بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

أراضي المنح وقضية الإسكان


معرض الرياض للعقارات أتى في وقت ملائم جدا ، ليس للتأثير في واقع الركود الذي يعيشه سوق العقار في الوقت الراهن وحسب ، بل ليكون مصدرا لعدد من الأفكار لموضوعات هذا المقال الأسبوعي . الملتقى المصاحب للمعرض كان بحق من أفضل المحافل التي شهدتها من ناحية جدية وجودة المحتوى وشفافية وجرأة الطرح والمناقشة ، بالرغم من الحضور المخجل لجلسات الملتقى ، والذي يرجع فيما يبدو لانشغال أهل السوق بأحداث المعرض من جهة ، وفئات الحضور من العامة الذين لا يهمهم مثل هذا الحوار من جهة أخرى . أختص القاريء الكريم في هذه الحلقة من سلسلة المقالات التي بدأتها الأسبوع الماضي حول قضية الإسكان في المملكة بالحديث عن أراضي المنح ، انطلاقا من العرض الذي قدمه سعادة مدير عام إدارة المنح في وزارة الشئون البلدية والقروية ضمن فقرات الملتقى ، والذي قدم للحضور الكثير من المعلومات حول أراضي المنح ، أقدم للقاريء الكريم هنا بعض المناقشة حولها .
قدم برنامج منح الأراضي الذي تديره وزارة الشئون البلدية والقروية عددا كبيرا من قطع الأراضي بحسب الأرقام التي أوردها المحاضر الكريم . وعلى سبيل المثال ، فإن عدد قطع أراضي المنح التي قدمها البرنامج في مدينة الرياض بلغ حوالي المليوني قطعة أرض ، ويعادل هذا الرقم حوالي ثلاثة أمثال احتياج مدينة الرياض من قطع الأراضي لتلبية حاجة سكان المدينة في مجال الإسكان . وبالرغم من الدور الكبير الذي لعبته الوزارة طيلة الفترة الماضية في هذا المجال ، إلا أن هذه الجهود لم تؤت ثمارها في حل مشكلة الإسكان لا في مدينة الرياض ولا في غيرها من مدن المملكة . فهذه الأراضي تقع في الغالب في مناطق بعيدة عن البنية العمرانية للمدينة ، وتفتقر إلى الخدمات التي تؤهلها للتطوير والبناء ، وغدت بذلك سلعة تجارية للتداول والكسب السريع ، وبقيت المشكلة تراوح مكانها بفقد عنصر الأرض ، الذي يمثل أحد أهم أركان الحل ، ناهيك عن مساهمة هذا النمط من التداول في تضخم أسعار الأراضي نتيجة لشيوع ثقافة المضاربة والتداول والتربح السريع . الظريف ما ذكره المحاضر الكريم من ممارسات اعتادت أن تحدث تحت سمع وبصر الوزارة دون أن تحرك ساكنا حيالها ، حيث اشار إلى قيام شريطية العقار باستقطاب صغار السن من الحاصلين على منح الأراضي في كتابات العدل ، وإغرائهم بالنقد السريع لبيع قطع الأراضي التي حصلو عليها ، خاصة بعد أن يفاجئهم موقع الأرض النائي ، وافتقارها حتى للتمهيد والتسوية ، ناهيك عن بقية الخدمات الأساسية .
تطرق المحاضر الكريم أيضا إلى لائحة التصرف في العقارات البلدية ، الذي تم إقرارها في وقت سابق ، بهدف إشراك القطاع الخاص في عملية تطوير الأراضي ، عبر منح المطورين ما لا يزيد عن 20% من مساحة الأراضي المملوكة للبلديات والمتاحة للقطاع الخاص للتطوير . وبطبيعة الحال ، فإن هذه اللائحة كان مكتوبا لها الفشل منذ إصدارها ، إذ أنه من غير المعقول أن يتم توحيد نسبة العائد للمطور مهما اختلف موقع ومساحة الأرض موضوع التطوير ، إذ أن عائد التطوير لأرض تقع في مدينة الرياض يختلف عنه لأرض تقع في مدينة الزلفي على سبيل المثال . المشكلة الأعمق هي في أن هذه اللائحة تهدف في أساسها إلى حصول الدولة على النسبة العظمى من عائد تطوير الأراضي البلدية في شكل قطع أراض مطورة ، يمكن بعد ذلك للبلديات توزيعها للمواطنين وفق برنامج المنح ، وهو ما يرسخ أصل المشكلة الذي غفلت عنه حتى الآن كل جهود ومبادرات الحل . تلك المشكلة هي في النمط الذي رسخه برنامج منح الأراضي ، إلى جانب برنامج قروض صندوق التنمية العقاري ، في بناء المساكن عبر التطوير الفردي ، مع كل ما يحمله هذا النمط من هدر في الوقت والجهد والمال والجودة ، ومع كل ما نشهده من تهالك وتدهور في البنية العمرانية للمدن السعودية نتيجة انتشار هذا النمط في البناء والتطوير للمساكن .
الجانب الإيجابي فيما أورده المحاضر الكريم تضمن تأكيدا لما أشارت إليه قرارات مجلس الوزراء الموقر في الآونة الأخيرة ، والتي تربط برنامج منح الأراضي بتوفير المساكن للمواطنين ، الأمر الذي يشير إلى توقف برنامج المنح بشكله القديم ، والسعي إلى وضع برامج فعالة لتحقيق هذا الهدف . المشكلة في رأيي المتواضع هي في أن تلك القرارات لم تتضمن الآليات اللازمة لتحقيق هذا الهدف السامي ، خاصة وأن تلك الآليات تتنازعها اختصاصات وصلاحيات عدد من الجهات والهيئات الحكومية ، بما فيها وزارة الشئون البلدية والقروية ، والهيئة العامة للإسكان ، ووزارة المالية ، وعدد من الجهات الأخرى . وفي رأيي فإن هناك حاجة ملحة إلى دراسة هذا الموضوع بشكل شمولي ، لتأسيس آليات مناسبة وعملية لتحقيق هذا الهدف ، عبر تنسيق فعال ومزاوجة حقيقية لكافة جهود الدولة المتناثرة ، تشمل توظيف الأراضي التي يمكن أن توفرها الدولة عبر المؤسسات البلدية ، وتوجيه موارد صندوق التنمية العقارية لتمويل عمليات التطوير والبناء عوضا عن تمويل الأفراد ، وتفعيل جهود البحث والتطوير للتوصل إلى حلول هندسية وفنية مبدعة لتحقيق فكرة التيسيير في المسكن ورفع كفاءة عملية البناء ، وغير ذلك من الجوانب التي ترتبط ارتباطا وثيقا بهذه المشكلة . وعلاوة على ذلك ، فإنه من الضروري أن تصل أجهزة الدولة إلى قناعة أكيدة بأن الحل لن يتحقق إلا بمشاركة فاعلة من القطاع الخاص ، ليس عبر لوائح شمولية غير فاعلة ، ولكن عبر شراكة حقيقية متوازنة ، شراكة الند للند ، إذ أنه لا يمكن للدولة أن تحقق جسرا للهوة في الطلب على الإسكان بشكل منفرد ، مهما سخرت من قدرات ، ومهما بذلت من جهود .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق