بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

مشروع تصنيف المكاتب الهندسية – إشكالات التطبيق


أصدر مجلس الوزراء الموقر قبل حوالي أسبوعين قراره بإسناد مهمة تصنيف المكاتب والشركات الاستشارية الهندسية إلى وزارة الشئون البلدية والقروية ، وأشرك القرار إلى جانبها كلا من وزارة التجارة والهيئة السعودية للمهندسين في مهمة وضع آلية التصنيف . هذا القرار جاء بالضرورة في إطار حرص المجلس الموقر على وضع التشريعات والآليات التي تدعم جهود التنمية ، وتعالج المشكلات التي تواجهها وتعطل مسيرتها ، خاصة في ظل ما نشهده من تعثر وتأخر في تنفيذ الكثير من المشروعات . وقد تناول الدكتور سليمان العريني في مقاله الأسبوع الماضي هذا الموضوع بقلمه المبرز ، وسأنطلق هنا من ذلك المقال لأعرض مجموعة من القضايا والرؤى التي ربما تتعارض مع بعض مع ما ورد في ذلك المقال ، وربما مع مجمل طريقة مقاربة الموضوع ، وطبيعة الحل الذي تبناه ذلك القرار .
القضية الأولى هي طبيعة عمل المكاتب الهندسية التي تقوم على القدرات الفنية والفكرية والمهارية والإبداعية لمنسوبي تلك المكاتب ، وليس على القدرات المادية التي يملكها المكتب . وهي في ذلك تختلف اختلافا جذريا عن شركات المقاولات ، التي يعتمد تأهيلها وتصنيفها على ما تملكه من قدرات مادية وبشرية ، تتمثل في العادة في ما تملكه الشركات من معدات ومواد وغير ذلك من عناصر التأهيل . وبالتالي ، فإن تطبيق مفهوم وآليات تصنيف شركات المقاولات على المكاتب الهندسية سيؤدي بالضرورة إلى كثير من الإشكالات والمآزق ، التي لن يكون آخرها تكريس طبقية المكاتب ، واحتكار المشروعات الهامة من قبل عدد محدود منها ، وتعطيل تنمية المكاتب الصغيرة والمتوسطة وتفعيل مشاركتها في جهود التنمية . لست أدري إن كان هذا الأمر حاضرا في أذهان أعضاء اللجنة التي ستضع آليات التصنيف ، ولكنني خشيت فقط من القراءة الخاطئة لما أورده الدكتور سليمان العريني في مقاله ، حين أشار إلى تصنيف شركة ما على أنها "درجة أولى" يعني أن لديها القدرة على تنفيذ مشاريع تزيد قيمتها على مبلغ معين ، وهذا لعمري عين المشكلة . الحقيقة يا دكتور أن قدرات المكاتب الهندسية لا علاقة لها بإمكاناتها المادية ، كما أن إمكاناتها المادية لا تعني قدرتها على تنفيذ مشروعات معينة بمبالغ معينة . هناك مشروعات صغيرة الحجم ومنخفضة القيمة تتطلب قدرات وخبرات خاصة لا تتوفر لدى كبريات المكاتب الهندسية العاملة في المملكة ، كما أن هناك مشروعات كبيرة الحجم والقيمة ولكنها ذات طبيعة متكررة أو نمطية يمكن لكثير من المكاتب الصغيرة والمتوسطة إنجازها بكفاءة عالية ، مثل مشاريع الإسكان على سبيل المثال . وبالتالي فإن سيطرة العنصر المادي على مفهوم التصنيف سيحد كثيرا من فعاليته ، ويزيد المشكلة التي نعيشها تعقيدا .
القضية الثانية هي واقع التناقض الذي يتم التعامل فيه مع المكاتب الهندسية من قبل أجهزة الدولة والمجتمع . فمن جهة تواجه المكاتب تنظيمات وتشريعات تتطلب منها امتلاك قدرات مالية عالية ، بما في ذلك أنظمة العمل والتأمينات الاجتماعية والتأمين الطبي وأخيرا متطلبات التصنيف المقبل . ومن جهة أخرى لا تملك تلك المكاتب أية وسائل لدعم قدراتها المادية ، لا للإرتقاء بقدراتها الفنية والبشرية لتحقيق متطلبات التصنيف والمنافسة في السوق المحلي ، ناهيك عن السوق العالمي ، ولا للإيفاء بالمتطلبات والرسوم التي تتحملها المكاتب ، والتي كان آخرها رسوم الاعتماد المهني لمنسوبي المكاتب ، والتي وجد أصحاب المكاتب أنفسهم ملزمين بها جراء التطبيق المفاجيء لها من قبل الهيئة السعودية للمهندسين . الأنظمة القائمة يا دكتور سليمان تمنع دخول شركاء ممولين في المكاتب والشركات الهندسية لدعم قدراتهم التمويلية ، كما أن البنوك والمؤسسات التمويلية تنظر لهذه المكاتب والشركات نظرة دونية ، ولا تعيرهم شيئا من اهتمامها أو عطفها ، والأنظمة أيضا ترسخ الشكل الفردي للممارسة المهنية ، وتحد من تضافر جهود المهندسين لتكوين شركات قوية ، بالنظر إلى كل الإشكالات التي يعاني منها نظام الشركات المهنية . فبالله عليكم ، كيف يمكن لتلك المكاتب أن تملك القدرات المادية لكي تحقق متطلبات المنافسة ناهيك عن متطلبات التصنيف ؟ . وهنا في رأيي مربط الفرس ، إذ يجب أن تكون المنافسة وليس التصنيف حافزا للمكاتب للارتقاء بقدراتها ، مدعومة بمناخ تشريعي وتنظيمي وتمويلي يمكنها من تحقيق متطلبات تلك المنافسة ، وبعدها ، يمكن أن يأتي التصنيف لينظم تلك المنافسة العادلة . أما أن يأتي التصنيف في ظل ما يعيشه السوق المهني حاليا من منافسة غير عادلة ، بين مكاتب كبيرة تصادف أن يكون أصحابها ممن أنعم الله عليهم بقدرات مالية عالية ، ومكاتب صغيرة تعاني الأمرين للإيفاء بالتزامات ما أنزل الله بها من سلطان ، فهو لعمري ثالثة الأثافي ، خاصة بعد أن رفع نظام المشتريات الحكومية المعدل الإعفاء الذي كانت تتمتع به المكاتب الهندسية من إصدار الضمانات للعقود الحكومية ، فوضعت على كاهلها مزيدا من الأعباء التي لا طاقة لها بها .

القضية الثالثة هي الجهاز المسئول عن المكاتب الهندسية ، وهو الهيئة السعودية للمهندسين ، هذا الجهاز الفتي الذي يعيش مرحلة إعادة ولادة بعد مراحل من الإخفاق النسبي خلال الفترات الماضية . فتأسيس الهيئة الذي جاء عبر تحويل ما كان يعرف باللجنة الهندسية إلى هيئة كان خطوة مباركة لتأسيس كيان يقوم على كافة الشئون المتعلقة بالعمل الهندسي في المملكة . والمشكلة ، أن هذه الهيئة لا زالت تعاني من قصور الإمكانات التي تؤهلها للقيام بدورها الحقيقي في مسيرة التنمية ، ولا زال دورها ثانويا وربما هامشيا بالمقارنة مع مثيلاتها في الدول الأخرى القاصية والدانية . وما تضمنه قرار مجلس الوزراء الموقر من إسناد مهمة التصنيف إلى وزارة الشئون البلدية والقروية عوضا عن الهيئة السعودية للمهندسين هو تعبير عن حقيقة هذا الواقع . وفي رأيي ، فإنه من الضروري العمل على دعم هذه الهيئة بالقدرات والصلاحيات والإمكانات التي تمكنها من القيام بدورها الحقيقي ، عوضا عن زعزعة مكانتها عبر توزيع مهامها على جهات أخرى من أجهزة الدولة . ووزارة الشئون البلدية والقروية تعتبر أحد بل أكبر المستفيدين من الخدمات التي تقدمها الكيانات التي ترخصها الهيئة . وبالتالي ، فإن تكليف الوزارة بهذه المهمة ربما يحمل شيئا من تعارض المصالح ، ناهيك عن تنازع الصلاحيات والاختصاصات الذي يوقع مزيدا من الخلل . وفي رأيي أيضا ، فإن الهيئة هي الجهة الأمثل للقيام بهذا الدور ، ليس فيما يتعلق بالمكاتب الهندسية فقط ، بل إنها الجهة الأمثل للقيام بمهمة تصنيف المقاولين أيضا ، كونها الجهة التنظيمية التي يفترض بها أن تكون المنظمة لعمل تلك الكيانات . أعلم أن الهيئة ليست قادرة حاليا على القيام بهذا الدور ، ولكني أرى أيضا أنه كان الأولى أن يتم توجيه الجهود لدعم قدرات الهيئة وتفعيل دورها في هذا المجال ، لتتمكن من الدور الذي يفترض بها أن تقوم به في تنظيم وتأهيل وتصنيف الكيانات المقدمة للخدمات الهندسية في المملكة بمختلف تخصصاتها .

وخلاصة القول ، فإن معالجة إشكالات تعثر المشاريع تتطلب دراسة شاملة لجذور المشكلة ، وحلا شاملا يتعامل مع كافة المستويات ، وليس حلولا مبتورة لا تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات . ونظام التصنيف يجب أن يكون حلقة ضمن منظومة شاملة من الإجراءات والحلول التي تعالج مسببات المشكلة ، وتاليا لكثير من الخطوات التي تؤسس للارتقاء بالمكاتب الهندسية ورفع قدراتها للإيفاء بمتطلبات التنمية وجودتها المأمولة . وأشير ختاما إلى أن ما أوردته من مشكلات لا يتعلق فقط بالمكاتب الهندسية ، بل ينجر أيضا على المكاتب المهنية الأخرى ، بما فيها مكاتب الاستشارات الاقتصادية والقانونية والمحاسبية وغيرها ، وهي كيانات تملك دورا مؤثرا في مسيرة التنمية الوطنية ، وتعاني ذات المشكلات التي أشرت إليها في هذا المقال والعديد من مقالاتي السابقة حول هذا الموضوع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق