وقعت الكارثة ، وانتهت الكارثة ، وبدأت الذاكرة السعودية تنشغل بأمور أخرى تدفع أحزان حادث مدرسة الهنداوية إلى أعماق سحيقة من النسيان ، وسيعود كل شيء إلى ماكان عليه ، وسيبقى الطلاب والطالبات يرتادون مدارسهم المستأجرة والمتهالكة ، في انتظار كارثة أخرى توقظ هذا الشعور بالأسى والقهر ، والإحساس بفقدان قيمة هذا الإنسان في أنظار المسئولين والأنظمة . قد يتهمني البعض بالنظر إلى الواقع والمستقبل نظرة تشاؤمية سلبية ، وبفقدان الثقة في قدرة المسئولين على تدارك هذا الخطر المحدق . ولكنني في الواقع أردت أن أسجل في هذا المقام مجموعة من الحقائق والرؤى التي تصب في إطار تحديد المسئول عن مثل هذه الكارثة ، والتي تجعل من مثل هذه النظرة التشاؤمية أمرا محتوما . ولست أتمنى أكثر من أن يدق هذا العرض ناقوس خطر بين ، ليس على أرواح أبنائنا وبناتنا فحسب ، بل على الوطن كله ، بشعبه وأرضه واقتصاده وكل معطياته .
إن إلقاء المسئولية في هذا الحادث على الرئيس العام لرعاية البنات ، أو الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو غيرهما من المسئولين صغارا كانو أم كبارا ، لهو أمر سطحي خارج عن الواقعية التي تتطلبها النظرة الشمولية في مثل هذا الموقف . إن هذا الحادث لم يكن ناتجا عن مجرد إهمال مباشر أو غير مباشر من أي من هؤلاء المسئولين ، بل إن المسئولية تقع على المناخ العام الذي يسمح بحدوث مثل هذا الإهمال ، والخلل الذي يطبع نظرة المجتمع إلى مختلف أمور الحياة ، والنظم والقوانين التي تؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بروز ممارسات وتطبيقات تسهم في تغذية مثل هذا المناخ غير المهني . ولن أتطرق في هذا المقام إلى الخوض في السلبيات والظواهر ذات الصبغة الاجتماعية ، حيث أن تركيزي سينصب بشكل رئيسي على النقاط التي تحمل وجه علاقة بشئون العمران والتطوير والبناء ، بحكم التخصص . ولكني أرى أنه من الضرورة بمكان الإشارة إلى أن على رأس هذه النقاط ما يعانيه المجتمع من تكريس النظرة الدونية للمرأة ، والمبالغة في حجبها عن أعين الرجال ، ليس إلى الحد الذي عطل دور المرأة كعنصر منتج في المجتمع وحسب ، بل إلى الحد الذي أصبحت فيه حياة المرأة رخيصة وهينة في مقابل تعرضها لخطر الموت حرقا أو دهسا كي لا تنال منها أعين الرجال المشغولة أصلا بهول الموقف والكارثة . ولكن تلك النظرة التي تعامل المرأة على أنها مصدر لفتنة الرجال وإثارة غرائزهم وحسب ، تحت كافة الظروف وفي مختلف الأحوال ، لهي نظرة تقصر عن مكانة المرأة الحقيقية في المجتمع ، وتتعارض مع تقدير الدين الإسلامي لها ولكيانها ولكرامتها ، علاوة على أنها نظرة تحقر عزائم الرجال وأفكارهم ، وتجعلها بافتراض مسبق منحصرة في العيش طلبا لفتنة المرأة .
وعلى أية حال ، فإن ما أود التركيز عليه هنا يتعلق بالظروف والقوانين والنظم التي تتعلق بالعمل المهني والهندسي في الإدارات الحكومية بشكل عام ، وفي الجهات التعليمية بشكل خاص ، بالنظر إلى علاقتها المباشرة بمعاناة الطلاب والطالبات في كافة أرجاء المملكة دون استثناء ، حيث لم تنج من هذه المعاناة أي مدينة من مدن المملكة ، بما فيها الرياض العاصمة الغراء ، التي تضم كمثيلاتها من مدن وقرى المملكة ، أعدادا هائلة من المدارس المستأجرة ، التي جعلت من المملكة الدولة الوحيدة في العالم التي تعاني من هذه الظاهرة المستشرية . والعجيب في الأمر أن معاناة الطلاب والطالبات المستمرة لا تنحصر في المباني المستأجرة وحسب ، بل تتعداها إلى المباني المدرسية التي يتم إنجازها تحت إشراف وزارة المعارف والرئاسة العامة لتعليم البنات . ولست هنا بصدد التقليل من حجم العمل الهائل الذي يؤديه باقتدار القائمون على إدارات المشاريع في هاتين الجهتين ، ولكن النظم القائمة تحدد أطر عمل هذه الإدارات وتفقده الفعالية المطلوبة .
أشير هنا في وجه الخصوص إلى جدوى تطبيق نظام المناقصات وأقل الأسعار لتكليف الاستشاريين ومقاولي التنفيذ بأعمال تطوير المباني المدرسية ، حيث أن هذا النظام يعتمد على أقل الأسعار كمعيار لاختيار المقاول الذي يتم تكليفه بالعمل ، عوضا عن القدرة والكفاءة الفنية لهذا المقاول . وتكمن الخطورة في هذا الأسلوب في أنه يدفع إلى تقليل مستوى جودة العمل لتحقيق أسعار منخفضة ومنافسة للفوز بتلك العقود ، وذلك على حساب جودة العمل المنفذ ، أو على حساب التزام المقاول ببنود التعاقد ، والتأخير المخل الذي يقع فيه تنفيذ المشروعات في كثير من الأحيان . إن نظام أقل الأسعار يمكن تطبيقه بفعالية في حال تساوي وتكافؤ العمل موضوع التنافس ، مثل عمليات التوريد أو ما شابه ذلك . ولكن أعمال البناء والتطوير ، وبقية الأعمال الفنية المختلفة ، التي تعتمد على القدرات البشرية ، تتطلب أسلوبا مختلفا في التنافس ، أسلوبا يمزج بفعالية بين التقييم المالي والتقييم الفني لعروض المتنافسين وقدراتهم وخبراتهم المؤهلة لتنفيذ العمل . ومن المعلوم أن أسلوب التنافس وفق أقل الأسعار هو الأسلوب السائد بشكل عام في كافة القطاعات الحكومية ، والأكثر من ذلك ، أنه شكل نمطا عاما من التطبيق العملي استشرى حتى في أوساط القطاع الخاص وصغار المستثمرين ، الذي أصبحو يبحثون عن أقل الأسعار لتنفيذ المشروعات ، دون أي اعتبار لنوعية العمل المنجز ، وفي ظل غياب كامل للرقابة الفنية من الجهات البلدية . وتكتمل بذلك حلقة الحصار على كافة أفراد الشعب ، سواء كانو في مدارس مملوكة ، أو مستأجرة ، أو مبان حكومية ، أو سكنية ، أو غير ذلك من المباني . إن هذا الأمر يتطلب وقفة حاسمة من كافة قطاعات الدولة لقيادة خطة تطويرية شاملة في هذا المجال ، وبشكل يجعل من الكفاءة الفنية لمنفذ العمل عنصرا أساسيا في عمليات التقييم والترسية للمشروعات ذات الصبغة الفنية بشكل عام ، ومشروعات الإنشاءات بشكل خاص .
ومن جهة أخرى ، فإن من الملاحظ أن مجمل القطاعات الحكومية تضم إدارات هندسية للمشروعات ضمن إداراتها العديدة . وفي أغلب الأحيان ، وخاصة في حالات القطاعات التي تتناول المباني المدرسية ، فإن الأعمال الهندسية يتم إنجازها من قبل منسوبي هذه الإدارات ، في ظل استناد هذه الإدارات إلى مبررات نقص بنود الأعمال الاستشارية في اعتمادات وزارة المالية . ولا يخفى أثر هذا التطبيق على تدهور مستوى العمل الهندسي بشكل عام ، ومنع الاستفادة من القدرات الإبداعية للاستشاريين المتخصصين ، علاوة على حجم التكرار في الهياكل الإدارية ، والذي يحمل ميزانية الدولة أرقاما فلكية للصرف على هذه الإدارات المشبعة بالموظفين ، والذين يتحولون بمرور الوقت إلى موظفين بيروقراطيين ، يغرقون في المعاملات الإدارية والورقية غرقا يحجب أي قدرات هندسية أو فنية خلاقة ويمنع بروزها وتطورها . ومن المعلوم أن هذا الأمر ليس حكرا على وزارة المعارف ورئاسة تعليم البنات وحسب ، بل إن معظم القطاعات الحكومية تعاني من ذات المشكلة ، في ظل غياب واضح لتعاون منتج وبناء مع القطاع الاستشاري الهندسي ، أو حتى مع وزارة الأشغال العامة والإسكان التي يفترض أن تلعب دورا رئيسيا في هذا المجال .
وفي إطار حديثنا عن الازدواجية والتكرار في إدارات القطاعات الحكومية ، وما تتحمله خزينة الدولة من مبالغ طائلة نتيجة لهذا الوضع ، وفي ختام هذا الطرح المتواضع ، فإن إثارة سؤال هام ومحير تبدر إلى الذهن ، ومن منظور اقتصادي وعملي بحت ، ألا وهو : ما جدوى الفصل الإداري القائم بين قطاعات التعليم المختلفة ، والمتمثلة في وزارة المعارف ووزارة التعليم العالي والرئاسة العامة لتعليم البنات ، وهل حان الوقت لبحث جدوى دمج هذه القطاعات في قطاع واحد ؟ . سؤال يستحق البحث والنقاش ، وعسى أن يجد هذا السؤال من يتولى الإجابة عنه بشكل مقنع ، أو بشكل عملي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق