أقيم في مدينة الرياض في الفترة من التاسع إلى الحادي عشر من شهر محرم لعام 1420 هـ معرض الرياض للعقارات ، في فندق الرياض إنتركونتننتال ، والذي نظمته شركة رامتان لتنظيم وتسويق المعارض . وقد حفل هذا المعرض بالعديد من الطروحات والمعطيات الهادفة في مجال الاستثمار العقاري والتنمية العمرانية ، إلى جانب برنامج حلقات وورش العمل الذي حفل به المعرض ، والذي تطرق إلى العديد من الهموم والمستجدات في هذه المجالات . وقد تفضل سعادة د. عبد العزيز الخضيري ، وكيل وزارة الشئون البلدية والقروية المساعد لشئون تخطيط المدن ، ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم العمران ، بالمشاركة في إحدى هذه الحلقات ، طارحا تصوراته الشخصية والرسمية حول ضوابط وشئون التنمية العمرانية والتخطيط الحضري للمدن . وقد كانت هذه الحلقة بدون شك إحدى أكثر حلقات المعرض العلمية ثراء ، بما احتوته من إجابات متفاعلة مع استفسارات وتطلعات وشجون المستثمرين العقاريين والمواطنين على حد سواء . وقد لفت نظري في هذه الحلقة بعض النقاط التي تطرق إليها الدكتور الخضيري ، وأعرض في هذه العجالة تعليقا مقتضبا على هذه النقاط من وجهة نظر المواطن المستخدم من جهة ، والاستشاري الحريص على الرقي بالفكر العمراني في وطننا الحبيب . وأجمل هذه النقاط فيما يلي :
1- تطرق الدكتور الخضيري في إجابته على عدد من استفسارات وملاحظات بعض الحضور إلى موضوع التنظيمات والقوانين والتشريعات التخطيطية والعمرانية المتعلقة بنظم البناء وتقسيم الأراضي . وذكر الدكتور ما نصه أن الممارسة في هذا المجال تختلف عن الواقع ، وأن معظم ما يفرض ويطبق في مجال التنظيمات والتشريعات التخطيطية ليس من صميم النظام ، بل هو عرفٌ سرى وشاع بين منفذي هذه التشريعات من موظفي الأمانات والبلديات في المدن . وضرب المتحدث على ذلك مثالا بأنظمة الارتدادات في المباني ، والحد الأدنى لمساحات الأراضي في مجال تقسيم الأراضي ، والتي لا تسمح التطبيقات الحالية للأنظمة بأقل من 600 متر مربع في الغالب لمساحة القطعة في المخططات السكنية . وعبر الدكتور الخضيري عن وجود مرونة كاملة وقبول رسمي بتطبيق ما يخالف هذه التنظيمات الشائعة في المخططات الجديدة ، مشيرا إلى عدم إمكانية تحقيق هذه المرونة فيما يخص المخططات المعتمدة سابقا . ويعلم المتحدث وكافة الممارسين للعملية التخطيطية أن هذه المرونة ليست موجودة ولا متوفرة لدى الموظفين المنفذين لهذه التشريعات . وكم من مخططات ومشاريع تعطلت بسبب غياب مثل هذه المرونة ، وما يفرضه هؤلاء الموظفون من ضرورة الالتزام التام بالأنظمة التي يؤكد الدكتور الخضيري أنها ليست أكثر من عرف سائد وليست نظاما معتمدا . وبالرغم من أنني أشيد هنا بصراحة الإيضاح الذي قدمه المتحدث في هذا الشأن ، إلا أنني أتساءل عن الدور الرسمي في تصحيح هذا الوضع ، وإيقاف هذه الممارسات من قبل موظفي الأمانات والمدن ، والعمل على إيضاح النظم والتشريعات لكافة المستثمرين والمطورين العقاريين ، وإلزام أولئك الموظفين بتطبيق النظم الصريحة وليس الأعراف السائدة التي تعامل معاملة النظم والتشريعات الرسمية . إن غياب الدور الرسمي في ردع مثل هذه الممارسات ، وانحسار دور الجهات العليا في مجال الرقابة على التطبيق ، سيؤدي بالضرورة إلى خلل كبير في التنمية العمرانية ، ويبعد بها عن الأهداف المرسومة لها ، ويعمق الفجوة بين المستثمرين والمطورين من جهة ، والقطاع الرسمي المختص بشئون التنمية العمرانية من جهة أخرى ، ويؤدي إلى فتور وانحسار كبيرين في حجم الاستثمار في التنمية العمرانية . وأتطلع هنا إلى أن تقوم وزارة الشئون البلدية والقروية بجهد خالص في هذا المجال ، بما يكفل حل هذه المشكلة ، وتوثيق كافة الأنظمة والتشريعات المتعلقة بالتخطيط والبناء والتنمية العمرانية ، وعرضها ونشرها لكافة المطورين والمواطنين ، وتدريب الموظفين القائمين على تنفيذ هذه التشريعات تدريبا مكثفا ، يهدف إلى فهم حق لهذه التشريعات ، وتنمية القدرة على تطبيقها بفاعلية كبيرة ، إضافة إلى توفير الرقابة اللازمة لتحقيق الانضباط اللازم في هذا المجال .
2- عرض الدكتور عبد العزيز الخضيري في حلقة العمل نموذجا متميزا لمخطط نموذجي لإحدى المجاورات السكنية ، يحقق كافة التطلعات والمتطلبات النظرية في المجاورة السكنية ، فيما ستعلق بتوفير المساحات الخضراء وخصوصية المساكن وغير ذلك من المميزات . وأرى أن هناك انفصاما حادا بين النظرية والتطبيق في هذا الشأن . إذ أن مثل هذه المخططات ، بالرغم من أنها تحمل قيمة عالية من الناحية النظرية ، إلا أنها لا تجد القبول الكافي من المستثمرين والمطورين العقاريين ، ولا من المواطنين الذين يفضلون في العادة قطع الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية ، بسبب الفارق الكبير في معدلات أسعار الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية عنها في فكر المخططات النموذجية الذي تطرحه الوزارة . وأرى أنه من الضروري بمكان العمل على تنمية الوعي العام بمزايا هذا الفكر التخطيطي على المدى الطويل ، وذلك من خلال عرض توعوي مكثف لمزايا هذه المخططات للمطورين والمستثمرين العقاريين بالدرجة الأولى ، وللمواطن المستهلك بالدرجة الثانية . والعمل على ردف هذا الجهد التوعوي بسلسلة من النظم والحوافز التي تشجع على تملك قطع الأراضي في المخططات النموذجية المقترحة ، وتدفع بأسعارها إلى منافسة أسعار الأراضي في المخططات الشبكية التقليدية ، وتحد من انتشار وشيوع تطبيق الفكر التقليدي السائد في تقسيم الأراضي .
3- أشار الدكتور الخضيري في معرض حديثه إلى شعوره بالأسى من تحديد ارتفاع المباني في بعض الطرق والشرايين الهامة في المدن إلى حدود منخفضة ، وذكر مثالا على ذلك تحديد ارتفاعات المباني على طريق الأمير عبد الله بن عبد العزيز بمدينة الرياض بثلاثة طوابق بشكل لا يتوافق مع عرض الشارع وأهميته وقيمة الأراضي المطلة عليه . وأضم صوتي في هذا المقام إلى صوت المتحدث القدير ، داعيا إلى مراجعة شاملة لنظم البناء بوجه عام ، وللتشريعات المتعلقة بارتفاعات المباني بوجه خاص ، بشكل يتوافق مع القيم الفعلية للأراضي المطلة على الطرق الرئيسية في المدن ، ويحد من الانتشار الأفقي المكلف من الناحية الاقتصادية . وأزيد على ما ذكره الدكتور الخضيري ضرورة تناول التشريع وضع حدود دنيا للاستثمار التنموي على هذه الشرايين ، بشكل لا يسمح بظهور بثور معمارية متناثرة على هذه الطرق الهامة ، كما يرى الرائي في طريق الملك فهد بمدينة الرياض ، الذي يزخر بمجموعة من المباني والمنشآت التجارية والاستثمارية منخفضة الارتفاع ، والتي تشكل قذى في عين المارة في هذا الشريان الهام في المدينة ، ولا تتوافق مع القيمة الفعلية للأراضي التي أقيمت عليها هذه المباني .
أتطلع إلى تجاوب كريم من وزارة الشئون البلدية والقروية لهذه الطروحات التي تشغل عقول كثير من المستثمرين والمهتمين بشئون التنمية العمرانية في مدن المملكة ، وأتطلع بوجه خاص إلى دور مميز للجمعية السعودية لعلوم العمران في تناول مثل هذه الطروحات بالبحث والتقييم ، والعمل على إثراء النقاش حول الشئون العمرانية بشكل عام ، تتويجا لدورها الفاعل في المجتمع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق