بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، ٢٤ أبريل ٢٠١١

قضية الإسكان وجدلية المسئولية


يبدو أن الحديث المتكرر عن قضية الإسكان سيصنف ضمن المسلسلات المكسيكية أو التركية التي تطول وتطول دون أن يخرج منها المشاهد بأي نتيجة ملموسة . خالجني هذا الشعور وأنا أقرأ مقال الأستاذ سعود جليدان في هذه الصحيفة يوم الأربعاء قبل الماضي ، وهو المقال الذي خصصه للرد على ما قلته في مقال سابق عنونته حينها بعنوان " قضية الإسكان وجدلية الحل" . مقال الأستاذ سعود ، مع أنه أكرمني فيه بشيء من وقته الثمين ، إلا أنه عكس من وجهة نظري نمطا تقليديا من صراع المسئولية وإلقاء التهم بين المسئولين في القطاعين العام والخاص ، وأبرز بجلاء عبرت عنه كلمات المقال ذلك الموقف المتحامل من أجهزة الدولة تجاه القطاع العقاري ، فيما يخالف كل العبارات والتصريحات التي ترفع راية التعاون والشراكة بين القطاعين العام والخاص ، وهي تلك الشراكة التي لم يكتب لها أن ترى النور بعد ، وكيف لها أن تولد في مثل هذا المناخ من التجريم المسبق وتبادل الاتهامات بتحمل المسئولية . ومع أن الأستاذ سعود افتتح مقاله بالتعبير عن الرغبة في الابتعاد عن الجدل المكروه ، إلا أن ما طرحه في بقية المقال لم يخرج عن دائرة هذا الجدل ، مع أني لا أجده جدلا مكروها ، بل حديثا مخلصا ونقاشا صحيا آمل أن يسهم في كشف الغطاء عن مواطن الخلل في هذه القضية ، ليمكن عندها وضع الحلول الملائمة والفعالة لمعالجتها معالجة جذرية .
أبدأ حديثي بالاعتذار للأستاذ سعود عن خطأ أساء فهمه ، فأنا لم أقل في مقالي أنه تطرق للحديث عن منح الأراضي في مقاله الأول ، وما قلته لم يعد أن يكون محاولة مني لتشخيص المشكلة . إذ أن قروض صندوق التنمية العقاري لم تكن إلا أحد وجهي العملة في برنامج الإسكان الحكومي ، في حين كان وجهها الآخر منح الأراضي الحكومية . والدولة تبنت هذا البرنامج منذ أكثر من أربعين سنة ، وأسست من خلاله آلية لتمكين المواطن من تحقيق حلم السكن عبر منحه عنصري الأرض والقرض لإنشاء مسكنه الخاص ، وهي الآلية التي أجدد القول بأنها حولت المملكة إلى بلد الأربعة ملايين مقاول . وأقول هنا للكاتب الكريم ، أن التوقف عن منح الأراضي كان نتيجة لقصور إمكانات الدولة في تلك الفترة ، وأتى متزامنا مع تعثر الصندوق في منح القروض لذات السبب ، وهو ما أدى بهذه الآلية إلى التباطؤ والتعثر ، وبدأت قوائم الانتظار تطول وتطول سواء من طلاب منح الأراضي أو قروض الصندوق . ولكن المشكلة يا سيدي أعمق من ذلك ، فإيكال مهمة البناء إلى المواطن بهذه الطريقة لم يكن إلا ليشغله عن عمله الأساسي ، ويوقعه في أخطاء تنجم عن ممارسة مهمة ليست من صميم اختصاصه ، وينتج هذه البنية العمرانية المتهالكة التي أصبحت عبئا على اقتصاد الوطن . وأما قولك أن الصندوق لم يشترط مبدأ البناء الفردي على المقترضين منه ، وترك الأمر لتقديرهم وفتح الباب لهم لشراء مساكن جاهزة ، فهو قول مستغرب . فإذا كانت إدارة الصندوق تعلم ما أشرت إليه من قصور في قدرات القطاع العقاري على إنتاج وحدات سكنية ملائمة ، فكيف لها أن تتوقع من المقترضين سبيلا غير ممارسة البناء الفردي ؟ . ثم ألم يكن الأحرى بالصندوق أن يوجه جهوده لتنمية هذا القطاع العقاري ودعمه لينتج تلك الوحدات السكنية الجاهزة ليجد فيها المقترضون ضالتهم المنشودة ؟ . أم أن إدارة الصندوق كانت تعلم علم اليقين كم هو فاسد ومحتال هذا القطاع حتى تحمي المواطن المسكين منه ؟ .
إن هذا الموقف الاتهامي والتجريمي للقطاع العقاري لهو موقف متحامل لا يمكن أن يؤسس لمعالجة جادة لهذه المشكلة ، إذ لا يمكن أن تتم هذه المعالجة دون مشاركة جادة وفاعلة ومنظمة من كافة الأطراف ذات العلاقة . بل إنه موقف يتغافل عن حقيقة موطن المسئولية ، خاصة عندما يقول الكاتب أن أولئك العقاريون عمدو إلى تجميد مساحات كبيرة من الأراضي على مر السنين لتحقيق أرباح خيالية . فالكاتب يعلم يقينا من هم ملاك الأراضي البيضاء التي تشغل مساحات كبيرة من مدن المملكة ، ولماذا لم تجد كل الدعوات لفرض الزكاة الشرعية والرسوم البلدية على هذه الأراضي أذنا صاغية حتى الآن . والكاتب يعلم براءة القطاع العقاري من جزء كبير من هذه التهمة ، خاصة عندما يتذكر أن هذا القطاع العقاري هو الذي مد مشروع التنمية السكنية بالأراضي المطورة على مدى السنوات الماضية ، وهو الذي قاد برامج المساهمات العقارية التي أنتجت تلك المخططات التي مكنت كثيرا من الناس من الحصول على الأراضي التي بنو عليها مساكنهم ، وخاصة عندما يتذكر الكاتب كم أن منح الأراضي التي كان يتم توزيعها لم تكن صالحة للبناء المباشر نتيجة المواقعها النائية وانعدام الخدمات فيها ، وكيف أنها أصبحت سلعة تباع وتشترى عوضا عن أن تكون لبنة من لبنات البناء . ثم حتى لو افترضنا هذا الفساد وهذه الانتهازية من القطاع العقاري ، فأين كانت أعين الدولة وأجهزتها الرقابية طيلة تلك المدة ، ولماذا لم يتحرك أحد لوقف هذه المهزلة ، ولماذا كانت الأنظمة والتشريعات تسمح لهم بالقيام بما كانو يقومون به من مص دم المواطنين وهضم حقوقهم . ثم ألم تكن قوائم المستثمرين في تلك المساهمات العقارية تتضمن أمراء ومسئولين في الدولة ، أم أن هؤلاء أيضا شركاء في الافساد والانتهازية ؟ . يا سيدي الكريم ، إن كان ما تصفه من فساد قد حدث بيد العقاريين فهذا ليس ذنبهم ، بل ذنب النظام الذي مكنهم من هذا الاستغلال ، وفتح لهم الباب على مصراعيه لممارسة هذا الفساد تحت أعين المسئولين بل وبمشاركة منهم . وهذا بالضبط ما كنت أعنيه عندما وجهت حديثي بالنقد لبرنامج الإسكان الحكومي المبني على أرض المنحة وقرض الصندوق . فما كنا نحتاجه في ذلك الحين ، وما نحتاجه بشكل أكثر إلحاحا في الوقت الحاضر ، هو برنامج يتم بناؤه على شراكة فاعلة من كل أطراف اللعبة ، شراكة قائمة على الثقة المتبادلة وليس على التجريم المتبادل والاتهامات المسبقة ، شراكة تحدد دور كل طرف وتجعله متكاملا مع أدوار بقية الأطراف ، شراكة تجعل من الإسكان صناعة ، ومن المسكن وحدة إنتاجية تطبق عليها كل معايير الجودة التي يتم تطبيقها في المنتجات الاستهلاكية الأخرى ، شراكة تسعى إلى التوظيف الأمثل لموارد التمويل الحكومي منه والخاص ، شراكة تستقطب الخبرات العالمية التي نجحت في معالجة هذه القضية معالجة ناجعة في بلدان أخرى من هذا العالم ، ووصلت بنسب تملك المساكن إلى مستويات لا نملك أن ننظر إليها إلا بعين الحسرة والألم ونحن البلد النفطي الأغنى بين دول المنطقة ، والأوحد من كل الدول العربية في مصاف العشرين الكبار .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق