بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

المصرفية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي


شهد ملتقى آفاق الاستثمار الذي نظم في الرياض الأسبوع قبل الماضي محاور متشعبة من النقاش حول عدد من المحاور المتعلقة بشئون المال والاستثمار ، وخاصة في ظل الأزمة المالية التي يعيشها العالم بأسره بدرجات متفاوتة من التأثر . وقد كان أحد تلك المحاور ذلك المحور المتعلق بالمصرفية الإسلامية ، والذي تناوله عدد من أفاضل العالمين بهذا الشأن ، ومنهم معالي الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية . أنطلق في مقالي هذا من مقولة هامة ذكرها معالي الدكتور في معرض حديثه ، حيث قال إن المصرفية الإسلامية بوضعها الراهن وتطبيقاتها الحالية ليست جاهزة بعد لتكون بديلا مطلقا للمصرفية التقليدية ، وحث على العمل الجاد لتطوير تلك التطبيقات والحلول حتى يمكن أن تسد المصرفية الإسلامية ما بها من ثغرات ، وتؤدي الدور الشمولي المطلوب في عالم المال والاستثمار . مقولة معالي الدكتور أثارت بعض الاستياء في أواسط المتحدثين والمستمعين ، حماسة لمسمى المصرفية الإسلامية ، وإيمانا مطلقا بها ، وهو ما لمست فيه خلطا بين مفهوم المصرفية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي ، وهنا يأتي لب الحديث .
لا يختلف اثنان ، على الأقل في أواسط المسلمين ، على سماحة الإسلام وفضله على سائر الأديان ، وعلى شمول تعاليمه لكافة مناحي الحياة ، وعلى ملاءمة أسسه ومبادئه للتطبيق في كل زمان ومكان . ولكن هذا الواقع يتضارب بشكل كبير مع واقع المسلمين ، فكثير منهم بعيد بدرجات متفاوتة عن تطبيق تلك المبادئ السمحة ، وتشهد مجتمعات المسلمين أحزابا وجماعات تدين كلها بدين الإسلام ، ولكنها تختلف في فروع المعتقدات والعبادات والمعاملات والمفاهيم ، علاوة على ممارسات كثير ممن ينتسبون إلى هذا الدين السمح ، التي تتراوح ما بين طرفي النقيض من التطرف ، تارة في تنطع وغلو يصلان حد الإرهاب ، وتارة في فساد وانحلال يصلان حد الكفر . ولكن الحقيقة الدامغة هي أن ممارسات المسلمين على اختلافها لا تمس أصل الإسلام بأي ضير أو خلل ، ولا تعبر عنه بأي حال ، ويظل الإسلام الحقيقي ساميا فوق كل تلك الممارسات ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
بذات المنطق ، نجد في شئون الحياة المختلفة تباينا بين مفهوم النظرة الإسلامية لها والتطبيقات التي يتم تبنيها في إطار ذلك المفهوم . ومن ذلك الاختلاف الذي يعيشه المختصون في مفهوم العمارة الإسلامية ، وهل يكون تطبيق هذا المفهوم في تعبيرات رمزية ظاهرية توارثتها عصور عمارة المسلمين من أقواس وزخارف وما إلى ذلك ، أم في تطبيق مبادئ الإسلام في عمارة المسلمين ، ومنها الخصوصية وعدم إيذاء الجار وما إلى ذلك . وفي ذات السياق ، يمكن القول أن هناك تباينا بين مفهوم الاقتصاد الإسلامي وتطبيقات المصرفية الإسلامية . فالاقتصاد الإسلامي مبني على أسس راسخة رسوخ الإسلام ذاته ، ويشتمل على مجموعة من المبادئ التي تعبر عن روح الإسلام في الشق الاقتصادي ، ومن ذلك دفع الضرر والغرر والربا وغير ذلك من المبادئ السمحة . وواقع المصرفية الإسلامية الراهن يشهد الكثير من الاجتهادات لصياغة تطبيقات ووسائل يفترض أنها تتسق مع تلك المباديء ، ولكنها في بعض الأحيان تتعارض معها بشكل مخل . فعلى سبيل المثال ، فإن تكلفة بدائل التمويل الإسلامي أكبر من تكلفة بدائل التمويل التقليدي بشكل واضح ، فبطاقات الائتمان الإسلامية التي تصدرها البنوك يتم فيها قلب الدين شهرا بعد شهر بتكلفة سنوية تصل إلى 41% من مبالغ الائتمان ، في الوقت الذي لا تزيد فيه تكلفة الدين السنوية في بطاقات الائتمان التقليدية عن 18% من مبالغ الائتمان ، كما أن تكلفة تمويل المرابحة الإسلامية تفوق تكلفة التمويل التقليدي لذات السلعة . وفوق ذلك فإن تطبيقات المصرفية الإسلامية الراهنة لم تتمكن بعد من إيجاد الحلول لكثير من احتياجات المسلمين ، الأمر الذي يجعل مقولة معالي الدكتور أحمد محمد علي صحيحة على أرض الواقع . والمشكلة هي ليست فقط في لب هذا التباين ، ولكن الخطر الحقيقي هو في تلك الصورة الذهنية التي يمكن أن تلتصق بالمصرفية الإسلامية نتيجة لذلك التباين على المستوى العالمي ، فلا يريد أحد أن توصم المصرفية الإسلامية بالاستغلال والتنفع من حاجات المسلمين ، ولا يقبل أحد أن تكون تلك المصرفية قناعا يلبسه من يشاء لتحقيق مآرب نفعية باسم الإسلام . وليس أدل على هذا الخطر من تأسيس فروع للعمليات الإسلامية في مؤسسات مالية عالمية جبلت على النظام الربوي التقليدي ، مع أن حقيقة الأمر أن الأموال التي تديرها تلك البنوك هي أموال مختلطة ، ولا يمكن فصل الأموال التي تدار ضمن العمليات الإسلامية عن العمليات التي تدار ضمن العمليات التقليدية ، وهو ما أرى فيه في الواقع ضحكا على الذقون .
وفي الخلاصة ، فإن تطبيقات المصرفية الإسلامية يجب أن تعبر بحق عن أسس ومفاهيم الاقتصاد الإسلامي الحقيقي ، لكي تتمكن من أداء الدور المأمول في إعادة صياغة النظم المالية والمصرفية في العالم ، وتحل بحق محل البدائل التقليدية الربوية . هذا الأمل لن يتحقق إلا بجهود خالصة ومضنية ومتضافرة من علماء المسلمين في الاقتصاد والشريعة ، لصياغة حلول مصرفية إسلامية تنتهج منهج الاقتصاد الإسلامي ، وتتناول مختلف احتياجات المسلمين في التمويل والاستثمار والاقتراض وغير ذلك ، بما يخلق نموذجا يرى فيه القاصي والداني بديلا حقا عن المصرفية التقليدية التي أهلكت الحرث والنسل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق