بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

صندوق العقار .. وهم الانتظار


لا أدري كم سيحشد مقالي هذا من الأصوات المعارضة ، ولكنني أستطيع أن أتخيل نوعية التعليقات الساخرة والساخطة التي سيستثيرها من الإخوة القراء . وبالرغم من ذلك ، قررت أن أمارس حرية الرأي باقتدار ، وأن أضع في عدد من المقالات المتتابعة مجموعة من الآراء التي ستتناول في مجملها رؤية تسعى إلى تقييم مسببات مشكلة الإسكان التي تعيشها المملكة ، ولفت النظر إلى توجهات مختلفة في التفكير يمكن أن تقود إلى الحل الذي طال انتظاره . والحل هنا لن يخلق بعصا سحرية ، ولن يتأتى بدون تضافر جهود كل من يمسهم هذا الهم ، حتى لو نسو أو تناسو مسئولياتهم تجاهه .
أبدأ هذه السلسلة بالحديث عن صندوق التنمية العقاري ، هذا الكيان الذي لعب دورا مؤثرا في مرحلة من مراحل التنمية في المملكة منذ تأسيسه في العام 1394 هـ . وأقول أن هذا الدور كان بالفعل مؤثرا بكلا جانبي التأثير الإيجابي والسلبي ، ففي الجانب الإيجابي قام الصندوق بتمويل بناء عدد كبير من المساكن منذ تأسيسه ، ولمن رغب أن يعرف هذا العدد على وجه الدقة أن يرجع إلى أرقام إحصاءات الصندوق . وفي المقابل ، فإن الجانب السلبي يحمل كثيرا من النقاط التي أخشى أن تجعل هذا الجانب يطغى في مخيلة القاريء الكريم على الجانب الإيجابي . وسأتجاوز الحديث عن مشكلات الواقع الحالي سواء من جهة قيمة القرض المتدنية ، أو من جهة مدة الانتظار الطويلة التي قد تبلغ 40 عاما بحسب حجم قوائم الانتظار الحالية ومعدلات منح القروض السنوية ، فأقول أن أول هذه النقاط هي ما قام به الصندوق من ترسيخ لثقافة التطوير الفردي للمساكن في المملكة ، وهو واقع مرير انعكس بآثار سلبية كثيرة على اقتصاديات البناء وجودة المباني والأحياء ، وأدى إلى هدر كبير في الوقت والجهد ، ناهيك عن هدر الأموال والموارد ، وخلق عقبات كبيرة في طريق تطوير صناعة بناء المساكن والتمويل العقاري . وثاني هذه النقاط هي في ترسيخ ثقافة الاعتماد المطلق على الدولة لحل مشكلات المواطن ، وأصبح المواطن ينتظر من الدولة أن توفر له أرضا وقرضا ووظيفة وربما زوجة أيضا ، في اتكالية مخلة عقيمة أفقدت المواطن روح المبادرة وأوقعته في فخ الاستسلام والاستكانة إلى أن يأتي الفرج . ثالث النقاط السلبية هي الجمود الذي يعيشه الصندوق منذ تأسيسه ، إذ أنه لازال حتى الآن ، ورغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على تأسيسه ، يمارس نفس الإجراءات ، ويطبق ذات الآليات والشروط ، غافلا عن أن الزمن قد سبقه ، وأرقام الطلب المتراكمة على المساكن تجاوزت قدراته . والنقطة الرابعة هي ما أدى إليه نظام الصندوق من زيادة في الطلب على  الأراضي التي تشكل عنصر الانطلاق الأساس لمعاملة تسجيل طلب القرض ، الأمر الذي أدى إلى زيادة أسعار الأراضي التي أصبحت في بلدنا سلعة تجارية ومادة للبيع والشراء والمضاربة والتربح والاحتكار ، وأسوأ ما أنتجه الصندوق في هذا الإطار ما نشهده من تداول مزيف لقطع الأراضي ، ليس بغرض البناء عليها ، وإنما بغرض التسجيل في قائمة الانتظار الطويلة في الصندوق ، وأصبحت قطعة الأرض الواحدة تباع مرات ومرات في دورات غير منتجة ومهدرة للأموال والطاقات . سأكتفي هنا بهذا القدر من تعداد الجوانب السلبية لدور الصندوق ، ولو أن في ذهني غيرها الكثير ، الذي ربما يعلمه ويراه القاريء الكريم .
لقد حان الوقت ، بل تأخر بالفعل ، إلى مبادرة جادة لمراجعة نظام صندوق التنمية العقاري . ولن أضم صوتي لأصوات من يدعون إلى زيادة قيمة قرض الصندوق استجابة لزيادة تكاليف البناء ، بل إنني أدعو إلى تطوير شامل لنظام الصندوق ، يكون مرتكزه الأساسي التحول من تمويل الأفراد إلى تمويل المطورين . وأجيب على تساؤلات المستنكرين لهذه الدعوة قائلا ، إنني أعلم أن هذا الأمر غير قابل للتطبيق بشكل فوري ، حيث أن واقع سوق العقار يشهد غياب مثل هولاء المطورين المحترفين المتخصصين ، وهو ما يتطلب معالجة عدد من الجوانب الأخرى التي سأتناولها بالحديث في مقالات قادمة من هذه السلسلة . كما أن هذا التوجه يتطلب تغييرا في التشريعات المنظمة لعمل الصندوق ، ليتمكن من استثمار موارده وتنميتها ، وممارسة سياسات استثمارية تمويلية تتجاوز الإقراض المباشر إلى المشاركة في الاستثمار والبناء ، مذكرا بأن رأس مال الصندوق ، الذي تجاوز على حد علمي 82 مليار ريال ، يساوي أكثر من 10 أضعاف مجموع رؤوس أموال شركات التمويل العقاري التي تم تأسيسها في المملكة خلال السنوات القليلة الماضية ، وتقدم في كل سنة تمويلا يتجاوز حجم التمويل الذي يقدمه الصندوق . فهل من معتبر ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق