بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

العمارة الخضراء بين الحلم والحقيقة


شهدت مدينة الرياض الأسبوع الماضي فعاليات المنتدى السعودي للأبنية الخضراء ، الذي تم تنظيمه تحت رعاية وزارة الشئون البلدية والقروية ، ومشاركة فاعلة من وزارة المياه والكهرباء . وبالرغم من أهمية موضوع وعنوان المنتدى ،  خاصة في ظل ظاهرة الهدر في الطاقة والبناء التي نعيشها في المملكة ، إلا أن المنتدى لم يحظ بما كان يستحقه من حضور ، خاصة في ظل غياب واضح للمؤسسات التعليمية والجامعية من جهة ، والعديد من الجهات الحكومية ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بهذه القضية من جهة أخرى ، ومنها على سبيل المثال هيئة الأرصاد والبيئة ، وهيئة المواصفات والمقاييس ، وكذلك وزارة المالية التي تعد الموظف الأهم لقطاعات البناء والتشييد في المملكة ، ناهيك عن غياب فاضح لمؤسسات القطاع الخاص العاملة في قطاع البناء ، بما فيها شركات المقاولات والمكاتب الاستشارية الهندسية ، وشركات التطوير العقاري الكبرى منها والصغرى . هذا الغياب كان في وجهة نظري دليلا على حجم الاهتمام المتدني بهذه القضية الحيوية ، وغياب الفهم الوعي بأهميتها وانعكاساتها على جودة عملية التنمية من جهة ، وترشيد تكاليف استهلاك موارد الطاقة وغيرها من الموارد الحيوية الأخرى . هذا الواقع دفعني إلى كتابة هذا المقال ، الذي آمل أن يكون له شيء من الأثر في جذب الاهتمام لهذه القضية الهامة .
لن أتحدث هنا عن تاريخ العمارة الخضراء ونشأتها ومفهومها ، فالمعلومات عن هذا المصطلح متوفرة على مواقع الشبكة العنكبوتية ومصادر المعلومات المختلفة لمن أراد أن يغوص في أعماق هذه القضية . ما أريده هنا هو أن أستعرض أوجه الخلل في التعاطي مع صناعة البناء ، وإبراز الحاجة الملحة إلى تبني مباديء العمارة الخضراء في مشروعات التنمية . ومفهوم العمارة الخضراء هو مفهوم شمولي ، يتضمن منظومة من العمليات والإجراءات والتطبيقات في صناعة البناء تفضي بمجملها إلى رفع كفاءة مشروعات التنمية ، والحفاظ على البيئة ، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه وغيرها من الموارد الطبيعية والحيوية ، وتخفيض تكاليف الصيانة والتشغيل ، وغيرها من المكتسبات الهامة . والحقيقة ، أن مشروعات التنمية التي تشهدها المملكة في القطاعين العام والخاص هي أبعد ما تكون عن تبني هذا المفهوم ، إذ نشهد في هذه المشروعات الكثير من أشكال الهدر في كافة المستويات ، بما في ذلك  استخدام مواد بناء مكلفة وغير صديقة للبيئة ، وأنظمة بناء تقليدية عفا عليها الزمن ، علاوة على ما نشهده من تدمير للبيئة الطبيعية في كثير من المشروعات ، والهدر في استخدام المياه والطاقة . والحقيقة أن مباديء العمارة الخضراء تتخطى التعامل مع هذه المظاهر من الهدر الاقتصادي ، لتشمل ايضا مظاهر أخرى من الهدر الثقافي والحضاري ، التي تشمل قضايا الهوية العمرانية والانسجام مع مباديء الثقافة الاجتماعية المحلية ، وهي المباديء التي تعد في أسفل قائمة أولويات مؤسسات التطوير والبناء العامة والخاصة .

السؤال الذي يطرح نفسه ، وكان محل جدل في أروقة المنتدى وجلساته ، هل تبني هذه القضية هو من مسئولية الدولة أو القطاع الخاص أو المواطنين الأفراد . والحقيقة أن هذه المسئولية منوطة بكافة قطاعات المجتمع وفئاته ودرجاته ، ولكن الحقيقة الأهم هي أن دور الدولة ومؤسساتها في هذه القضية على وجه الخصوص هو دور محوري وأساسي . أولا لأن الدولة هي كما قلت سابقا المطور الأكبر في عملية التنمية والبناء في المملكة ، وثانيا لأن الدولة هي المختصة بوضع التشريعات والأنظمة واللوائح التي يمكن أن تؤصل تطبيق هذه المفاهيم والمباديء ، وثالثا لأن الدولة هي المسئولة عن وضع سياسات التعليم ، وهو المكان الأمثل لغرس القناعات بهذه المباديء وغيرها في عقول وضمائر النشء ، عسى أن يكونو في مستقبل الأيام أفضل حالا من جيلنا الحاضر . الجانب الأهم والأخطر في رأيي هو مسئولية الدولة في أن تكون النموذج الذي يجب أن يحتذى في كافة قضايا المجتمع . وفي جانب قضية العمارة الخضراء وترشيد الطاقة والمياه وغيرها من المظاهر ذات العلاقة ، لا يمكن للدولة أن تقوم بهذا الدور في الوقت الذي نشهد الكثير من الممارسات المبتذلة ، التي تؤشر إلى تناقض واضح ومخل في تعاطي الدولة مع قضية الطاقة والمياه وعناصر العمران الأخضر . صورة المباني الحكومية والعامة التي تشع بأنوارها الساطعة وأبوابها مغلقة خارج ساعات الدوام تتناقض مع دعوة شركة الكهرباء لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية ، ومنظر المياه المنسكبة من صهاريج المياه التي تجوب الشوارع لري النباتات يتناقض مع حملة وزارة المياه والكهرباء التي جابت البيوت بيتا بيتا لترشيد استهلاك المياه ، والأمر ذاته ينطبق على الكثير من الجوانب والمظاهر ذات العلاقة بمباديء العمارة الخضراء . ومن هنا أقول أن المسئولية تقع بالدرجة الأولى على الدولة ، إذ لا يمكن أن نحقق تطبيقا عمليا لهذه المباديء إلا بالقدوة والتحفيز والتوعية ، وليس بالقوة والفرض والتهديد .
المنتدى ذاته كان معبرا عن تخلي الدولة عن دورها في هذه القضية ، ليس فقط عبر الغياب الواضح عن حضور جلسات المنتدى ، ولكن عبر الضعف الواضح الذي ظهرت به المؤسسة الوحيدة العاملة في المملكة في هذا المجال . أشير هنا إلى المجلس السعودي للمباني الخضراء ، الذي تأسس قبل سنوات قليلة بجهود ومبادرات فردية من عدد من المهندسين الغيورين على موارد الوطن . وبالرغم من أن هذا المجلس حظي برعاية كريمة من رئيس هيئة الأرصاد والبيئة برئاسته الفخرية له ، إلا أن المجلس لا زال حتى الآن يفتقر إلى الدعم الرسمي لقضيته ، ولا زال يستجدي الدعم والتمويل من الشركات ورجال الأعمال الذين لم يضعو بعد هذه القضية ضمن أجنداتهم الإعلامية والترويجية . ما زادني حسرة في ذلك المنتدى هو ذلك النموذج الرائع الذي قدمه بعرض التجربة القطرية في هذا المجال ، وهي تجربة رائدة بكل المقاييس على مستوى الوطن العربي كله ، أجزم أنها ستجعل من هذه الدولة الصغيرة على الخريطة علامة بارزة في مجال العمارة الخضراء والحفاظ على الطاقة والمياه . والأهم في هذه التجربة هو مقدار الدعم الرسمي الذي حظيت به من أجهزة الدولة المختلفة ، والتبني والدعم والرعاية من كبريات الشركات القطرية . كل ما أرجوه ، أن تثير هذه التجربة فينا شيئا من الغيرة الإيجابية ، لنرفع راية الدعم والرعاية لهذا المجلس الواعد ، وهذه القضية الحيوية ، لتحتل مملكتنا موقع الريادة في هذا المجال ، كما اعتادت أن تكون في كثير من المجالات الهامة . ومن منطلق اقتصادي بحت ، علينا أن نتذكر أن كل برميل نفط نستهلكه هو برميل لم نبعه . ويكون بذلك استهلاكنا المهدر للطاقة مهدرا لمواردنا الاقتصادية الحيوية والمالية ، وهو ما يبتعد كل البعد عن دعوة قائد المسيرة للحفاظ على النفط للأجيال القادمة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق