بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

هيئة الاستثمار - مناقشة مع مسئول


نشرت إحدى الصحف المحلية قبل حوالي أسبوعين تصريحا مطولا لسعادة المهندس علي شنيمر ، الرئيس التنفيذي لخدمات المستثمرين بالهيئة العامة للاستثمار . عرفت الأخ علي ، وآمل أن يسمح لي أن أدعوه بهذا المسمى ، قبل انضمامه لهيئة الاستثمار ، وهو رجل محنك اعتركته حياة العمل في القطاع الخاص قبل أن ينضم للقطاع الحكومي . وهو بذلك أصبح جامعا لمعرفة عميقة بدواخل وواقع وثقافة القطاعين ، بما يمكنه من أن يعمل من موقعه على جسر الهوة بينهما . وحيث أنني وجدت أن هذا التصريح أتى في معرض الرد على ما أوردته في مقالي الذي نشر في صحيفة الاقتصادية قبل حوالي الشهر ، وعلى مجمل ما يطرحه الإخوة كتاب الرأي حول واقع الهيئة ، فقد رأيت أنه من المناسب أن أخصص هذا المقال لمناقشة ما جاء في ذلك التصريح ، آملا من واقع معرفتي بالأخ علي أن يتسع صدره لهذه المناقشة الموضوعية لما جاء في تصريحه ، انطلاقا من وحدة الهدف وموضوعية الطرح التي أرفع رايتها في كل مشاركاتي المتواضعة .
قال المهندس علي في ذلك التصريح أن الهيئة العامة للاستثمار لا تصدر حاليا أية تراخيص للمقيمين في المملكة ، في تصحيح لما كانت تقوم به الهيئة في بداية عهدها ، انطلاقا من رؤيتها في ذلك الحين في تصحيح أوضاع المستثمرين الأجانب في المملكة الذي كانو يعملون تحت مظلة التستر . وقال أن الهيئة قامت مؤخرا بتصحيح هذا التوجه من خلال حصر منح التراخيص للأشخاص الاعتباريين الذين يقدمون إلى المملكة بغرض الاستثمار . وأقول للأخ المهندس علي أن هذا التوجه بالرغم من كونه توجها محمودا في تصحيح وضع جر على المملكة الكثير من المشاكل ، إلا أنه أتى متأخرا بعض الشيء ، بالنظر إلى حجم المشاكل التي خلقتها الآلية السابقة في نوعية الاستثمارات التي رخصتها الهيئة في تلك الفترة المنقضية ، والواقع الأليم الذي أحدثته في تركيبة المناخ الاقتصادي والاستثماري في المملكة . كما أن هذا التصحيح لا يبدو أنه أتى مدعوما بآليات التطبيق المناسبة ، بما يمنع ما نعيشه من مشاهدات لممارسات تلتف على هذه الاشتراطات الجديدة ، إذ أصبح الإخوة المقيمون يأتون إلى الهيئة بعد أن يعودو إلى بلدانهم لتكوين تلك الكيانات الاعتبارية التي تشترطها الهيئة ، وبعد أن يقومو باستكمال "تستيف" الوثائق والمستندات المطلوبة ، بما في ذلك قرائن الملاءة المالية والميزانيات السنوية ودراسات الجدوى وغير ذلك . وأجزم أن المهنس علي يعلم مدى السهولة التي يمكن بها لأي شخص أن يكمل بها ملفه لطلب الترخيص عبر تزييف الحقائق والمستدات ، خاصة وأن الهيئة لا يمكن لها أن تقوم ، حتى لو أرادت ، بالتأكد من صحة تلك المستندات والوثائق ، أو معاينة واقع تلك الكيانات الاعتبارية في بلدانها ، والتأكد مما إذا كانت كيانات حقيقية أم وهمية . كما أن هذا التصحيح لم يعالج جانب النقد في نوعية تلك الاستثمارات وما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني ، وما إذا كانت استثمارات اقتصادية ذات قيمة مضافة حقيقية ، أم استثمارات خدمية متدنية كل همها شفط موارد المواطنين وتهجيرها إلى الخارج . فما الجديد في أن يقوم عامل أو مهندس في شركة مقاولات بالسفر إلى بلده لتسجيل مؤسسة مقاولات ثم التقدم بها إلى الهيئة للحصول على ترخيص لذات النشاط في المملكة ؟ . النشاط أخي علي هو محل الاعتراض وليس آلية التسجيل أو خبرة الكيان أو الوثائق التي يحملها والتي يمكن التلاعب بها بكل سهولة ويسر . وقد كان الأجدر بالهيئة أن تضع رؤية محددة لمجالات الاستثمار التي يمكن أن تحقق إضافات حقيقية للاقتصاد الوطني ، لتكون مرجعا لقبول تلك الأنشطة قبل ترخيصها .
ذكر المهندس علي في تصريحه ايضا أن المستمرين الأجانب لا يحجبون الفرص أمام المستثمرين السعوديين ، مشيرا إلى عدد تراخيص الاستثمار الأجنبي لا تمثل إلا أقل من 1% من إجمالي عدد السجلات التجارية  في المملكة . ويعلم المهندس علي أن عدد السجلات التجارية الذي أشار إليه لا يعكس واقع النشاط التجاري في المملكة ، إذ أن كثيرا من هذه السجلات هي سجلات شكلية غير عاملة ، وكثير منها مملوك لذات الأشخاص . فكم منا يعلم شخصا أو تاجرا يحمل عددا من السجلات التجارية الرئيسية أو الفرعية ؟ . وبذلك ، تكون النسبة التي أشار إليها الأخ علي غير دقيقة ، والواقع يبرز مقدار المنافسة التي يعاني منها المستثمرون السعوديون تجاه الأنشطة الاستثمارية الأجنبية ، خاصة وأن كثيرا من تلك الاستثمارات تعمل في مجالات كانت دوما حكرا على السعوديين ، وأصبح المستثمرون الأجانب ينافسونهم فيها . وخاصة وأن هذه المنافسة لا تتسم بالعدل في ظل ما يتمتع به المستمرون الأجانب من تسهيلات تقدمها مراكز الخدمة الشاملة في الهيئة ، في الوقت الذي يعاني فيه المستثمرون السعوديون الأمرين في إنهاء إجراءات أعمالهم في أروقة الأجهزة الحكومية المختلفة . والمهندس علي عبر في تصريحه عن أمنيته بأن تقوم مراكز الخدمة الشاملة بخدمة المستثمرين السعوديين والأجانب بحد سواء ، إلا أنه علل عدم حصول ذلك بقصور إمكانات تلك المراكز وطاقتها الاستيعابية . وهذا لعمري عذر أقبح من ذنب ، واعتراف مبطن بوضع المستثمرين الأجانب موضع الأولوية على المستثمرين السعوديين .
لا أريد أن أحصر النقاش في كل ما ورد في ذلك التصريح ، فالقضية التي أطرحها ويطرحها زملائي الكتاب أكبر مما ورد فيه . القضية أخي علي هي في أن الهيئة العامة للاستثمار رفعت راية مهمة واحدة من بين العديد من المهام التي حملها إياها نظامها ، وأصبح جل تركيزها على إدارة قضايا الاستثمار الأجنبي ، والغوص في تفاصيل الإجراءات والآليات المتعلقة بهذا الجانب ، مغفلة المهمة الأسمى المتمثلة في تحسين مناخ الاستثمار في المملكة بشكل مجمل ، ومعالجة المشاكل والعقبات التي تواجه المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء . وأكرر هنا ما ذكرته في مقالي السابق ، فقد كان الأجدر بهيئة الاستثمار أن تعمل على صياغة رؤية شاملة وخطة طموحة للنهوض بهذا القطاع الحيوي ، ورعاية الاستثمارات المحلية قبل استقطاب الخارجية منها ، والعمل على تذليل تلك العقبات وحل تلك المشكلات ، بما يؤسس بالمجمل مناخا جاذبا للاستثمار ، تكون ثمرته توطين وتنمية الاستثمارات المحلية من جهة ، وتكون نتيجته بالضرورة استقطاب الاستثمارات الخارجية التي تترقبها الهيئة . إذ أن البيئة الاستثمارية التي لا تستطيع استقطاب أهلها ومواطنيها بالدرجة الأولى لا يمكن لها أن تكون جاذبة لغيرهم من الأوطان الأخرى . والحقيقة أنني أجدني أتفق مع الأخ علي في جانب مهم أستشفه بين سطور تصريحه ، فموقع الهيئة الحالي المنعزل عن بقية أجهزة الدولة يجعلها غير قادرة على التعاطي مع قضايا القطاع بما يستحقه من شمولية ، ودورها المأمول يصطدم بأدوار العديد من الأجهزة الحكومية الأخرى . وقد يكون الحل لهذه المشكلة عبر تأسيس علاقة فاعلة بين الهيئة والمجلس الاقتصادي الأعلى ، تكون الهيئة من خلالها ذراعا تنفيذيا للمجلس ، لتقوم بالعمل على تنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي يضعها المجلس ، وتتسلح بالصلاحيات والإمكانات اللازمة لتفعيل دورها في رعاية هذا القطاع .

أختم هذه المناقشة بتذكير الأخ علي والإخوة القراء بقضيتين هامتين تطرقت إليهما في مقالي السابق . الأولى قضية تعارض دور الهيئة الذي اتخذته مع أدوار وسياسات وتشريعات العديد من أجهزة الدولة الأخرى ، الأمر الذي جعل الهيئة منفذا سهلا لكثير من المغرضين ، الذي ركبو موجة أنظمة الهيئة ليتجاوزو أنظمة الجهات الرسمية الأخرى . وكنت قد أوردت في مقالي السابق أمثلة عديدة لهذا الواقع ، بما في ذلك تراخيص الأنشطة الاستشارية التي تمنحها الهيئة ، وامتيازات الاستقدام التي تتمتع بها الكيانات الأجنبية . والقضية الثانية هي قضية المدن الاقتصادية التي يجري تطويرها بمفهوم عقاري بحت ، والذي قلت فيها أن برنامج المدن الاقتصادية الذي أطلقته الهيئة لا يمكن أن يجد النجاح المأمول إن لم تتبن الهيئة برنامجا للتنمية المتوازنة فيها ، يكون أساسه بناء محركات تنموية اقتصادية جاذبة للتوطين ، ويكون العنصر العقاري أحد جوانبه وليس جانبه الأوحد . فهل للهيئة أن تسوق لنا تفسيرا لما يعيشه هذا المشروع من تعثر ؟ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق