بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

فك ارتباط الأرض بالقرض ... قرار في الوقت الضائع


لم أعد قادرا على ملاحقة الأحداث في عالم الاقتصاد السعودي ، وقائمة عناوين المقالات أصبحت تطول يوما بعد يوم . وكلما قررت اقتطاف أحد تلك العناوين للكتابة حوله وجدت أمامي قائمة جديدة بأخبار وأحداث مستجدة تتطلب التفاعل الفوري معها . آمل ألا يطلب مني القائمون على تحرير الصحيفة أن أتحول إلى كاتب يومي ، ولن أقبل إن طلبو ، لئلا يمل القراء من إطلالة قد يبدو للكثيرين منهم أنها إطلالة تشاؤمية ، ولكنني أصفها بالواقعية . إذ أننا لن نتمكن من معالجة مشكلات مجتمعنا إن لم ننظر لها بعين الواقعية بعيدا عن التجميل والتسطيح والتطبيل . آخر هذه المستجدات هو قرار مجلس الوزراء الموقر إلغاء شرط توفير الأرض للتقدم بطلب الحصول على قرض صندوق التنمية العقاري . وهو قرار له من الأهمية والتأثير ما جعلني أضعه على رأس قائمة العناوين ، وأخصص للحديث عنه مقال هذا الأسبوع ، وربما سيلا آخر من المقالات حسب ما أجده من تفاعل من الأخوة القراء .
كان اشتراط توفير الأرض ضمن مسوغات التقديم لطلب قرض صندوق التنمية العقاري محل نقد ومناقشة من كثير من المتخصصين والكتاب على مدى سنين طويلة ، وكنت دوما أشير إلى الآثار السلبية لهذا الإجراء في مقالاتي السابقة التي تحدثت فيها عن صندوق التنمية العقارية . أهم تلك الآثار التي عالجها قرار مجلس الوزراء هو قتل تلك السوق السوداء التي نشأت للتداول الصوري للأراضي ، الأمر الذي أدى لشيوع ثقافة المضاربة في أراضي المنح على وجه الخصوص ، وكان أحد المسببات المباشرة لارتفاع أسعار الأراضي بشكل عام ، والسكنية منها بشكل خاص . وقد جاءت ردود الأفعال على هذا القرار إيجابية بالمطلق ، انطلاقا من قناعة سائدة بهذا الخطأ الذي ظل لفترة طويلة محل مناداة الكثيرين بضرورة معالجته . ولست هنا منكرا لأهمية هذا القرار أو تأثيره الإيجابي في معالجة هذا الخلل ، بل إنني أزيد بالقول أن هذا القرار سيكون له كبير الأثر في إعادة تشكيل خريطة السوق العقاري ، عبر إخراج الكثيرين من أدعياء العمل العقاري من هذا السوق ، وهم من اتخذو من المتاجرة بالأراضي مهنة احترفوها للتربح السريع ، دون أن يلقو بالا لمقدار الضرر الذي يوقعونه بهذا السوق . ولكن هذا القرار ، وبالرغم من كل الجوانب الإيجابية التي يحملها ، إلا أنه أتى في رأيي في الوقت الضائع ، علاوة على أنه أتى مبتورا عن مجمل المعالجة التي كان الجميع ينادي بها لحل مشاكل قضية الإسكان ، والآثار السلبية لأنظمة صندوق التنمية العقاري على هذه القضية . وأعرض فيما يلي رؤيتي المتواضعة حول هذا الطرح ، عسى أن تسهم في الجهود الرامية لمعالجة هذه المشكلة ، استنادا إلى التكليف الذي تضمنه القرار لصندوق التنمية العقاري لدراسة نظام الصندوق تماشيا مع أنظمة الهيئات والجهات ذات العلاقة بهذه القضية ، والرفع بشأنها إلى مقام مجلس الوزراء الموقر لاتخاذ القرارات الملائمة بشأنها .
قلت أن هذا القرار أتى في الوقت الضائع ، فالضرر الذي أوقعه ذلك الشرط الذي ألغاه القرار قد استفحل واستشرى وجعل واقع مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي واقعا مريرا بالفعل . والمشكلة أن القرار جاء متأخرا بالنظر إلى قدم الحديث عن هذا الخلل ، حيث أن النقاش الدائر حول هذا الموضوع قد امتد لسنوات طويلة ، لم يجد خلالها الاهتمام الكافي والتفاعل السريع لمحاصرة الآثار السلبية التي أحدثها . وبالتالي ، فإن هذا القرار مع أنه سيوقف استمرار تلك الآثار ، ويحد من الاتجاه التصاعدي لأسعار الأراضي ، إلا أنه لن يحول اتجاه تلك الأسعار للهبوط على المدى القصير ، خاصة في ظل تنامي الطلب على الأراضي والوحدات السكنية ، وانحسار جهود تطوير الأراضي من قبل المطورين العقاريين ، وبالتالي انحسار العرض في هذا القطاع من السوق . صحيح أن صدور القرار متأخرا أفضل من عدم صدوره مطلقا ، إلا أن معالجة الآثار السلبية التي نعيشها تتطلب منظومة أخرى من القرارات والإجراءات التي يلزم صدورها بشكل عاجل ، وعلى رأسها تبني فرض رسوم على الأراضي الفضاء المخدومة داخل النطاق العمراني ، ناهيك عن تحصيل الزكاة الشرعية عن تلك الأراضي المختزنة بغرض التجارة وتصعيد الأسعار .
قلت أيضا أن هذا القرار جاء مبتورا عن مجمل المعالجة التي نتطلع إليها لأنظمة صندوق العقاري ، وهذه حقيقة مهمة . فكلنا يعلم أن أنظمة صندوق التنمية العقاري أسهمت بشكل فاعل في ترسيخ ثقافة التطوير الفردي للمساكن ، وهي الثقافة التي أنتجت ما نراه من بنية عمرانية إسكانية متهالكة ، تفتقر إلى أسس الجودة التي تتطلبها معايير أنظمة التمويل والرهن العقاري ، والتي تنظر إلى الوحدة السكنية كأساس لضمان التمويل ، ويصبح بذلك عنصر الجودة عنصرا أساسيا لتحقيق الأمان لجهات التمويل بالنظر إلى طول مدة التمويل في هياكل التمويل العقاري . كما أن أنظمة الصندوق لا زالت تضع عنصر الأرض ضمن عناصر عملية البناء في ظل الاستمرار في تبني آلية التطوير الفردي ، الأمر الذي يعني عدم إلغاء حاجة الأفراد لشراء الأراضي بشكل مباشر ، ليس للتقدم إلى الصندوق بطلب القرض ، ولكن لتنفيذ عملية البناء حال الحصول على القرض . وهو الواقع الذي نعيشه في الوقت الراهن ، إذ أننا نعلم جيدا أن لا أحد من الحاصلين على قرض الصندوق يملك بالفعل ذات الأرض التي تقدم بها للحصول على القرض منذ سنين طويلة خلت ، ويجب عليه حال حلول دوره في الحصول على القرض البحث عن أرض لشرائها ليقوم ببناء مسكنه عليها . هذا الواقع يتطلب مراجعة شاملة وفاعلة لأنظمة الصندوق ، للتأسيس لتغيير ثقافة التطوير الفردي إلى التطوير والبناء الجماعي من قبل مطورين متخصصين في بناء الوحدات السكنية وفق مفهوم صناعي يتبنى أسس المعيرة والنمذجة ، وذلك من خلال توفير وتوجيه التمويل لهؤلاء المطورين وفق شروط وإجراءات تلزمهم بإنتاج وحدات سكنية تحقق معايير الجودة التي يحددها الصندوق ، ليقوم بعد ذلك بتقديم هذه الوحدات السكنية للمواطنين جاهزة للسكن المباشر ، على غرار تلك التجربة الناجحة للصندوق في توزيع الوحدات السكنية في مشاريع الإسكان العاجل . وهو ما يمكن أن يحقق الكثير من الوفر في الوقت والجهد والمال بالمقارنة مع آليات التطوير الفردي القائمة .
الجانب السلبي الآخر في أنظمة الصندوق هو توحيد استحقاق الحصول على القرض لكافة المواطنين بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو قدراتهم المالية . هذ النوع من العدل هو في الحقيقة عدل ظالم ، إذ أنه لا يعقل أن يعامل من يملك الملايين ومن لا يملك شروى نقير على قدم المساواة في استحقاق الحصول على القرض . والواجب في رأيي المتواضع ، أن يتم تحديد الأولوية في الحصول على القرض استنادا إلى تقص حقيقي على أرض الواقع للحالة الاجتماعية والمالية لطالبي القروض ، ليتم منح الأولوية للأكثر استحقاقا وحاجة للحصول على المسكن ، خاصة ممن لا يملكون مساكنهم الأولية ، في مقابل من يملكون مساكنهم أو ربما يملك بعضهم أكثر من مسكن . المشكلة التي سيواجهها صندوق التنمية العقاري في الفترة القادمة نتيجة هذا القرار هي انتظام راغبي الحصول على القروض العقارية في صفوف طويلة لوضع أسمائهم في قوائم الانتظار ، الأمر الذي سيؤدي إلى إطالة فترة الانتظار فوق المدة الحالية التي تقدر بحوالي 30 عاما . وما كنت أتطلع إليه هو أن يأخذ القرار الصادر هذا الجانب بعين الاعتبار ، ليكون له الأثر الفاعل المأمول في معالجة جوانب المشكلة .
خلاصة القول ، قضية الإسكان تتطلب معالجة استراتيجية شمولية منظمة تطال كل جوانب المشكلة ، وليس حلولا مبتورة متناثرة تعالج بعض الآثار السلبية لواقع المشكلة . تذكرت هنا مقولة لأحد الباحثين الذي قال فيما قال ، أن الثقافة العربية بالعموم تلجأ إلى معالجة آثار المشكلة عوضا عن معالجة أساس المشكلة . ومعالجة قضية الإسكان في المملكة تتطلب اهتماما بحجم عظم المشكلة ، وتتطلب توجيه الجهود لمعالجة جذور المشكلة معالجة شاملة ، منبها إلى أن التأخر في هذا الأمر لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة . وأخشى ما أخشاه أن يأتي الحل حينها ... في الوقت الضائع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق