تبنتها البنوك لتدريب طلاب الجامعات على مختلف الأعمال البنكية ، حيث شملت تلك البرامج برامج التدريب على رأس العمل لتطوير القدرات المهنية للعاملين في البنوك ، علاوة على برامج التدريب الصيفي وعدد محدود من برامج الابتعاث الداخلي والخارجي لطلاب الجامعات السعودية . وفي الحقيقة ، فإن هذه البرامج التديربية لا ترقى إلى مستوى الطموحات حيال دور البنوك في هذا المجال ، والمأمول من البنوك التجارية يتجاوز بمراحل حصر التدريب على تأهيل السعوديين للعمل في البنوك إلى تمويل ودعم برامج التأهيل والتدريب للشباب السعودي للانخراط في سوق العمل في مجمل منظومة ومؤسسات الاقتصاد الوطني . ربما يكون أحد أهم الأمثلة على هذه المبادرات دعم برامج المنح الدراسية في الجامعات الخاصة ، وبرامج التدريب المهني في مؤسسات التعليم الفني والمهني والمعاهد الخاصة . إن المشكلة الأكبر التي تواجه الشباب السعودي لتمكينه من الحصول على وظائف في مؤسسات القطاع الخاص هي مشكلة التأهيل ، وهو ما يمثل عائقا حقيقيا أمام تلك المؤسسات لتفعيل دورها المأمول في معالجة أزمة البطالة ، خاصة وأن العدد الأكبر من مؤسسات القطاع الخاص هي مؤسسات صغيرة ومتوسطة لا تملك القدرات المادية اللازمة لتدريب وتأهيل الشباب السعودي للعمل لديها ، وتجنح بالتالي إلى توظيف الوافدين ممن يملكون التأهيل اللازم للانخراط مباشرة في دور إنتاجي في تلك المؤسسات . وبالتالي ، فإن دعم البنوك التجارية لمنظومة التدريب والتأهيل الشاملة سيحقق الارتقاء المطلوب بقدرات الشباب السعودي ليتمكن من المنافسة الفعالة على الوظائف التي يطرحا القطاع الخاص .
أما في مجال العمل الخيري والاجتماعي ، فقد تحدث الحضور عن عدد محدود من البرامج التي تقدمها البنوك ، ومنها برامج دعم الجمعيات الخيرية كجمعية الأطفال المعاقين وجمعيات التوحد ، علاوة على عدد من برامج دعم الأسر المنتجة ، وعدد آخر من برامج المشاركة المجتمعية مثل برامج التنظيف البيئي . المتحدثون اشتكو من قصور القدرات التسويقية لطالبي التمويل والدعم لمثل هذه البرامج المجتمعية ، وهو ما شكل عائقا أمام توسع البنوك في الانخراط في مثل تلك البرامج . ما قلته في ذلك اللقاء ، أن البنوك التجارية يجب ألا تقف موقف المنتظر والمتلقي لطلب الدعم والتمويل من الجهات المنظمة لمثل تلك البرامج ، بل إنها يجب أن تقف موقف المبادرة والريادة في هذا المجال . كما أن مثل هذه المبادرات يجب ألا تقتصر على الطابع الخيري والاجتماعي ، بل إنها يجب أن تتخطاها إلى لعب دور فاعل في تمكين الأسر والشباب السعودي من تحقيق الاكتفاء الذاتي في موارد رزقهم . إن الدور الغائب للبنوك التجارية في هذا المجال يتمثل في تبني ودعم برامج البحث والتطوير لتأسيس كيانات تجارية تسهم في سد النقص الهائل في العديد من الخدمات التي تتطلبها مسيرة التنمية ، وهو ما يمكن أن يسهم إسهاما فعالا في خلق فرص وظيفية ومجالات عمل هائلة للشباب السعودي تغنيهم عن ذل السؤال والحاجة للعمل الخيري ، إنطلاقا من مقولة " صنعة في اليد أمان من الفقر " . هذا المسار لا يحقق مشاركة فاعلة في مجال المسئولية الاجتماعية للبنوك التجارية فحسب ، بل إنه يمكن أن يخلق فرصا استثمارية رائدة لتلك البنوك يمكن أن تزيد من مواردها المالية وعوائدها الربحية ، وذلك عبر تبني مفهوم المشاركة في الاستثمار بدلا من مفهوم القروض التجارية القائمة على الضمانات التعجيزية التي يعجز كثير من الشباب السعودي عن توفيرها . نموذج بنك الأمل الذي تحدثت عنه في مقال سابق ، والذي أنشأته مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية في اليمن ، وبقية النماذج الأخرى لبنوك الفقراء التي تمنح قروضا متناهية الصغر ، هو نموذج لدور رائد يمكن أن تلعبه البنوك السعودية في التنمية الاقتصادية والعمل الاجتماعي ، يمكن لها من خلاله أن تسهم بفعالية في سد حاجات الناس عبر تمكينهم من الانخراط في سوق العمل بدل انتظار الإحسان من أهل الخير .
خلاصة القول ، قضية المسئولية الاجتماعية قضية هامة على كل المستويات ، والدور المأمول من البنوك التجارية هو دور محوري ينسجم مع ما تملكه البنوك من قدرات وإمكانات ، وما تحمله من مسئوليات في دعم الاقتصاد الوطني ، خاصة وهي لا تقدم أي عوائد مباشرة للنسبة الكبرى من المودعين في البنوك انطلاقا من مباديء شرعية . وهذا الدور لا يجب أن تشوبه من البنوك منة ولا أذى ، فهو دور واجب يقع في مكانة فرض العين ، ولابد لمؤسسة النقد من أن تقوم بدور فاعل في إلزام البنوك بأداء هذا الدور بما يستحقه المجتمع والوطن من فعالية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق