عزمت أن أخصص مقال هذا الأسبوع للحديث عن الهيئة العامة للاستثمار ، وهي الهيئة التي تضطلع بمهمة حيوية في مسيرة التنمية في المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها في العام 1421 هـ . وفي الحقيقة ، أصابني بعض الاستغراب حين بحثت عن تاريخ تأسيس الهيئة ، وعلمت أن الهيئة قد بلغت عشر سنين من العمر ، دون أن تنظم أية مناسبة احتفالية بهذه المناسبة ، خاصة وأننا اعتدنا الاحتفال بمثل هذه المناسبات الرقمية ، وخاصة وأن هذه الهيئة سجلت بحق استحقاقها لحمل لقب ملكة الأرقام . وصرت أتساءل ، هل رغبت الهيئة عن مثل هذا الاحتفال قناعة منها بعدم جدوى مثل هذا الاحتفال ، أم أنها أرادت أن توحي بأنها تعمل في صمت بعيدا عن صخب الاحتفالات والبهرجة الإعلامية . وكلا الاحتمالين يحمد للهيئة ، وخاصة أولهما ، إذ أنني ارجو بالفعل أن تكون لدى الهيئة والقائمين عليها قناعة بعدم جدوى مثل هذه الاحتفالات ، خاصة في ظل قلة حجم التأثير الذي أوقعته الهيئة منذ تأسيسها على تنمية الاستثمار في المملكة مقارنة بالدور المأمول والخطط الطموحة والآمال العريضة التي سجلتها الهيئة ورسمتها أمام أعين مجتمع الاستثمار بوجه خاص ، وكافة شرائح المجتمع بوجه عام . لا أريد من هذا المقال أن استثير غضب القائمين على الهيئة ، ولا أن أحط من قدر ما بذلوه من جهود ، ولا أن أشكك في صدق نواياهم وتطلعاتهم للنهوض بالقطاع الاقتصادي في المملكة . ولكنني أريد أن أسجل بعض المرئيات والقضايا حول أداء الهيئة ، بنية خالصة وصادقة تهدف إلى تنبيه القائمين على الهيئة إلى بعض الجوانب التي آمل ألا تكون غائبة عن أعينهم وأذهانهم ، وهم يحملون راية مهمة تعد بحق من أهم رايات التنمية في مملكتنا الحبيبة .
قضيتي الأساسية هي في أن الهيئة العامة للاستثمار وضعت نصب أعينها العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية إلى المملكة ، وهو بلا شك دور مهم من مجمل منظومة الأدوار التي يجب أن تقوم بها الهيئة . ولكن المشكلة أن الهيئة أغفلت الكثير من الأدوار الأخرى ، والتي يعد من أهمها ، في نظرتي المتواضعة ، رعاية الاستثمارات المحلية وتوطينها وحمايتها من التهجير . إن المعايش لواقع الأعمال التجارية والاستثمارية في المملكة يعلم ما يعانيه هذا القطاع من مشاكل وعقبات تعترض طريق المستثمرين المحليين ، بما في ذلك ضعف قنوات التمويل ، والبيروقراطية الحكومية ، وتعدد مستويات اتخاذ القرار ، وغياب أو ضعف التشريعات والأنظمة ، وإشكاليات النظام القضائي وحماية الاستثمار ، وقلة الموارد البشرية الكفؤة ، وغير ذلك الكثير . لقد شكلت هذه المشاكل والعقبات عائقا شائقا أمام تنمية الاستثمارات المحلية ، وحدت بأصحابها في كثير من الأحيان إلى الهجرة خارج حدود الوطن ، بحثا عن بيئة أفضل للاستثمار ، مع كل ما يحمله هذا الواقع من مخاطر جمة على الاقتصاد الوطني . ومثال ذلك ما أوردته مجلة فوربز العربية من أن حجم الاستثمارات والمداولات السعودية في سوق دبي المالي حوالي 15 مليار دولار ، وما ذكره وكيل وزارة السياحة المصري من أن حجم الاستثمارات السياحية في مصر بلغ حوالي 25 مليار دولار ، وما أوردته بعض الإحصاءات الرسمية التي أشارت غلى أن حجم الاستثمارات السعودية في قطاع العقارات في الإمارات بلغ 7 مليار دولار . لقد كان الأجدر بهيئة الاستثمار أن تعمل على صياغة رؤية شاملة وخطة طموحة للنهوض بهذا القطاع الحيوي ، ورعاية الاستثمارات المحلية قبل استقطاب الخارجية منها ، والعمل على تذليل تلك العقبات وحل تلك المشكلات ، بما يؤسس بالمجمل مناخا جاذبا للاستثمار بشكل واقعي ، تكون ثمرته توطين وتنمية الاستثمارات المحلية من جهة ، وتكون نتيجته بالضرورة استقطاب الاستثمارات الخارجية التي تترقبها الهيئة بعين المتربص . إذ أن البيئة الاستثمارية التي لا تستطيع استقطاب أهلها ومواطنيها بالدرجة الأولى لا يمكن لها أن تكون جاذبة لغيرهم من الأوطان الأخرى ، والأقربون أولى بالمعروف .
القضية الأخرى هي في نوعية الاستثمارات الأجنبية التي تعلن الهيئة عنها الكثير من الأرقام من وقت لآخر . فالناظر لهذه الاستثمارات يجد جلها ينحصر في قطاع خدمي متواضع المستوى ، لا يقدم أية إضافة تنموية حقيقية ، بل يسعى إلى استنزاف الموارد المالية الوطنية وتهجيرها . أما الاستثمارات التنموية الحقيقية في قطاعات الصناعات الحيوية مثلا ، أو نقل التقنية ، أو الصناعات المعرفية ، فلا تشكل سوى النزر اليسير من تلك الأرقام ، ومعظم ذلك النزر لم ير النور بعد ، ولم يتعد كونه أرقاما على ورق لم تجد طريقها بعد إلى أرض التطبيق ، عطفا على ذات الأسباب والعقبات التي تعوق الاستثمارات المحلية . هل يعد محل حلاقة ، أو محلا لبيع الملابس النسائية ، أو مؤسسة هزيلة للمقاولات ، استثمارا مجديا لمسيرة التنمية ؟ ، وهل يمكن أن تصبح بلدنا قبلة لأفراد غير مؤهلين ، كل سندهم أنهم حققو معايير الهيئة للترخيص بوثائق ومستندات صورية ، ولا تستند إلى خبرات حقيقية في بلدانهم ، ليفتح لهم الباب على مصراعيه لاستنزاف موارد الدولة والمواطنين لتهجيرها إلى أوطانهم وحساباتهم الخارجية ؟ .
القضية الثالثة هي في تعارض دور الهيئة الذي اتخذته مع أدوار وسياسات وتشريعات العديد من أجهزة الدولة الأخرى ، الأمر الذي جعل الهيئة منفذا سهلا لكثير من المغرضين ، الذي ركبو موجة أنظمة الهيئة ليتجاوزو أنظمة الجهات الرسمية الأخرى . ومثال ذلك ما تقوم به الهيئة من منح لتراخيص تجارية لممارسة أنشطة الاستشارات والأعمال المهنية لجهات استشارية ومهنية أجنبية تحت مسمى أنشطة الخدمات ، متجاوزة الأنظمة التي تفرض على الاستشاري الأجنبي مشاركة استشاري وطنبي بنسبة لا تقل عن 25 % ، ناهيك عن الحصول على الترخيص الملائم من الهيئات المهنية العاملة في المملكة. وأصبحنا نرى العديد من الكيانات الاستشارية الأجنبية ترتع في سوق العمل الاستشاري في المملكة دون حسيب ولا رقيب ، وتزاحم الاستشاري المحلي المسكين في سوق لا يعترف به وبقدراته في الأساس . والمثال الآخر هو في تجاوز الهيئة لأنظمة وزارة العمل وآليات الاستقدام ، بما يشكل ظلما فادحا للمستثمر المحلي الذي يعاني الأمرين في الحصول على متطلباته من تأشيرات العمل وفق أنظمة وزارة العمل ، في الوقت الذي تتمتع فيه الكيانات الأجنبية المرخصة من هيئة الاستثمار بامتيازات خاصة فيما يتعلق بالاستقدام ، وتحصل على ما ترغب فيه من تأشيرات . هل يعقل في بلدنا أن يلجأ المستثمر المحلي إلى مشاركة جهة أجنبية ليجد مهربا للحصول على تلك الامتيازات التي تمنحها هيئة الاستثمارات للشركات الأجنبية ؟ .
كثيرة هي القضايا التي أود طرحها ، والتي لا يتسع لها هذا المجال . ولكنني أعرج في الختام على قضية المدن الاقتصادية . وأقول هنا ، يجب أن تعي الهيئة أن التنمية لا يمكن أن تستند إلى جانب واحد دون اعتبار بقية الجوانب ، وبناء أي مدينة كانت لا يمكن أن يكون قائما على أهداف وبرامج عقارية بحتة ، وبرنامج المدن الاقتصادية الذي أطلقته الهيئة لا يمكن أن يجد النجاح المأمول إن لم تتبن الهيئة برنامجا للتنمية المتوازنة فيها ، يكون أساسه بناء محركات تنموية اقتصادية جاذبة للتوطين ، ويكون العنصر العقاري أحد جوانبه وليس جانبه الأوحد . إن ما تشهده المدن الاقتصادية من تعثر وتأخير في تنفيذ برنامجها يرجع في الأساس لإغفالها العنصر البشري في التنمية ، واتباعها نموذجا أثبت فشله في الكثير من دول العالم ، بما فيها بعض الإمارات والمدن القريبة من المملكة ، وأصبح يعاني الأمرين في أول سقطة أوقعتها فيها الأزمة المالية العالمية . فهل من معتبر ؟ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق