بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

استشاري الحي لا يطرب


هذا هو التأجيل الثاني لتناول قضية الإسكان في المملكة ، ولو أن موضوع اليوم يمس هذه القضية ولو من طرف . وأجد العذر لدى القاريء الكريم فيما يشهده الجميع من أخبار وأحداث تستثير التفاعل والتعليق ، فأجدني مضطرا للخروج عن نمط التتابع الذي آثرت الأخذ به ، لأعلق الجرس حول بعض هذه الأحداث ، خاصة وأني لم أجد من يسبقني إلى ذلك من الإخوة كتاب الرأي في الصحف المحلية ، وكلهم أساتذتي ، ربما لأن مثل هذه الأحداث لا تقع ضمن أولويات اهتماماتهم ، وهذا صلب المشكلة .
الحدث الذي أود التعليق عليه اليوم هو الخبر الذي تناولته الصحف يوم الاثنين 17 مايو الماضي حول توقيع مجلس الغرف التجارية الصناعية مذكرة تفاهم مع مجموعة أكسفورد البريطانية للأعمال لإصدار ونشر تقرير "السعودية 2010" الاقتصادي . ما أود التعليق عليه ليس الخبر نفسه فقط ، ولكن ما ورد في نص الخبر من تصريحات صدرت من مديرة المجموعة من جهة ، ومن سعادة أمين مجلس الغرف من جهة أخرى . وأبدأ بتصريح السيدة مديرة المجموعة الذي تقول فيه أنها لا تعلم شيئا عن مكاتب ومراكز الاستشارات المحلية . وأتساءل هنا ، كيف يمكن لهذه المجموعة التي تعمل في السعودية منذ عام 2005 أن تصدر تقريرا عن قطاع الأعمال في المملكة ، وهي لا تعلم شيئا عن مكاتب الاستشارات المحلية ، التي تمثل أحد عناصر القطاع الاقتصادي ، وأحد أهم أركانه ؟ . تناقض غريب يثير التساؤل حول قدرة هذه المجموعة على تحقيق الهدف المأمول من هذه الشراكة . ما أستغربه هو سكوت المجلس عن هذا التصريح ، الذي يؤشر لخلل مسبق في التقرير الذي يتوقع صدوره عن هذا القطاع .
ثاني التصريحات هو قول السيدة المديرة أن ما تقوم به المجموعة وما تصدره من تقارير يختلف عن غيره ، وتقاريرهم مفصلة ودقيقة ولا تقل في تفسيرها لمجريات الأحداث الاقتصادية عن 300 صفحة . وأتساءل هنا ، كيف يمكن للسيدة المديرة أن تعقد مثل هذه المقارنة في ظل غياب مثل هذه التقارير فيما سبق ؟ ، وكيف يمكن أن يختلف تقريرهم عن غيره فيما لا يوجد هذا الغير في سوق الإصدارات السعودية ؟ ، ثم هل تحسب جودة التقارير بعدد الصفحات ؟ ، ربما يكون الأجدر حسابها بالكيلوغرام إن رأت السيدة المديرة .
التصريح الأكثر إزعاجا جاء من سعادة أمين مجلس الغرف التجارية الصناعية ، الذي قال فيه أن شراكة المجلس مع المجموعة هي شراكة مهنية وليست تجارية ، وأن المجموعة قدمت نفسها طواعية لتقديم تقرير عن الاقتصاد السعودي . فيا سعادة الأمين ، هل صدقتم أو تتوقعون أن يصدق القاريء أن هذه المبادرة الطوعية لا يوجد وراءها أية أهداف أو مصالح تجارية ؟ . ألم يتبادر إلى ذهنكم ما تقوم به مثل هذه المؤسسات من متاجرة بمثل هذه المعلومات عبر بيعها للشركات والمؤسسات المحلية والدولية التي تسعى إلى الحصول على مثل هذه المعلومات عن كيان اقتصادي كبير مثل المملكة ؟ . صحيح أن المجموعة لن تكلف المجلس أي تكاليف أو أتعاب لإعداد هذا التقرير ، ولكن هذا لا يعني أن المجموعة تقوم بهذا العمل من منطلق خيري ، أو دون مصالح خفية وراءه . ثم ألم يتبادر إلى ذهنكم البعد الاستخباراتي في هذا المشروع ؟ . أليس من المخجل أن نستقي معلومات اقتصادنا من جهة خارجية دخيلة على خصوصيات مجتمعنا واقتصادنا وبيئتنا المحلية ؟ . ثم كيف لهذه المجموعة أن تعمل على إصدار تقرير مثل هذا التقرير في ظل غياب أية مصادر مؤسسية للمعلومات في المملكة ؟ . ولو وجدت هذه المعلومات فإن الأولى بها هو الاستشاري المحلي الذي يعاني الأمرين في الحصول عليها . وإن كان للمجلس الموقر قدرة على مساعدة المجموعة في الحصول على هذه المعلومات فالأولى أن يدعم الكيانات المحلية في هذا المسعى الذي يشكل معضلة حقيقية وعائقا أساسيا أمام الكيانات الاستشارية المحلية . ثم لماذا ينحصر قبول المبادرات الطوعية من الجهات الخارجية ؟ . ألا يمكن استقطاب مثل هذه المبادرات من الكيانات المحلية ؟ . أعلم علم اليقين أن مثل هذه المبادرة الطوعية سبق أن تقدم بها على الأقل واحد من الكيانات الاستشارية المحلية إلى ذات المجلس ، ولم تجد هذه المبادرة أي أذن صاغية ، ربما لأن هذا المسئول عن هذا الكيان ليس أزرق العينين ولا أشقر الشعر . وربما يرى سعادة الأمين أن الكيانات الاستشارية المحلية لا تملك الخبرات أو القدرات اللازمة لإعداد مثل هذا التقرير . وأجدني أجيب عليه بآن هذه الخبرات لا تبنى إلا من خلال إتاحة الفرصة للمارسة وتحمل المسئولية . كان الأجدر بالمجلس على الأقل أن يلزم المجموعة بالعمل المتضامن مع أحد الكيانات الاستشارية المحلية ، ليس فقط لنقل المعرفة المحلية بشئون المجتمع الاقتصادي ، ولكن لتأسيس الخبرة لدى الكيانات المحلية لتتمكن من القيام بمثل هذا الدور في المستقبل ، ولنتمكن من تحقيق نقل المعرفة بشكل عملي وفعال .
المشكلة أن مثل هذا التقرير الذي تعمل المجموعة على إصداره لا يعكس معرفة عميقة وفهما حقيقيا لسوق المملكة بكل ما يتسم به من خصوصيات ومميزات نسبية ، علاوة على أنها تطبخ في مطابخ خارج حدود الوطن ، ودون أدنى جهد للتدقيق في صحة ما تتناوله من معلومات . وكم رأينا قبل ذلك من مشاهدات على هذا الواقع ، كان آخرها التقرير الذي صدر قبل حوالي الشهرين عن مجموعة سيتيسكيب في دبي حول أسعار العقارات السكنية في المملكة ، والتي ورد فيها أن أسعار الوحدات السكنية في الرياض تفوق مثيلاتها في جدة بحوالي 16 مرة ، وهي المعلومة التي لا يمكن أن يصدقها أحد ، ويعلم خطأها الصغير قبل البالغ ، والمجنون قبل العاقل ، والعامي قبل المتخصص . والخطورة هنا ليست في مضمون مثل هذه المعلومات المغلوطة ، بل في التأثير الذي تحدثه ، والبلبلة التي تخلقها في السوق ، وهو سوق فيه ما فيه من مشكلات ، ولا يحتمل مزيدا من الضرر جراء مثل الطروحات العشوائية في المعلومات والدراسات .
مجلس الغرف التجارية الصناعية يتحمل مسئوليات جسيمة في النهوض بمختلف أركان القطاع الاقتصادي في المملكة ، والدور الذي يؤمل أن يقوم به في هذا الإطار يجب أن يبنى في أساسه على الثقة في المؤسسات الاقتصادية المحلية ، وقدرتها على تحمل المسئولية ، والعمل على تمكين هذه المؤسسات من تنمية قدراتها وخبراتها عبر إتاحة الفرصة لها للانخراط في مهام التنمية الاقتصادية الوطنية ، وإلا فإننا سنظل نراوح مكاننا ، وسيبقى اعتمادنا على مصادر الخبرة الخارجية مسيطرا على جهود التنمية ، بكل ما يحمله هذا الواقع من مخاطر محدقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق