بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

شجون في العمران


أقيم في مدينة الرياض في الفترة من التاسع إلى الحادي عشر من شهر محرم لعام 1420 هـ معرض الرياض للعقارات ، في فندق الرياض إنتركونتننتال ، والذي نظمته شركة رامتان لتنظيم وتسويق المعارض . وقد حفل هذا المعرض بالعديد من الطروحات والمعطيات الهادفة في مجال الاستثمار العقاري والتنمية العمرانية ، إلى جانب برنامج حلقات وورش العمل الذي حفل به المعرض ، والذي تطرق إلى العديد من الهموم والمستجدات في هذه المجالات . وقد تفضل سعادة د. عبد العزيز الخضيري ، وكيل وزارة الشئون البلدية والقروية المساعد لشئون تخطيط المدن ، ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم العمران ، بالمشاركة في إحدى هذه الحلقات ، طارحا تصوراته الشخصية والرسمية حول ضوابط وشئون التنمية العمرانية والتخطيط الحضري للمدن . وقد كانت هذه الحلقة بدون شك إحدى أكثر حلقات المعرض العلمية ثراء ، بما احتوته من إجابات متفاعلة مع استفسارات وتطلعات وشجون المستثمرين العقاريين والمواطنين على حد سواء . وقد لفت نظري في هذه الحلقة بعض النقاط التي تطرق إليها الدكتور الخضيري ، وأعرض في هذه العجالة تعليقا مقتضبا على هذه النقاط من وجهة نظر المواطن المستخدم من جهة ، والاستشاري الحريص على الرقي بالفكر العمراني في وطننا الحبيب . وأجمل هذه النقاط فيما يلي :

   1-   تطرق الدكتور الخضيري في إجابته على عدد من استفسارات وملاحظات بعض الحضور إلى موضوع التنظيمات والقوانين والتشريعات التخطيطية والعمرانية المتعلقة بنظم البناء وتقسيم الأراضي . وذكر الدكتور ما نصه أن الممارسة في هذا المجال تختلف عن الواقع ، وأن معظم ما يفرض ويطبق في مجال التنظيمات والتشريعات التخطيطية ليس من صميم النظام ، بل هو عرفٌ سرى وشاع بين منفذي هذه التشريعات من موظفي الأمانات والبلديات في المدن . وضرب المتحدث على ذلك مثالا بأنظمة الارتدادات في المباني ، والحد  الأدنى لمساحات الأراضي في مجال تقسيم الأراضي ، والتي لا تسمح التطبيقات الحالية للأنظمة بأقل من 600 متر مربع في الغالب لمساحة القطعة في المخططات السكنية . وعبر الدكتور الخضيري عن وجود مرونة كاملة وقبول رسمي بتطبيق ما يخالف هذه التنظيمات الشائعة في المخططات الجديدة ، مشيرا إلى عدم إمكانية تحقيق هذه المرونة فيما يخص المخططات المعتمدة سابقا . ويعلم المتحدث وكافة الممارسين للعملية التخطيطية أن هذه المرونة ليست موجودة ولا متوفرة لدى الموظفين المنفذين لهذه التشريعات . وكم من مخططات ومشاريع تعطلت بسبب غياب مثل هذه المرونة ، وما يفرضه هؤلاء الموظفون من ضرورة الالتزام التام بالأنظمة التي يؤكد الدكتور الخضيري أنها ليست أكثر من عرف سائد وليست نظاما معتمدا . وبالرغم من أنني أشيد هنا بصراحة الإيضاح الذي قدمه المتحدث في هذا الشأن ، إلا أنني أتساءل عن الدور الرسمي في تصحيح هذا الوضع ، وإيقاف هذه الممارسات من قبل موظفي الأمانات والمدن ، والعمل على إيضاح النظم والتشريعات لكافة المستثمرين والمطورين العقاريين ، وإلزام أولئك الموظفين بتطبيق النظم الصريحة وليس الأعراف السائدة التي تعامل معاملة النظم والتشريعات الرسمية . إن غياب الدور الرسمي في ردع مثل هذه الممارسات ، وانحسار دور الجهات العليا في مجال الرقابة على التطبيق ، سيؤدي بالضرورة إلى خلل كبير في التنمية العمرانية ، ويبعد بها عن الأهداف المرسومة لها ، ويعمق الفجوة بين المستثمرين والمطورين من جهة ، والقطاع الرسمي المختص بشئون التنمية العمرانية من جهة أخرى ، ويؤدي إلى فتور وانحسار كبيرين في حجم الاستثمار في التنمية العمرانية . وأتطلع هنا إلى أن تقوم وزارة الشئون البلدية والقروية بجهد خالص في هذا المجال ، بما يكفل حل هذه المشكلة ، وتوثيق كافة الأنظمة والتشريعات المتعلقة بالتخطيط والبناء والتنمية العمرانية ، وعرضها ونشرها لكافة المطورين والمواطنين ، وتدريب الموظفين القائمين على تنفيذ هذه التشريعات تدريبا مكثفا ، يهدف إلى فهم حق لهذه التشريعات ، وتنمية القدرة على تطبيقها بفاعلية كبيرة ، إضافة إلى توفير الرقابة اللازمة لتحقيق الانضباط اللازم في هذا المجال .

   2-   عرض الدكتور عبد العزيز الخضيري في حلقة العمل نموذجا متميزا لمخطط نموذجي لإحدى المجاورات السكنية ، يحقق كافة التطلعات والمتطلبات النظرية في المجاورة السكنية ، فيما ستعلق بتوفير المساحات الخضراء وخصوصية المساكن وغير ذلك من المميزات . وأرى أن هناك انفصاما حادا بين النظرية والتطبيق في هذا الشأن . إذ أن مثل هذه المخططات ، بالرغم من أنها تحمل قيمة عالية من الناحية النظرية ، إلا أنها لا تجد القبول الكافي من المستثمرين والمطورين العقاريين ، ولا من المواطنين الذين يفضلون في العادة قطع الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية ، بسبب الفارق الكبير في معدلات أسعار الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية عنها في فكر المخططات النموذجية الذي تطرحه الوزارة . وأرى أنه من الضروري بمكان العمل على تنمية الوعي العام بمزايا هذا الفكر التخطيطي على المدى الطويل ، وذلك من خلال عرض توعوي مكثف لمزايا هذه المخططات للمطورين والمستثمرين العقاريين بالدرجة الأولى ، وللمواطن المستهلك بالدرجة الثانية . والعمل على ردف هذا الجهد التوعوي بسلسلة من النظم والحوافز التي تشجع على تملك قطع الأراضي في المخططات النموذجية المقترحة ، وتدفع بأسعارها إلى منافسة أسعار الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية ، وتحد من انتشار وشيوع تطبيق الفكر التقليدي السائد في تقسيم الأراضي .

   3-   أشار الدكتور الخضيري في معرض حديثه إلى شعوره بالأسى من تحديد ارتفاع المباني في بعض الطرق والشرايين الهامة في المدن إلى حدود منخفضة ، وذكر مثالا على ذلك تحديد ارتفاعات المباني على طريق الأمير عبد الله بن عبد العزيز بمدينة الرياض بثلاثة طوابق بشكل لا يتوافق مع عرض الشارع وأهميته وقيمة الأراضي المطلة عليه . وأضم صوتي في هذا المقام إلى صوت المتحدث القدير ، داعيا إلى مراجعة شاملة لنظم البناء بوجه عام ، وللتشريعات المتعلقة بارتفاعات المباني بوجه خاص ، بشكل يتوافق مع القيم الفعلية للأراضي المطلة على الطرق الرئيسية في المدن ، ويحد من الانتشار الأفقي المكلف من الناحية الاقتصادية . وأزيد على ما ذكره الدكتور الخضيري ضرورة تناول التشريع وضع حدود دنيا للاستثمار التنموي على هذه الشرايين ، بشكل لا يسمح بظهور بثور معمارية متناثرة على هذه الطرق الهامة ، كما يرى الرائي في طريق الملك فهد بمدينة الرياض ، الذي يزخر بمجموعة من المباني والمنشآت التجارية والاستثمارية منخفضة الارتفاع ، والتي تشكل قذى في عين المارة في هذا الشريان الهام في المدينة ، ولا تتوافق مع القيمة الفعلية للأراضي التي أقيمت عليها هذه المباني .

أتطلع إلى تجاوب كريم من وزارة الشئون البلدية والقروية لهذه الطروحات التي تشغل عقول كثير من المستثمرين والمهتمين بشئون التنمية العمرانية في مدن المملكة ، وأتطلع بوجه خاص إلى دور مميز للجمعية السعودية لعلوم العمران في تناول مثل هذه الطروحات بالبحث والتقييم ، والعمل على إثراء النقاش حول الشئون العمرانية بشكل عام ، تتويجا لدورها الفاعل في المجتمع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق