بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

مدن القلاع والحصون


لست من محبي الجلوس أمام شاشة التلفاز ساعات طويلة لمشاهدة ما تعرضه من برامج غثها وسمينها ، ولست ممن يملكون ترف الوقت بالنظر إلى كم التزامات العمل والحياة والأسرة ، ولكنني أجد نفسي أحيانا منجذبا لبعض البرامج ، إما لتميز المتحدثين فيها ، أو لأهمية الموضوعات التي تستعرضها ، أو لأتابع شيئا من أخبار العالم وشئونه . أحد تلك البرامج التي شدتني قبل فترة قصيرة برنامج حواري على إحدى القنوات الفضائية ، كان ضيفه الكاتب السعودي تركي الحمد . ما شدني في هذا البرنامج ، الذي لم يسمح لي الوقت بإكماله حتى نهايته ، حديث الضيف عن ظاهرة الأسوار في المساكن السعودية ، وكيف أنها تعبر عن حالة من الانغلاق المجتمعي والذهني لدى السعوديين . غادرت مجلس التلفاز لأنجز شيئا من المهام الأسرية المتراكمة ، وظل ذهني يعمل في موضوع الحلقة ، ووجدتني فيما بعد أفرغ خلاصة تلك العاصفة الذهنية في هذا المقال .
وجدتني باديء ذي بدء أبحث عن تاريخ بدء تطبيق نموذج الفيلا السكنية في التركيبة العمرانية للمدن السعودية ، انطلاقا من كونه نموذجا مستحدثا في ثقافة العمران السعودي . فبحسب ما تعلمناه في مناهج الدراسة في تاريخ العمارة التقليدية في المملكة ، فإن المساكن التقليدية في شتى أنحاء المملكة ، شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ، كانت دوما تبنى دون أسوار ، وكانت البنى العمرانية لمدن السعودية بمختلف ثقافاتها بنى عمرانية مترابطة ، تتلاصق بيوتها ومساكنها جنبا إلى جنب ، ويتمتع سكانها بروابط اجتماعية قوية . لم يكن أي من تلك المساكن محاطا بأية أسوار ، بل إن الأسوار كانت سمة خالصة وعنصرا خاصا بالقلاع والحصون وربما بعض القصور لعلية القوم . وبحسب ما وجدته في بحثي من معلومات ، فإن بداية تطبيق نموذج الفيلا السكنية ذات الأسوار كان في أوائل الأحياء السكنية التي شيدتها شركة أرامكو في مدينة الخبرإبان انطلاق أعمالها في التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية . وبعد ذلك ، تبنت الجهات المسئولة عن وضع أنظمة وتشريعات البناء ذلك النموذج ، وعممته على كافة تشريعات بناء المساكن في كافة أنحاء المملكة ، وبغض النظر عن الطبيعة الخاصة لكل مدينة ، سواء كانت في سهل أو على جبل ، أو كانت في صحراء قاحلة أو على واجهة بحرية . والغريب ، أن هذه التنظيمات والتشريعات التي اصبحت متأصلة ومتجذرة في الثقافة العمرانية والعقارية السعودية كانت في بدء تطبيقها محل الرفض والمقاومة ، وشهدت أروقة المحاكم ودور القضاء الكثير من القضايا التي طالبت حينها برد تلك الأنظمة التي فرضت نموذج الفيلا السكنية ، ذلك النموذج الذي اعتبره الناس حينها غريبا عنهم ودخيلا عليهم . وتغير الحال بعدها بالتدريج ، حتى أصبح ذلك النموذج هو المطلب الوحيد للباحثين عن السكن . وإن اضطر أي منهم للقبول بغير ذلك النموذج تحت طائلة القدرات والإمكانات فإن الأمل يظل يراوده لتحقيق ذلك الأمل . وأصبح بذلك هذا المفهوم مسيطرا على توجهات التخطيط العمراني وتقسيم الأراضي ، سواء منها مخططات المنح البلدية ، أو المخططات الخاصة التي يتم تطويرها من قبل الشركات والكيانات العقارية .
وجدتني أتساءل بعدها عن أثر هذا الواقع على حياة الناس ، وعلى مجمل ما نعيشه من إشكالات اجتماعية واقتصادية وأمنية ، وعلى جودة البنية العمرانية لمدن المملكة . ووجدتني أتفق مع ما ذكره ضيف ذلك البرنامج من تقييم لأثر هذه الظاهرة على الواقع الاجتماعي للمواطنين ، وما زرعته تلك الأسوار من فرقة وفقدان للثقة بين الناس ، فأصبح الجار لا يعرف عن جاره شيئا ، وانقطعت أواصر الصلة بين سكان الحي الواحد ، وسيطر حس الانغلاق والتقوقع على الناس . ووجدتني أيضا أستعرض أوجها أخرى من الآثار السلبية من الجانب الاقتصادي ، فصرت أتساءل عن تكلفة بناء تلك الأسوار ، والقيمة الاقتصادية والمادية للمساحات المهدرة غير المستخدمة من الارتدادات المحيطة بالوحدات السكنية ، والعائد الاقتصادي لهذا العنصر على ملاك الوحدات السكنية . وعندما تذكرت أن تكلفة بناء الأسوار تمثل حوالي 5 % في المتوسط من تكلفة البناء المسكن ، وتذكرت الأرقام التي تتحدث عن الحاجة إلى بناء مليون وحدة سكنية خلال السنوات الخمس القادمة ، قمت بإجراء عملية حسابية بسيطة ، فوجدت أن تكلفة بناء الأسوار فقط لهذا المليون من الوحدات السكنية يمكن أن تقدر بحوالي 50 مليار ريال ، هذا بخلاف قيمة المساحات المهدرة خلف تلك الأسوار وبين الوحدات السكنية . أرعبني هذا الرقم ، وصرت أحسب كم يمكن أن يوظف هذا المبلغ لبناء مزيد من المساكن لسد حاجة الناس بدلا من هذا الهدر . صرت أتخيل أحياء مدننا بلا أسوار ، تماما كما كانت أحياؤنا في الماضي ، أو كما نرى الأحياء السكنية في مدن العالم الأخرى . وأصبح السؤال المسيطر، ألا يمكن أن نحقق خصوصية مجتمعنا إلا بهذا الهدر ؟ .
المشكلة أيضا ليست في مقدار الهدر الذي يحدثه بناء الأسوار ، بل في العائد الذي يحققه على كل المستويات ، فنحن في الحقيقة نصرف الكثير من الأموال في بناء هذه الأسوار التي حولت مدننا إلى مدن قلاع وحصون ، وغدت أحياء المدن السعودية أحياء باهتة مملة لا ترى منها إلا تلك الأسوار وقد علتها وزادتها تشويها تلك الحواجز المعدنية التي تزيد من تعميق إحساس الفرقة وفقدان الثقة بين السكان . وفي الحقيقة ، فإن أوجه الهدر في بناء المساكن في المملكة كثيرة جدا ، ولا تقتصر فقط على بناء الأسوار . وأجزم أننا سنتمكن مع بعض المراجعة الحكيمة لأنظمة وتشريعات البناء من جهة ، ووسائل وتقنيات البناء من جهة أخرى ، من تحقيق وفر كبير في تكاليف بناء الوحدات السكنية ، علاوة على الارتقاء بمستويات الجودة فيها . وفي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن الحاجة إلى تبني مفهوم المسكن الميسر في البناء ، إلا أن أحدا لم يضع بعد تعريفا لهذا المسكن الميسر ، أو آلية لتحقيق هذا التيسير . وفي رأيي ، فإن تحقيق مفهوم التيسير في المساكن لن يتحقق إلا بمقاربة شاملة لكافة الآليات والتشريعات والأنظمة المعمول بها في المملكة ، سواء ما كان منها متعلقا بالأراضي وتطويرها وتداولها ، أو بالبناء وأنظمته وتقنياته ، أو بمنظومة الخدمات المرتبطة بهذه الصناعة من تسويق وصيانة وغير ذلك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق