بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

سوق العقار ووهم الفقاعة


يعيش سوق العقار في الآونة الأخيرة حالة من الهيجان الذي ترك أثره على نفسيات المتعاملين فيه ، علما بأن أهم ما يميز سوق العقار أنه سوق شامل يشمل بتعاملاته كافة فئات المواطنين ، سواء كانو مستثمرين أو مطورين أو مستهلكين أو غير ذلك . فالسكن ، مثله مثل الطعام والشراب ، يمثل أحد متطلبات الإنسان الأساسية في الحياة ، وهو بذلك يشغل بال كافة شرائح المجتمع ، خاصة وأنه يمثل ما يربو على 80 % من حجم التنمية العمرانية في أي مجتمع عمراني . والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين في الآونة الأخيرة وتناوله بعض الكتاب على صفحات الجرائد هو السؤال المتعلق بأسعار الأراضي والعقارات ، وما توصف به من ارتفاع هائل، وأسباب مثل هذا الارتفاع غير المبرر ، والحديث عن فقاعة يشهدها سوق العقار ، وتوقعات متشائمة بما يمكن أن يحدثه أثر انفجار هذه الفقاعة من ضرر هائل قد يفوق الضرر الذي وقع جراء انفجار فقاعة الأسهم ، ودور الدولة في حماية المجتمع من هذه الفقاعة .

والحقيقة الرئيسة ، أن مشكلة سوق العقار في المملكة هي غياب الكيان المسئول عن هذا القطاع الهام ، والدور الذي يلعبه مثل هذا الكيان في الرقابة والتخطيط والتنظيم والتشريع والتأطير والسيطرة بما يكفل للسوق العقاري احترافية مهنية ، لا تؤدي فقط إلى حماية أطراف اللعبة من أخطاء وممارسات الأطراف الأخرى ، بل تحقق تنمية متوازنة في القطاع العقاري ، تقودها الاحتياجات الحقيقية للتنمية العمرانية ، وترسخ ثقافة التطوير عوضا عن ثقافة المضاربة والربح السريع . وفي قناعتي أن سوق العقار سوف يستمر في حال التخبط الذي يعيشه طالما غاب هذا الكيان ، وغاب هذا الدور .

أكثر ما يعاب على هذه الحالة هي أن كافة أطراف اللعبة يلقون باللائمة على بقية الأطراف في ما يشهده السوق من تخبط وارتفاع في الأسعار ، ونقص في العرض في مواجهة الطلب المتزايد ، الأمر الذي أدى إلى نشوء هذه الفقاعة الوهمية ، وما صاحبه من مخاوف من أثر انفجار هذه الفقاعة . فهوامير العقار ، كما يطلق عليهم في هذه الأيام ، تمثيلا لهم بهوامير الأسهم ، يلقون باللائمة على أجهزة الدولة المختصة في غياب آليات وأنظمة الرهن والتمويل العقاري ، وبطء إجراءات التراخيص لتأسيس الشركات والمشاريع ، وغياب الآليات القانونية التي توفر الحماية من حالات التهرب من السداد وحفظ الحقوق . والمستهلكون يلقون باللائمة على هوامير العقار في زيادة أسعار الأراضي ، ويتهمونهم بتدوير الأراضي فيما بينهم بما يزيد من أسعار هذه الأراضي عبر تحميلها طبقات من الربحية المضاربية . والدولة تلقي باللائمة على هوامير العقار في غياب المبادرات التطويرية الحقيقية ، وإيثار الاستمرار في ما تعودو عليه من متاجرة بالأراضي عوضا عن برامج التطوير الشامل . والحالة هنا في النتيجة هي كحوار الطرشان ، ولن تحل هذه المشكلة إلا بوجود هذا الكيان الراعي والمنظم لسوق العقار ، ليتمكن من فهم المشكلة الحقيقية ، ووضع الحلول الفاعلة مدعما بسلطة تشريعية مطلقة تدفع بقطاعات الدولة ذات العلاقة لأداء دورها في هذه المنظومة .

قرأت في جريدة الاقتصادية في عددها الصادر يوم الأربعاء 14/5/2008 م مقالا للأستاذ إبراهيم بن سعيدان حول مبررات ارتفاع أسعار الأراضي . وأبو بدر بكل تأكيد أحد أهم العارفين ببواطن السوق العقاري وأحد أهم لاعبيه الرئيسيين . وبالرغم من أنني وجدت في هذا المقال تعبيرا عما طرحته فيما سبق من وجهة نظر العقاريين اللائمة لقطاعات الدولة ذات العلاقة وتحميلها المسئولية عن حالة ارتفاع أسعار الأراضي ، إلا أن هذا المقال أبرز نقطة مهمة جدا في وجهة نظري ، تتمثل في الدور الذي يمكن أن تؤديه ممارسات بعض قطاعات الدولة غير ذات العلاقة المباشرة بسوق العقار على السوق العقاري بشكل عام ، حيث أبرز المقال على سبيل المثال أثر الآليات التي تطبقها وزارة العمل على السوق عبر نقص العمالة وعجز المقاولين عن إنجاز المشاريع . وأثر آليات القطاع البنكي والمالي في غياب الدعم اللازم لصناعة البناء والتشييد ، وأثر بطء الإجراءات القضائية في ضعف ترسيخ ثقافة الحفاظ على الحقوق . وفي المحصلة ، فإن السوق ، أي سوق ، يتأثر تأثرا مباشرا بكافة الممارسات التي تطبقها كافة قطاعات الدولة ، حتى لو لم يكن لها علاقة مباشرة بهذا السوق . ومن هنا تبرز أهمية وجود هذا الكيان الراعي لسوق العقار ، ليتلمس اثر مثل هذه الممارسات ، وليكون ناطقا باسم أطراف السوق العقاري لدى كيانات الدولة المختلفة .

سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رد على سؤال حول فقاعة العقار التي تشهدها مدينة دبي قائلا أن هذه الفقاعة لن تنفجر ، وستظل تكبر لترتفع بالمدينة فوق بقية المدن . وإن كنت لا أتفق مع مثل هذا الوصف بشكل مطلق ، إلا أن الحقيقة هي أن تلك الفقاعة هي التي حققت التنمية الرائدة التي تشهدها مدينة دبي ، وتبعتها في الآونة الأخيرة كثير من المدن المجاورة . وأقول هنا ، إذا كانت فقاعة دبي حققت لها هذه التنمية فبوركت هذه الفقاعة . الفرق الرئيس بين سوق دبي والسوق السعودي هو أن الطلب في السوق السعودي هو طلب حقيقي وليس وهميا ولا مفتعلا . وبذلك ، فإن الفقاعة السعودية ستكون أكثر صلابة وأبعد عن الانفجار . أنا لا أدعو إلى إطلاق الحرية في رفع الأسعار دون نظام حاكم ، ولكني أدعو إلى توفير المناخ الملائم لتشجيع هوامير العقار على تبني فكر التطوير والتنمية عوضا عن فكر المضاربة والاتجار بالأراضي ، عسى أن نلحق بركب التنمية في دبي وشقيقاتها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق