أجمل ما تتسم به الصحافة السعودية ومختلف نوافذ الإعلام في هذه المرحلة هو هذا المناخ التحليلي لمختلف الموضوعات التي تمس قضايا التنمية في المملكة ، وهذه الجرأة في الطرح التي تملأ مقالات كتاب الرأي ، وتداول الرأي والرأي الآخر انطلاقا من المصلحة العامة . هذا الأمر يشكر بالتأكيد لوسائل الإعلام ، وعلى رأسها وزارته ووزيرها المحنك ذو النظرة التطلعية . ومن هذا المنطلق ، أستميح زميلي الكاتب صالح الشهوان في الرد على ما ورد في مقاله المنشور في هذه الصحيفة الغراء الأسبوع الماضي حول وزارة التخطيط ، مجددا التأكيد على وحدة الهدف في تأكيد المصلحة العامة وموضوعية الطرح . الكاتب الكريم في مقاله المذكور رفع راية الدفاع عن وزارة التخطيط ، وحمل باتهاماته على كل من كتب حول الوزارة ناقدا أو محللا ، وأعتقد أنه ربما يكون قد قصد شخصي المتواضع ببعض حديثه ، نسبة إلى بعض آرائي السابقة حول دور الوزارة والحاجة إلى العودة بها إلى شكلها السابق كهيئة مركزية للتخطيط . وأعرض هنا للقاريء الكريم مجموعة من النقاط التي تصب في مجملها في تقييم ومراجعة موضوعية لدور الوزارة ، ووضع رؤية لتطوير وتفعيل هذا الدور في مسيرة التنمية الوطنية .
تحدث الكاتب عن قطيعة معرفية بين الكتاب والوزارة ، نتج عنها غياب المعرفة اللازمة لدى الكتاب بالوسائل واللآليات التي تعمل بها الوزارة ، وبالتالي تمكنهم من الحكم عليها بالموضوعية اللازمة . وأقول للكاتب الكريم أن هذه القطيعة مردها الحقيقي إلى غياب الوزارة عن وسائل الإعلام ، حالها في ذلك حال كثير من أجهزة الدولة . فكيف يمكن للكاتب والمواطن أن يعلم شيئا عما تقوم به الوزارة إن لم تبادر الوزارة إلى نشر هذه المعرفة ؟ . ثم إن الأمور تقاس بنتائجها ، وليس بآلياتها ووسائلها . ومن ثم فإن أثر الدور الذي تقوم به الوزارة في مسيرة التنمية وجودتها هو المقياس الذي يرجع إليه الكتاب بالتحليل والنقد ، داعين إلى مراجعة تلك الوسائل والآليات المستخدمة بغض النظر عن طبيعتها وماهيتها ، لتحقيق طفرة حقيقية وتطور نوعي في نتائج عمل الوزارة .
الأمر الآخر هو أن قضية التنمية لا تتعلق فقط بالجانب الاقتصادي أو تنفيذ المشاريع . فالتنمية بمفهموها الشامل تمس جوانب كثيرة ومتعددة ، بما في ذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والبشرية وغيرها . والتنمية الناجحة هي تلك التنمية التي تحقق التوازن بين تلك الجوانب ، فلا يطغى أي منها على الآخر . وما طرحه الكاتب في مقاله من شرح لدور الوزارة وآلياتها عبر بجلاء عن هذا الخلل الذي يتحدث عنه الكتاب في التركيز على الجانب الاقتصادي من جوانب التنمية . ففي الوقت الذي تتضمن فيه خطط التنمية الخمسية نصوصا وبنودا تتحدث عن جوانب التنمية المختلفة ، إلا أن أيا من تلك الجوانب ، بخلاف الجانب الاقتصادي ، لا تتبع أية آليات محددة لتفعيلها وتنفيذها ، ولا تنعكس في ميزانيات الدولة السنوية ولا في خطط وبرامج الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى . كما أن الآليات المتعلقة بتنفيذ المشاريع ليست بالضرورة آليات فعالة بالنظر إلى الواقع المرير الذي تعيشه تلك المشروعات من تعثر وتأخير وتدن في جودتها . ومن هنا يأتي دور وزارة التخطيط ومسئوليتها عن هذا الواقع ، في الحاجة إلى مراجعة هذه الآليات وتطويرها ، بما يحقق معالجة للمشكلات الناشئة عنها ، انطلاقا من مسئوليتها المركزية عن تطوير الخطط والبرامج والآليات التي تنتج تنمية ناجحة على كل المستويات . وإلقاء اللوم على الجهات التنفيذية في تعثر تنفيذ المشاريع لن يؤدي إلى حل هذه المشكلات ومعالجة هذا الواقع .
من هنا يأتي منطلق الحاجة إلى رفع المستوى التأهيلي لوزارة التخطيط عبر تحويلها إلى هيئة مركزية للتخطيط ، وذلك لتأكيد هذا الدور المركزي والحيوي في إدارة الخطط والبرامج ، انطلاقا من رؤية استراتيجية مركزية تعكس رؤية القيادة وليس رؤية الجهات التنفيذية . الجهات التنفيذية أخي الكاتب تضع برامجها وخططها وفق رؤاها الخاصة التي قد تتعارض مع بعضها البعض ، وتكون في مجمل الأحيان محدودة بالإمكانات المتوفرة لهذه الجهات وقت إعداد هذه الخطط والبرامج . كما أن هذه الآلية تحرم وزارة التخطيط من القدرة على تنسيق هذه الخطط والبرامج مع بعضها البعض ، وتحقيق التكامل المنشود فيما بينها ، بما في ذلك العمل على سد الثغرات في البرامج والخطط المتعلقة بجوانب التنمية الأخرى التي لا تجد لها من يرفع رايتها أو يلقي لها بالا . وموقع الوزارة الحالي الموازي لبقية الوزارات يضعها في موقف الضعف حيال التعاطي مع بقية الوزارات والهيئات الحكومية ، فلا تملك الوزارة بموقعها الحالي السلطة التنفيذية اللازمة لإدارة عملية التخطيط المركزي والاستراتيجي ، ولا الإشراف المركزي بمفهوم التنسيق والموازنة بين برامج وخطط تلك الجهات . وفي المقابل ، فإن هيئة التخطيط المركزي المقترحة ستملك موقعا أعلى في مستواه التنظيمي ، بما يمكنها من أداء دور أكثر فعالية في هذا المجال ، عبر تحديد الرؤية الشاملة لخطة التنمية ، بما يعكس رؤية القيادة بشكل أساسي ، ويحقق التوازن المطلوب بين جوانب التنمية المختلفة ، ومن ثم صياغة الخطط والبرامج لكل من الجهات التنفيذية المختلفة ، وتحديد المتطلبات اللازمة لتنفيذ تلك الخطط والبرامج من موراد مالية وبشرية وغير ذلك ، ومن ثم نقلها إلى الجهات التنفيذية ليقوم كل منها بدوره في تنفيذ تلك الخطط ، بما في ذلك وزارة المالية التي يفترض أن تؤدي دورها في الإدارة المالية لبرامج التنمية ، عوضا عن دورها الحالي الموجه لتنفيذ برامج التنمية بما تملكه من مفاتيح إدارة الموارد المالية للدولة . كما أن على هذه الهيئة وضع الآليات اللازمة لمراقبة تطبيق وتنفيذ هذه الخطط وقياس مقدار الانحراف فيها ، وتأثير ذلك الإنحراف على مجمل الخطة ، ووضع الحلول اللازمة لمعالجة تلك الانحرافات .
أختم هذا المقال بالتأكيد على الحاجة الملحة لدراسة هذا المقترح دراسة جدية ربما من قبل مجلس الشورى ، وأدعوه إلى تبني هذا الموضوع ضمن أولويات موضوعاته . فالواقع الحالي واقع خطير ، بكل ما يكتنفه من انفصال وتشتت في جهود أجهزة الدولة المختلفة التي يعمل كل منها بجد وإخلاص ولكن بمعزل عن بقية الجهات ، وكأنها تعيش في جزر منفصلة لا رابط بينها ولا يعلم كل منها شيئا عما يدور في الجهات الأخرى . كما أختم بتجديد التأكيد على أهمية شمولية النظرة إلى قضية التنمية ، والحاجة إلى تنسيق الجهود في مختلف المجالات . وعلى سبيل المثال ، فإن مبادرات الدولة لتطبيق آلية الانتخابات بدل التعيين في أجهزة الدولة ومؤسساتها المدنية تعيش كثيرا من الفوضى والشتات ، فوزارة الشئون البلدية والقروية تعمل منفردة على إدارة الانتخابات في المجالس البلدية ، والغرف التجارية الصناعية كذلك ، ومثلها هيئة المهندسين وبعض الهيئات الأخرى ، وربما بعض الجهات الأخرى التي تنوي تطبيق هذا المفهوم . والهيئة المركزية للتخطيط يمكن لها أن تلعب دورا حيويا في هذا المجال ، عبر صياغة رؤية شاملة ومنهج محدد البرامج والخطط لتطبيق هذا المفهوم الذي تبنته الدولة ، ليحقق التكامل والتدرج والنجاح المأمول ، وذلك في إطار ما ندعو إليه من تبن لمفهوم التنمية الشاملة ، بما في ذلك التنمية السياسية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق