بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

الطب والهندسة – إختلاف الشبيهين


كنت دوما منذ الصغر ، شأني في ذلك شأن ذلك الجيل كله ، وربما عددا من الأجيال التي سبقته وتلته ، وربما إلى وقتنا الحاضر والقادم ، كنت أنظر إلى تخصصي الطب والهندسة على أنهما أسمى التخصصات وأرفع المهن . وكنت دوما أرى ذلك التسابق المحموم بين خريجي الثانوية العامة لاختيار إحدى هاذين التخصصين ليكون مجالا للدراسة والتخصص العملي . وكنا نرى غيرهما من المجالات لا ترقى إلى مستواهما ، ولا ينتظم فيها إلا من لا يشفع له مجموعه الدراسي بذلك . هذه النظرة هي نظرة قاصرة بكل تأكيد ، فكل مجالات وتخصصات العمل سواء في الأهمية ، طالما كانت تصب في خدمة مسيرة التنمية الوطنية ، وتحقق الاكتفاء الوطني لما يحتاجه المجتمع من خدمات وتجارة وبناء وتعليم وغير ذلك . هذا المقال لا يسعى إلى تصحيح تلك النظرة ، لأني أعتقد أن الواقع قد فرض هذا التصحيح ، وأصبحنا نرى الكثيرين من خريجي الثانوية العامة ، ممن حققو درجات عالية ورفيعة ، يختارون مجالات وتخصصات للعمل بخلاف الطب والهندسة . ولكن هذا المقال يسعى إلى عقد مقارنة لواقع ممارسة هذين المجالين ، الطب والهندسة ، في بيئة الأعمال في المملكة ، بقطاعيها العام والخاص . وأعترف مقدما بأن هذه المقارنة قد لا تحقق الموضوعية التامة أو الدقة الكاملة في الطرح ، لأني ببساطة أنتمي إلى أحد هذين القطاعين ، وهو قطاع الهندسة ، ولا أعرف عن الآخر ، وهو قطاع الطب ، الشيء الكثير سوى ما يتعلق بمجالات المقارنة التي سأطرحها . ولكنني أتطلع إلى أن تؤسس هذه المقارنة لدعوة ملحة لمراجعة مناخ ممارسة العمل في هذين القطاعين ، وتحقيق طفرة نوعية ضرورية وهامة للارتقاء بمستوى ممارستهما ، وخاصة القطاع الأضعف في نظري ، وهو قطاع الهندسة .
ما يؤسس لهذه المقارنة ليس فقط تلك النظرة التمييزية التي أشرت إليها ، ولكن في كون هذين المجالين يتشابهان في كونهما ينتميان إلى التعريف الدولي وكذلك المحلي لما يسمى بالمهن الحرة ، وهي المهن التي تمارس من قبل أفراد استنادا إلى أدائهم الإبداعي أو المهاري أو الفكري . والحقيقة أن هذا التشابه يواجه أول شكل من أشكال الاختلاف والتناقض في إطار المقارنة بين هذين القطاعين . فمن جهة ، تسمح الأنظمة بممارسة الأنشطة الطبية على أسس تجارية ، ويشهد الواقع وجود العديد من الكيانات الطبية من مستشتفيات ومراكز طبية ومستوصفات ومختبرات وغير ذلك من المنشآت الطبية التي تعمل ككيانات تجارية ، ووفق كافة أشكال الكيانات التجارية من مؤسسات فردية وشركات تضامنية ومحدودة المسئولية ومساهمة عامة ومغلقة ، وتتمتع بمشاركة أو حتى ملكية رجالات وبيوتات الأعمال والاستثمار التي توفر لها الدعم التمويلي الذي مكن هذه الكيانات من أن تحقق طفرة حقيقية في مجال الخدمات الطبية في المملكة ، حتى أصبحت المملكة تقارع الدول المتقدمة في مستوى الخدمات الطبية . وفي المقابل ، يعاني القطاع الهندسي من ذات الأنظمة التي تكبل وتمنع ممارسته على ذات الأسس التجارية ، وتكرس فيه الممارسة الفردية بموجب تراخيص العمل الفردية التي تمنحها الهيئة السعودية للمهندسين ، وتحرمه من الدعم والتمويل الذين يتعطش لهما من مؤسسات التمويل والاستثمار ، وتحرم المهندسين الممارسين لمهنتهم من أبسط حقوقهم في توريث كياناتهم لأبنائهم ، علاوة على الخطر الأكبر الذي توقعه تلك الأنظمة على الاقتصاد الوطني جراء دفع الكيانات الهندسية للإانقضاء والإغلاق بعد وفاة ملاكها . وفي النتيجة ، أصبح القطاع الهندسي في بلادنا قطاعا هشا ضعيفا مفككا ، يواجه منافسة شرسة من الكيانات الهندسية العالمية ، ولا يملك القدرة لتصدير تلك الخدمات خارج حدود الوطن ، ويعجز عن تقديم مساهمة فاعلة وجادة في التنمية الوطنية ، إلى الحد الذي أصبح فيه تعثر تنفيذ مشاريع التنمية مشكلة كبرى يلعب فيها ضعف الكيانات الهندسية دورا أساسيا . هذا الواقع كان محل العرض والنقاش في محافل كثيرة ومناسبات عديدة ، ولكنه حتى الآن لم يحظ بالاهتمام المأمول ، ولم يرتق إلى مكانه الطبيعي في قائمة الأولويات . والموضوع من الخطورة بمكان إلى أن يكون ضمن أولويات التطوير في الأنظمة ، هذا إن كانت هناك نية حقيقية لمعالجة مشكلة تعثر تنفيذ مشاريع التنمية ، وتأسيس مناخ مهني يدعم هذه المسيرة على المدى الطويل .

ثاني أوجه المقارنة هو في مجال التوظيف الحكومي ، فالأطباء يتمتعون بكادر وظيفي خاص ، فيه من المميزات والحوافز الشيء الكثير ، ويوفر لهم المناخ الملائم للتميز والإبداع والارتقاء في ممارسة عملهم . وفي المقابل ، تعلو الأصوات منذ فترة طويلة مطالبة بوضع كادر وظيفي خاص للمهندسين في القطاع الحكومي ، الذي يعانون الأمرين ليس فقط من تماثل مستويات دخولهم مع الكثير من الوظائف الأدنى في طبيعتها ومسئولياتها ومتطلباتها العملية ، ولكن أيضا في حرمانهم من الارتقاء في السلم الوظيفي مع الحفاظ على ممارسة تخصصاتهم الهندسية ، إذ أن الكادر الحالي للخدمة المدنية يحصر المراتب العليا في وظائف إدارية الطابع . هذا التمييز بين الأطباء والمهندسين العالمين في القطاع الحكومي هو تمييز مجحف ، خاصة إذا تذكرنا أن أولئك المهندسين العاملين في القطاع الحكومي يقومون بأعمال الإدارة والإشراف على مشروعات التنمية التي يتم التعاقد عليها بمليارات الريالات ، فكيف نتوقع منهم أداء مهامهم على الوجه الأكمل في الوقت الذي يحرمون فيه من أبسط حقوقهم في دخل ملائم وعيشة كريمة ؟ . أجزم أن الضعف الذي نشهده في مستوى أداء إدارات المشروعات الهندسية في القطاعات الحكومية مرده الأول إلى هذا الواقع الأليم ، وهو ما يشكل سببا آخر من أسباب تعثر مشاريع التنمية . وتكتمل بذلك حلقة الضعف بين كيانات هندسية متهالكة المستوى ، وإدارات هندسية ضعيفة منهكة بأعباء الحياة .
الوجه الثالث هو في قضية المرجعية التنظيمية . فالقطاع الطبي يتمتع بمرجعية موحدة تشكل فيها وزارة الصحة المنظم الأشمل والأوحد لممارسة المهن الطبية في القطاعين العام والخاص . وحتى هيئة التخصصات الصحية ترتبط ارتباطا وثيقا بوزارة الصحة ، ويرأس مجلس إدارتها وزير الصحة ، وترتبط آلياتها وإجراءاتها بوزارة الصحة . ومن جهة أخرى ، نرى أن القطاع الهندسي يعاني من غياب المرجعية العليا ، وتتشت مسئولياته بين العديد من القطاعات والهيئات والأجهزة الحكومية ، فهيئة المهندسين السعوديين تعاني من تداخل صلاحياتها مع بعض الجهات الأخرى ، ومنها وزارة الشئون البلدية والقروية ووزارة التجارة ووزارة المالية والهيئة العامة للاستثمار . كما أن ممارسة الأعمال في القطاع الهندسي لا ترتبط ذلك الارتباط الوثيق بتلك الهيئة ، خاصة وأن كافة المهندسين العاملين في القطاع الحكومي لا يلزمهم النظام بالانتساب للهيئة ، ولا بالحصول على ترخيص بالعمل الهندسي ، بخلاف واقع ممارسة الأعمال الطبية ، الذي يفرض على كافة الأطباء في القطاعين العام والخاص الانتساب لهيئة التخصصات الصحية والحصول على ترخيص بالعمل منها بشكل دوري . إن توحيد المرجعية في رأيي قضية هامة لأي قطاع ، والقطاع الهندسي أحد أهم تلك القطاعات . إذ أن تلك المرجعية الموحدة يمكن أن تؤدي دورا فاعلا في إدارة شئون هذا القطاع ، والبعد عن تضارب وتداخل الصلاحيات ، الأمر الذي يمكن أن يؤسس لمعالجة شاملة لظاهرة تعثر تنفيذ المشاريع ، عوضا عن الحلول المجزأة والمفككة التي تصدر بقرارات متناثرة وأحيانا متعارضة من تلك الأجهزة المتعددة التي تختصم الاختصاص في شئون ذلك القطاع .

الطب والهندسة في المملكة شبيهان مختلفان ، كتوأم يربيهما والداهما سويا ، فيميزان أحدهما عن الآخر ، فيحظى أحدهما بكل الدلال والاهتمام ، ويحظى الآخر بالتجاهل والتقصير . المشكلة ، أن القطاع الذي يعاني من هذا التمييز المجحف هو في الحقيقة القطاع الأهم . فخطأ الطبيب ، مع شدة خطورته ، ينجر بالضرر على فرد واحد هو المريض الذي يعالجه ، وربما تتسع دائرة الضرر لتصيب أهله وذويه . أما خطأ المهندس فيمكن أن يصيب مدينة كاملة بالشلل أو الموت ، وينجر هذه الضرر على كل سكانها أطفالا وكبارا ، رجالا ونساء . فهل لنا أن نعي حجم خطورة وأهمية هذا القطاع ؟ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق