بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

المجد للفرد


سمعت في مرة من المرات أحد مشايخنا الأفاضل يتحدث في إحدى حلقات أحد البرامج على إحدى الفضائيات الخليجية يعقد مقارنة بين المجتمع الغربي والمجتمع العربي فيما يتعلق بمفهوم القيادة . وكان مجمل ما قال ، زاده الله علما ، أن المجتمع الغربي بطبعه مجبول على الممارسة الجماعية والمؤسسية ، وبالتالي فهو يجعل حكم المجموعة ورأيها  فوق رأي الفرد . بينما المجتمع العربي بطبعه كذلك مجبول على الانقياد وراء الفرد القائد ، وهو في الغالب ينتظر ذلك القائد أو المصلح الفذ لكي يجره إلى الصلاح ، ويقوده إلى النجاح والتفوق . وبرغم قسوة هذا التصنيف ، إلا أنني وجدت نفسي أتفق معه في المجمل ، وأسقطه على واقع مجتمعنا العربي بشكل عام ، ومجتمعنا السعودي بشكل خاص ، خاصة فيما يتعلق بقطاع الأعمال والإدارة المحلية . ووجدت بالنتيجة أننا نعيش واقعا مريرا من الممارسة الفردية في كل مجالات الحياة ، والغياب شبه التام للعمل المؤسسي والفكر الجماعي . وقد يتسع صدر القاريء الكريم لهذه المصارحة الهادفة ، علنا نتمكن من إطلاق مبادرة جادة لتغيير ثقافة العمل الفردي ، وتنمية فكر العمل المؤسسي والجماعي في كافة مناحي الحياة .

أول الإسقاطات تناول قطاع الأعمال في بلادنا ، فكم من كيانات القطاع الخاص العاملة في البلاد هي مملوكة لأفراد يمارسون فيها كل أشكال الخلط بين الإدارة والملكية ، ويخضعونها لكل أشكال العشوائية الإدارية وسوء التخطيط وغياب العمل المنهجي المنظم . وكم من الشركات التي يفترض أنا تعبر عن شكل من أشكال تعدد الملكية تخضع لذات النمط من الإدارة الفردية ، وذات التخبط والعشوائية ، سواء صغرت الشركة أم كبرت ، مساهمة كانت أم محدودة المسئولية . وكم من الإنجازات التي يتم تجييرها ورصدها في سجلات النجاح للأفراد عوضا عن الكيانات . وكم من المرات التي استأثر فيها المدير أو المالك بالرأي والقرار دون إشراك الآخرين في الكيان الذي يديره . وكم من التصريحات الصحفية التي أبرزت مدير الشركة أو رئيس مجلس إدارتها دون أي ذكر لكل من فيها من عاملين . أطرف الأمثلة رأيته في إحدى كبريات الشركات التي صنفت على أنها إحدى أكبر مائة شركة في المملكة ، ووجدت أن رئيس مجلس إدارتها يقوم بالإشراف المباشر على مصروفات الشركة وتوقيع كافة الشيكات والفصل والتوظيف حتى على مستوى عمال النظافة والخدمات . المشكلة في تقييمي هي في فقدان التأهيل والقدرة على الاعتراف بالقصور ، ولم لا ، وهو من نسميه دائما " صاحب الحلال " .
ي

وليس القطاع الحكومي بأفضل من سابقه ، فالوزير والمدير والغفير هم محور الاهتمام والتركيز والصلاحيات والمسئوليات والتصريحات والأضواء والتخطيط والتنفيذ والتشريع والمراقبة والمحاسبة والعفو والاستثناء و و و و  . الواوات الأخيرة لها مدلولاتها من واسطة وولاء وغير ذلك من الممارسات التي يرسخها مناخ الممارسة الفردية . وفي المحصلة ، فإن سياسة الوزارة تتغير تغيرا جذريا لحد الانعكاس عند تغيير الوزير . كما أن سياسة هذه الوزارة وتلك الوزارة تتصادمان تصادما يسقط على إثره كثير من الضحايا ممن تتقاطع مصالحهم مع كلتا الوزارتين . وسأسمح لنفسي بسرد مثال آمل ألا يثير حفيظة أحد ، فسياسة وزارة العمل على سبيل المثال ، بالرغم من بنائها على مجموعة من الأهداف والرؤى التي لا يمكن وصفها إلا بأنها وطنية صرفة ، إلا أنها أنتجت آليات تعارضت مع مجمل ظروف التنمية وخططها ، وأصبحت الوزارة كمن يسبح ضد التيار . وأورد مثالا آخر لكي لا يغضب مني معالي وزير العمل ، فوزارة المالية مثلا تقف موقف المعطل الرئيسي لحركة التنمية دون نيتة مبيتة بالطبع ، وذلك في ظل آليات عفا عليها الزمن ، لم تنل حتى الآن حقها من المراجعة والتحديث ، ويجري تطبيقها سواء كنا في عهد الطفرة أو شد الحزام . ومثال آخر أورده تفاديا لغضب معالي وزير المالية ، فوزارة الخدمة المدنية تنظر بعين السواسية إلى كافة المواطنين ، وهي بالتالي تمنحهم الوظائف الجاهزة في قطاعات الدولة ، وتجعلهم في حماية تامة من رب العمل مهما قصرو في أداء أعمالهم ، ومهما تدنت إنتاجيتهم ، ثم يأتي من يلوم قطاعات الدولة على تدني الإنتاجية بالرغم من القصور الواضح في تأهيل الموظفين . ولكي أتفادي غضب بقية الوزراء والمسئولين ، أو ربما لأغضبهم بالسواسية ، أقول أن المشكلة الكبرى هي في غياب أسس العمل المركزي بشكل عام ، وغياب دور فاعل للتخطيط المركزي بشكل يدعو للتساؤل حول جدوى وجود وزارة للتخطيط على أي حال ، خاصة وأن اعتمادات الميزانيات السنوية لا تنسجم مع توجهات خطط التنمية . وبرغم ذلك ، إلا أنني أجد لوزارة التخطيط العذر والتبرير لهذا القصور ، حيث أن موقعها المساوي لبقية الوزارات لا يمنحها السلطة الكافية لأدواء دور قيادي في عملية التخطيط الشامل ، وعلى غرار ذلك ، فإن انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية سيصطدم بتعثر آليات التطبيق داخل إطار الدولة ، في ظل تدني سلطة الجهة المشرفة على هذا التطبيق ، والممثلة في وكالة لوزارة التجارة والصناعة ، مقارنة ببقية سلطات الوزارات الأخرى .

إن المملكة العربية السعودية تعيش في هذه الفترة فرصة ذهبية بحق في ظل الطفرة المالية التي تعيشها ، ورعاية ملك صالح همه الأكبر رخاء الشعب وازدهار الدولة . فرصة ذهبية لتأسيس نموذج للعمل المؤسسي الممنهج الذي يوظف آليات التخطيط بشكل فاعل ، ويرسم أدوار قطاعات الدولة بفرعيها العام والخاص بتكامل دون تعارض ، وبانسجام دون اختلاف ، وبشكل يرسم حدودا واضحة المعالم للسلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية ، فلا نعود نشهد ما نعيشه من تضارب نتيجة قيام الأفراد التنفيذيين بسن القوانين والتشريعات دون تنسيق مع بقية قطاعات الدولة . أقصى ما أتمناه أن أرى قيام هيئة عليا للتخطيط المركزي ترتبط بأعلى سلطات الدولة ، في إعادة لهيئة سبقت وجود وزارة التخطيط في عهد مضى ، وهي الهيئة المركزية للتخطيط التي ظلت تقوم بدور التخطيط المركزي حتى عام 1395 هـ عندما تحولت إلى وزارة للتخطيط . وأجزم أن من شأن هذه الهيئة أن تقوم بالدور المفقود في التخطيط والتنسيق والإشراف على قطاعات الدولة ، ورسم خطط التنمية الاستراتيجية للسنين القادمة ، لكي نحقق توظيفا أمثل للموارد ، ونعيش واقعا نستحقه في هذا البلد المعطاء .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق