بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

منح الأراضي ...... الرأي الآخر


الحديث عن حالة الأراضي في المملكة ودورها في التنمية العمرانية وحل معضلة الإسكان حديث ذو شجون . فالأراضي تمثل عنصرا رئيسا في مكونات التطوير العقاري والتنمية العمرانية ، ومن بداهة القول أن أي مشروع عقاري يحتاج بداية إلى أرض ملائمة يقوم عليها . وبالنظر إلى حالة سوق العقار في المملكة ، نجد أن هذا العنصر كان على الدوام العنصر المسيطر في جهود التطوير ، حيث اتسمت هذه الجهود على مر السنين الماضية بالتركيز على مشروعات تطوير وتقسيم الأراضي والمضاربة فيها ، مع مبادرات محدودة خجولة للتطوير والبناء على تلك الأراضي . والحقيقة ، أن إحدى أهم سمات السوق العقاري في المملكة هي أن قطعة الأرض ، سواء كانت خاما أم مطورة ، تعد سلعة تجارية ، فلم تعد الأرض قاعدة للبناء ، بل أصبحت مادة للمضاربة والتربح ، الأمر الذي أدى إلى تضخم غير مبرر لقيم تلك الأراضي قبل بنائها عبر مرورها بدورات متعددة من البيع والشراء وبناء الربح عبر التداول ، وأدى بالنتيجة لتعطيل تنمية تلك الأراضي ، ومن ثم توفير المنتجات العقارية المطلوبة لسد حاجة المستهلكين ، وخاصة في قطاع الإسكان . وفي رأيي المتواضع ، فإن هذه الحالة الفريدة هي نتاج طبيعي لنظام منح الأراضي الذي تبنته الدولة منذ مدة طويلة . ومع أن هذا النظام كان رافدا هاما لتنمية القطاع العقاري والسكني في الفترة الماضية ، إلا أن مشكلة هذا النظام هي في ترسيخه لمفهوم المتاجرة والمضاربة في الأراضي ، وتأسيسه لثقافة التطوير الفردي ، مع كل ما تحمله هذه الثقافة من إهدار للجودة والقيمة والوقت . وبقراءة لواقع التطبيق ، فإن منح الأراضي تشكل عبئا كبيرا على أمانات وبلديات المدن ، وتعتبر عمليا في حكم التوقف في ظل تراكم طلبات المنح المسجلة لدى المؤسسات البلدية . كما أن قطع الأراضي التي يتم منحها تقع في الغالب في مخططات غير مطورة ، وفي مناطق بعيدة عن البنية العمرانية ، الأمر الذي يجعل من تطويرها وبنائها وإعدادها للسكن أمرا غير ممكن . والحقيقة أن فائدة هذه المنح لا تعدو قيمة بيعها بثمن بخس لا يساوي الجهد المبذول للحصول عليها ، أو استخدامها للتسجيل في القائمة الطويلة لقروض صندوق التنمية العقاري .
الرأي الآخر هنا حفزته قراءتي لمقال الدكتور علي بن سالم باهمام المنشور في هذه الصحيفة الغراء يوم الثلاثاء الماضي . وكاتب المقال بحق أحد خبراء الإسكان في المملكة ، وعارف ببواطن الأمور في شئون التنمية العمرانية ، وكان لجهوده أثناء عمله في مؤسسة الملك عبد الله بن عبد العزيز ، حفظه الله ، للإسكان التنموي كبير الأثر في إنجاح جهود هذه المؤسسة الرائدة . ولكني وجدتني أختلف معه في طرحه حول دور منح الأراضي في حل مشكلة الإسكان في المملكة . فحل مشكلة الإسكان لا يتأتى عبر إيكال المهمة للمواطنين لبناء مساكنهم ، ولا عبر أنظمة فقدت جدواها وثبت قصورها ، والحديث هنا يمس نظامي منح الأراضي وقروض صندوق التنمية العقاري . إن أساس حل المشكلة يكمن في تغيير شامل لثقافة التنمية والتطوير في المملكة ، تكون أركانه في تعليق نظام منح الأراضي ، وتوفير الأراضي للمطورين عوضا عن الأفراد ، وتحويل موارد صندوق التنمية العقاري لتمويل مشروعات التطوير الشامل عوضا عن منح القروض للأفراد ، ومراجعة الأنظمة والقوانين والتشريعات لتشجيع نشوء شركات متخصصة في التطوير الشامل . كما أن الوقت قد حان لتبني جهد موجه لتطوير الأراضي الفضاء داخل المدن ، لزيادة مخزون الأراضي القابلة للبناء ، وذلك عبر فرض رسوم على هذه الأراضي مقابل توفير الخدمات من الدولة لها ، ناهيك عن تحصيل الزكاة الشرعية عليها ، وأية تشريعات داعمة يمكن تبنيها في هذا الإطار ، مثل منع تداول الأراضي الخام قبل تطويرها ، بما يؤدي بالمحصلة إلى تشجيع تطوير هذه الأراضي الفضاء ، ومنع تجميدها الذي أوقع آثارا سلبية كبيرة على التنمية العمرانية وتضخم أسعار العقارات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق