تداولت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي تصريحا أطلقه الأستاذ صالح العواجي وكيل وزارة المياه والكهرباء لشئون الكهرباء قال فيه أن المملكة تحتاج إلى استثمار 300 مليار ريال في قطاع الكهرباء خلال السنوات العشر القادمة . هذا التصريح أثار انتباهي وانتباه الكثيرين إلى قضية تعد أحد أهم القضايا التي تتعلق بالتنمية في بلادنا ، وهي قضية أزمة الطاقة . هذا التصريح جدد الجدل حول التركيز على الكهرباء كمصدر وحيد للطاقة ، وغياب الاهتمام الفعال بتنمية مصادر الطاقة الأخرى لتحقيق التوازن المطلوب في توظيف المورد الأهم من موارد الدولة ، وهو النفط . هذا الموضوع كان محل نقاش مع المهندس سلطان فادن رئيس اللجنة التأسيسية للمجلس السعودي للمباني الخضراء ، وهو نقاش أثار انتباهي إلى العديد من الجوانب التي تتعلق بهذه المشكلة ، وجعلني أخصص هذا المقال للحديث عن هذه القضية التي تحمل أهمية خاصة بين كل القضيا التي يدور حولها الحديث في هذه الأيام .
من بداهة القول أن الطلب على الطاقة يزداد ازديادا مضطردا خاصة في ظل النمو الهائل في الإنفاق الحكومي على مشروعات التنمية والإسكان والبنية التحتية . وإذا علمنا أن معدل الاستهلاك الحالي الداخلي من النفط يبلغ حوالي المليون ونصف المليون برميل ، وأن هذا المعدل مرشح للنمو ليصل إلى حوالي السبعة ملايين برميل يوميا بعد خمس عشرة سنة إذا استمر اعتماد إنتاج الكهرباء باستخدام النفط ، عندها يظهر حجم الأزمة ومقدار الخطر الذي يحيق بموارد ومقدرات الدولة والوطن ، خاصة ونحن نعلم أن الطاقة القصوى لإنتاج النفط تبلغ اثني عشر مليون برميل ، أي أن الاستهلاك المحلي سيأكل ما يزيد على نصف إنتاج المملكة من النفط ، وهو استهلاك لا يعود على خزينة الدولة بأي موارد مالية . الواقع الحالي يؤكد أن أيا من الجهات المسئولة عن قطاع الكهرباء بصدد تبني أية بدائل عن النفط كمصدر وحيد لإنتاج الكهرباء ، في استمرار لثقافة الجمود وغياب جهود الإبداع والبحث والتطوير في مجال تتبارى فيه الأمم للوصول إلى بدائل أخرى لمصادر الطاقة بعيدا عن النفط الذي يواجه خطر النضوب وارتفاع تكاليف الاستيراد . وفي رأيي ، فإن أحد أسباب المشكلة هو في تعدد الجهات التي تتعاطى مع هذه القضية ، وغياب رؤية استراتيجية مموحدة تجاه هذه القضية ، وهي حالة تنجر على العديد من المشاكل التي تعوق مسيرة التنمية . هذه المسئولية أصبحت كدم القتيل الذي تفرق بين القبائل ، فتفرق دم المسئولية بين وزارة المياه والكهرباء والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة وشركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج . السبب الآخر هو في النظرة الأحادية التي تعتبر النفط مصدرا وحيدا للطاقة والكهرباء ، في وقت لم تبدأ هيئة الطاقة النووية والمتجددة التي أسستها الدولة منذ حوالي السنتين أي نشاط فعلي بخلاف تصميم مبنى مقرها الموعود ليكون إنجازها الأوحد حتى الآن . إن قضية الطاقة قضية حيوية ومركزية تتطلب توحيد الجهود تحت مظلة واحدة في شكل وزارة للطاقة كما هو معمول به في العديد من الدول ، لتكون هذه المظلة المنظم والموجه والمقنن الرئيس لتطوير مصادر الطاقة بما يحفظ للدولة مواردها لأجيال المستقبل . وإذا تذكرنا أن كل برميل نفط نستخدمه هو برميل لا نبيعه تبين لنا مقدار الخطر الذي يحيق بموارد الدولة في المستقبل جراء استهلاك هذا المورد الذي يجب أن يوظف لدعم وتنمية مصادر الدخل عوضا عن استنزافها في نمط استهلاكي خطير .
تصريح وكيل وزارة المياه والكهرباء أثار امتعاض اثنتين من الجهات ذات العلاقة بهذا الموضوع ، وهما وزارة البترول والثروة المعدنية وشركة أرامكو السعودية من جهة وهيئة الأرصاد والبيئة من جهة أخرى . امتعاض وزارة البترول والثروة المعدنية وشركة أرامكو السعودية مرده أنهما مسئولتان عن حسن إدارة موارد الدولة من النفط ، وتريدان أن تقلل الأجهزة المسئولة عن قطاع الكهرباء والطاقة من استهلاك النفط كمصدر رئيس لإنتاج الكهرباء ، وذلك من منظور ربحي بحت ينظر إلى النفط كمصدر للموارد المالية نظير بيعه إلى الدول الإخرى بدلا من استهلاكه بشكل ذاتي . شركة أرامكو السعودية عبرت عن اهتمامها بهذه القضية عبر مبادرتها المشتركة مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لبناء محطة تحلية المياه في راس الزور ، وهي المحطة التي تم تصميمها اعتمادا على الطاقة الشمسية بديلا عن النفط . الغريب أن هذه المبادرة الرائعة غابت عنها المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة ، في الوقت الذي كان من الواجب أن تكون هي صاحبة المبادرة ، أو على الأقل شريكا رئيسيا فيها . ولكن المؤسسة مثلها مثل بقية الأجهزة المسئولة عن إنتاج الطاقة لا زالت تترفع عن تبني مثل هذه المبادرات ، ولازالت تمارس ذات النمط المتكرر من إهدار الموارد الطبيعية التي سخرها الله عز وجل لهذا الوطن .
امتعاض هيئة الأرصاد والبيئة هو أيضا امتعاض مشروع ، إذ أن إنتاج الكهرباء باستخدام النفط يعد المصدر الرئيس لإنتاج ثاني أكسيد الكربون ، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على البيئة ، ومخالفة صريحة لالتزامات المملكة في الاتفاقيات البيئية الدولية . وبالتالي فإن الإصرار على استمرار هذا النمط من استخدام النفط كمصدر رئيس للطاقة يحمل هذه الهيئة أعباء لا حصر لها ، ويضع بيئة الوطن وصحة أبنائه على حافة الخطر . ولأن الامتعاض وحده لا يكفي ، ولأن المسئولية في النهاية هي مسئولية مشتركة ، فإن هاتين الجهتين لابد لهما من العمل على مجابهة هذا التوجه الذي أعلن عنه تصريح وكيل وزارة المياه والكهرباء ، وطرح القضية للنقاش الجاد على طاولة المجلس الاقتصادي الأعلى ، للخروج بمعالجة جادة وفاعلة لما يواجهه مستقبل التنمية في المملكة من مخاطر حقيقية ، وصياغة استراتيجية ممنهجة لإنتاج الطاقة وتوظيف الموارد النفطية والطبيعية الأخرى ، يكون عمادها إعادة هيكلة الأجهزة المسئولة عن هذه القضية وتحديد اختصاصاتها ومسئولياتها .
خلاصة القول ، قضية الطاقة قضية محورية في مسيرة التنمية ، وراية ترشيد الاستهلاك التي ترفعها وزارة المياه والكهرباء يجب أن تتخطى حدود تغيير مصابيح الإضاءة وتعديل التيار الكهربائي ، إلى مبادرة جادة وفاعلة لإنتاج الطاقة والكهرباء من مصادر أخرى غير النفط . فالنفط ثروة وطنية ، والتوسع في استهلاكه بهذا الشكل لن يحقق لمستقبل الأجيال القادمة الرخاء والاستدامة اللتان تعدان أهم ملامح نجاح مسيرة التنمية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق