بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

الهاجس الأمني وحصار الذات


أخذتني إحدى رحلاتي المكوكية في الأسبوع الماضي إلى رحاب مدينة روما العتيقة . لست هنا بصدد الحديث عن روعة هذه المدينة وزخم الحضارة الجم الذي تحتويه بين جنباتها . ولكن حدثا مررت به كان الدافع لكتابة هذا المقال . كنت أتنزه في أحد شوارع تلك المدينة الجميلة ، وحانت مني التفاتة إلى أحد المباني المميزة في ذلك الشارع ، فأردت أن أعرف ماهو ذلك المبنى ، وقرأت اللوحة المعلقة على سوره الذي كنت أسير بمحاذاته بشكل مباشر ، وإذا به مبنى السفارة الأمريكية في روما . نظرت حولي أبحث عن مظاهر الحراسة الأمنية التي اعتدت أن أراها حول مثل هذا المبنى في بلادي ، فلم أجد سوى قليلا من الحرس داخل سور السفارة ، وبعضا من كاميرات المراقبة المعلقة على سور المبنى . أثار هذا المظهر في نفسي الكثير من الاستغراب ، خاصة وأن أحد حراس السفارة لوح لي بالتحية وقد رسم على وجهه ابتسامة عريضة . عدت بذاكرتي الذهنية إلى إنشاء مقارنة موضوعية بين هذا المظهر وما نشهده من مظاهر الحراسة الأمنية ليس فقط حول مباني سفارات الدول العظمى ، ولكن حول مختلف المنشآت العامة وكثير من المنشآت التجارية والخاصة في المملكة . عدت إلى الفندق مساء ذلك اليوم ، وبدأت كتابة هذا المقال الذي سأناقش فيه قضية الهاجس الأمني في بلادنا وما نعيشه جراء هذا الهاجس من حصار للذات .
أبدأ أولا بوصف المظهر الذي سيطر على ذاكرتي الذهنية ، فمختلف البماني الحكومية دون استثناء تقريبا تحيط بها المتاريس ومظاهر الحراسة الأمنية وكاميرات المراقبة . والمظهر ذاته يحيط بالكثير من المنشآت التجارية ، بما فيها المراكز التجارية والمباني الفندقية ومراكز المؤتمرات . والمظهر ذاته أيضا نشهده في كثير من الشوارع ، بما فيها مداخل حي السفارات ، والشوارع المحيطة بمراكز تجمعات المباني الحكومية الحساسة ، وحتى عدد من مراكز التفتيش على الطرق البرية بين المدن . والمظهر ذاته نشهده حول بعض المباني السكنية الخاصة ، والمجمعات السكنية في الأحياء ، وخاصة التي يقطنها الأجانب من جنسيات محددة . حتى المباني المكتبية للشركات والمؤسسات الخاصة أصبحت تفرض إجراءات أمنية مبتذلة ، يتم فيها في كثير من الأحيان احتجاز وثائق إثبات الهوية لزوار تلك المباني دون وجه حق . هذه المظاهر كانت دوما متواجدة وملحوظة في بعض المباني التي تحمل أهمية وحساسية خاصة ، ولكن شيوع وتكاثر هذه المظاهر جاء في السنوات الأخيرة نتيجة للحوادث الإرهابية المشينة التي شهدتها المملكة . والحقيقة أن هذه المظاهر تحمل في طياتها وجهين من التأثير ، فهي من جهة تشيع جوا من الطمأنينة إزاء الجهود الموجهة لتحري وتصيد أية محاولات إرهابية ممن قد تسول لهم أنفسهم الدنيئة مد أيدي الاعتداء على مقدرات البلد ، ولكنها في المقابل تشيع جوا من الخوف وفقدان الثقة في كل المواطنين ، وتنشر إحساسا من فقدان الأمن الذي تعبر عنه الحاجة إلى مثل هذه الإجراءات الأمنية المبالغ فيها في كثير من الأحيان .
عندما تولى الأمير خالد الفيصل إمارة منطقة مكة المكرمة كان أحد أول القرارات التي اتخذها هو إزالة مظاهر الحراسة الأمنية المبالغة فيها من محيط ومداخل مقر الإمارة بمدينة جدة . هذا القرار عبر عن رؤية ثاقبة لدى سموه لبذر مشاعر الثقة بين الإمارة والمواطنين ، دون أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بأمن الإمارة في الحدود المعتادة . توقعت حينها أن تقوم كثير من الجهات في تلك المدينة وغيرها من مدن المملكة ، وخاصة التجارية والفندقية منها ، بأن تقتدي بمبادرة الأمير ، وأن تخفف من مظاهر الحراسة الأمنية حول منشآتها ، ولكن ذلك لم يحصل ، ولا زالت تلك المظاهر على ماهي عليه . المشكلة هنا هي فعالية كثير من تلك الإجراءات ، فكم لاحظنا أن حارس الأمن يدور حول السيارة أثناء تفتيشها وهو يتلفت يمنة ويسرة دون تركيز ، وكم تساءلنا عن جدوى إلزام كل صاحب سيارة بفتح غطاء محركها ليلقي عليها ذلك الحارس نظرة عابرة لا يمكن لها أن تكتشف مصدر الخطر إن وجد ، وكم شعرنا بالامتعاض من تكدس السيارات أمام لجان التفتيش على الطرق ، وهي تتسبب في تعطيل الحركة ومصالح الناس ، حتى وإن كان منهم من يريد اللحاق بموعد إقلاع طائرته ، أو أخذ مريض إلى المستشفى . المشكلة الأخرى أن كثيرا من تلك الإجراءات قد تتسبب في تعطيل الاستفادة من كثير من المرافق والمنشآت ، وحرمان الناس من التمتع باستثمارات بذلت فيها الدولة مبالغ طائلة . أبسط مثال على ذلك الحدائق العامة بحي السفارات بمدينة الرياض ، والتي يبلغ عددها سبعة عشر حديقة من أجمل الحدائق ، ولا يستطيع أحد من سكان المدينة ارتيادها في ظل الحماية الأمنية التي تحيط بالحي ، وتمنع دخوله لمن ليس لهم شأن يتعلق بأي من السفارات أو المنشآت الوظيفية التي يضمها الحي . وكذلك مواقف السيارات التي تضمها كثير من المباني الحكومية والتجارية ، وتم تعطيل استخدامها خوفا من تعرض تلك المباني لخطر إرهابي محتمل ، في الوقت الذي يعاني فيه رواد تلك المباني من إيجاد مواقف لسياراتهم في الشوارع المحيطة المزدحمة .
لست هنا أدعو إلى التنازل عن الحذر ، أو التساهل في التعامل مع أية احتمالات لمخاطر قد تحدق بمقدرات بلادنا ، ولكنني أدعو فقط إلى تقنين وتنظيم هذه الممارسات ، لزيادة فعاليتها وكفاءتها من جهة ، ومعالجة الآثار النفسية التي تنشأ عنها من جهة أخرى . كنت في الآونة الأخيرة قد شاركت في عدد من التجارب لتصميم بعض المشروعات ، ومنها عدد من مشروعات المباني الفندقية . ما لاحظته في تلك التجارب هو مقدار التدخل الذي يفرضه ويمارسه مستشارو الأمن أثناء تصميم تلك المباني ، بهدف فرض العديد من الإجراءات الأمنية التي لا تخلو من مبالغة . أثارت تلك التجارب في نفسي تساؤلات عن مصالح تلك الكيانات والشركات الأمنية ، التي كنت أرى أنها تسعى لفرض هذا الإحساس بالخوف لدى ملاك تلك المنشآت لتحقيق مصالح مادية كبيرة من توظيف تلك الشركات لأداء تلك المهام الأمنية المفتعلة . ومن هنا تأتي المشكلة ، فمعظم هذه المظاهر الأمنية جاء نتيجة لفرض إحساس مفتعل بالخوف والخطر ، في الوقت الذي لا تحتاج معظم تلك المواقع لهذا الكم من الإجراءات الأمنية .
خلاصة القول ، هذه المظاهر بالرغم من أهميتها في بعض الأحيان والمواقع ، توقع الكثير من الآثار السلبية في كثير من الأحيان والمواقع . وفي رأيي ، فإنها تؤصل لشكل من أشكال الانتصار لظاهرة الإرهاب عبر زرع بذور الشك وفقدان الثقة بين أبناء الوطن الواحد . والحاجة إلى تقنين وتنظيم هذه الممارسات أصبحت حاجة ملحة ، لتحقيق الفعالية المأمولة منها من جهة ، وتفادي الهدر المادي والبشري الذي تحدثه من جهة أخرى . وفي النتيجة ، نريد لبلادنا أن تشيع فيها مظاهر الأمن والثقة بين الناس ، لا أن تكون ملأى بالحواجز والمتاريس في شكل من أشكال حصار الذات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق