سمعت في مرة من المرات أحد مشايخنا الأفاضل يتحدث في إحدى حلقات أحد البرامج على إحدى الفضائيات الخليجية يعقد مقارنة بين المجتمع الغربي والمجتمع العربي فيما يتعلق بمفهوم القيادة . وكان مجمل ما قال ، زاده الله علما ، أن المجتمع الغربي بطبعه مجبول على الممارسة الجماعية والمؤسسية ، وبالتالي فهو يجعل حكم المجموعة ورأيها فوق رأي الفرد . بينما المجتمع العربي بطبعه كذلك مجبول على الانقياد وراء الفرد القائد ، وهو في الغالب ينتظر ذلك القائد أو المصلح الفذ لكي يجره إلى الصلاح ، ويقوده إلى النجاح والتفوق . وبرغم قسوة هذا التصنيف ، إلا أنني وجدت نفسي أتفق معه في المجمل ، وأسقطه على واقع مجتمعنا العربي بشكل عام ، ومجتمعنا السعودي بشكل خاص ، خاصة فيما يتعلق بقطاع الأعمال والإدارة المحلية . ووجدت بالنتيجة أننا نعيش واقعا مريرا من الممارسة الفردية في كل مجالات الحياة ، والغياب شبه التام للعمل المؤسسي والفكر الجماعي . وقد يتسع صدر القاريء الكريم لهذه المصارحة الهادفة ، علنا نتمكن من إطلاق مبادرة جادة لتغيير ثقافة العمل الفردي ، وتنمية فكر العمل المؤسسي والجماعي في كافة مناحي الحياة .
أول الإسقاطات تناول قطاع الأعمال في بلادنا ، فكم من كيانات القطاع الخاص العاملة في البلاد هي مملوكة لأفراد يمارسون فيها كل أشكال الخلط بين الإدارة والملكية ، ويخضعونها لكل أشكال العشوائية الإدارية وسوء التخطيط وغياب العمل المنهجي المنظم . وكم من الشركات التي يفترض أنا تعبر عن شكل من أشكال تعدد الملكية تخضع لذات النمط من الإدارة الفردية ، وذات التخبط والعشوائية ، سواء صغرت الشركة أم كبرت ، مساهمة كانت أم محدودة المسئولية . وكم من الإنجازات التي يتم تجييرها ورصدها في سجلات النجاح للأفراد عوضا عن الكيانات . وكم من المرات التي استأثر فيها المدير أو المالك بالرأي والقرار دون إشراك الآخرين في الكيان الذي يديره . وكم من التصريحات الصحفية التي أبرزت مدير الشركة أو رئيس مجلس إدارتها دون أي ذكر لكل من فيها من عاملين . أطرف الأمثلة رأيته في إحدى كبريات الشركات التي صنفت على أنها إحدى أكبر مائة شركة في المملكة ، ووجدت أن رئيس مجلس إدارتها يقوم بالإشراف المباشر على مصروفات الشركة وتوقيع كافة الشيكات والفصل والتوظيف حتى على مستوى عمال النظافة والخدمات . المشكلة في تقييمي هي في فقدان التأهيل والقدرة على الاعتراف بالقصور ، ولم لا ، وهو من نسميه دائما " صاحب الحلال " .
وليس القطاع الحكومي بأفضل من سابقه ، فالوزير والمدير والغفير هم محور الاهتمام والتركيز والصلاحيات والمسئوليات والتصريحات والأضواء والتخطيط والتنفيذ والتشريع والمراقبة والمحاسبة والعفو والاستثناء و و و و . الواوات الأخيرة لها مدلولاتها من واسطة وولاء وغير ذلك من الممارسات التي يرسخها مناخ الممارسة الفردية . وفي المحصلة ، فإن سياسة الوزارة تتغير تغيرا جذريا لحد الانعكاس عند تغيير الوزير . كما أن سياسة هذه الوزارة وتلك الوزارة تتصادمان تصادما يسقط على إثره كثير من الضحايا ممن تتقاطع مصالحهم مع كلتا الوزارتين . وسأسمح لنفسي بسرد مثال آمل ألا يثير حفيظة أحد ، فسياسة وزارة العمل على سبيل المثال ، بالرغم من بنائها على مجموعة من الأهداف والرؤى التي لا يمكن وصفها إلا بأنها وطنية صرفة ، إلا أنها أنتجت آليات تعارضت مع مجمل ظروف التنمية وخططها ، وأصبحت الوزارة كمن يسبح ضد التيار . وأورد مثالا آخر لكي لا يغضب مني معالي وزير العمل ، فوزارة المالية مثلا تقف موقف المعطل الرئيسي لحركة التنمية دون نيتة مبيتة بالطبع ، وذلك في ظل آليات عفا عليها الزمن ، لم تنل حتى الآن حقها من المراجعة والتحديث ، ويجري تطبيقها سواء كنا في عهد الطفرة أو شد الحزام . ومثال آخر أورده تفاديا لغضب معالي وزير المالية ، فوزارة الخدمة المدنية تنظر بعين السواسية إلى كافة المواطنين ، وهي بالتالي تمنحهم الوظائف الجاهزة في قطاعات الدولة ، وتجعلهم في حماية تامة من رب العمل مهما قصرو في أداء أعمالهم ، ومهما تدنت إنتاجيتهم ، ثم يأتي من يلوم قطاعات الدولة على تدني الإنتاجية بالرغم من القصور الواضح في تأهيل الموظفين . ولكي أتفادي غضب بقية الوزراء والمسئولين ، أو ربما لأغضبهم بالسواسية ، أقول أن المشكلة الكبرى هي في غياب أسس العمل المركزي بشكل عام ، وغياب دور فاعل للتخطيط المركزي بشكل يدعو للتساؤل حول جدوى وجود وزارة للتخطيط على أي حال ، خاصة وأن اعتمادات الميزانيات السنوية لا تنسجم مع توجهات خطط التنمية . وبرغم ذلك ، إلا أنني أجد لوزارة التخطيط العذر والتبرير لهذا القصور ، حيث أن موقعها المساوي لبقية الوزارات لا يمنحها السلطة الكافية لأدواء دور قيادي في عملية التخطيط الشامل ، وعلى غرار ذلك ، فإن انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية سيصطدم بتعثر آليات التطبيق داخل إطار الدولة ، في ظل تدني سلطة الجهة المشرفة على هذا التطبيق ، والممثلة في وكالة لوزارة التجارة والصناعة ، مقارنة ببقية سلطات الوزارات الأخرى .
إن المملكة العربية السعودية تعيش في هذه الفترة فرصة ذهبية بحق في ظل الطفرة المالية التي تعيشها ، ورعاية ملك صالح همه الأكبر رخاء الشعب وازدهار الدولة . فرصة ذهبية لتأسيس نموذج للعمل المؤسسي الممنهج الذي يوظف آليات التخطيط بشكل فاعل ، ويرسم أدوار قطاعات الدولة بفرعيها العام والخاص بتكامل دون تعارض ، وبانسجام دون اختلاف ، وبشكل يرسم حدودا واضحة المعالم للسلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية ، فلا نعود نشهد ما نعيشه من تضارب نتيجة قيام الأفراد التنفيذيين بسن القوانين والتشريعات دون تنسيق مع بقية قطاعات الدولة . أقصى ما أتمناه أن أرى قيام هيئة عليا للتخطيط المركزي ترتبط بأعلى سلطات الدولة ، في إعادة لهيئة سبقت وجود وزارة التخطيط في عهد مضى ، وهي الهيئة المركزية للتخطيط التي ظلت تقوم بدور التخطيط المركزي حتى عام 1395 هـ عندما تحولت إلى وزارة للتخطيط . وأجزم أن من شأن هذه الهيئة أن تقوم بالدور المفقود في التخطيط والتنسيق والإشراف على قطاعات الدولة ، ورسم خطط التنمية الاستراتيجية للسنين القادمة ، لكي نحقق توظيفا أمثل للموارد ، ونعيش واقعا نستحقه في هذا البلد المعطاء .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق