شهد هاتفي الجوال عاصفة من الرسائل النصية قبيل انتخابات الغرفة التجارية الصناعية بالرياض . هذه الرسائل كانت تتحدث عن أهمية التصويت في انتخابات الغرفة ، والترويج لمرشحين معينين دون غيرهم . ولست هنا بصدد الحديث عن مدى مخالفة هذا الأمر لأنظمة انتخابات الغرفة التي تمنع الدعاية بمختلف اشكالها ، أو إبداء الرأي حول أهمية الإعلان في التعريف ببرامج المرشحين ، ولكنني هنا أتحدث عن تجربة مريرة خضتها عندما قررت الاستجابة لنداء الوطن ، والمشاركة بصوتي المتواضع في هذه الانتخابات . والقصة هي كما يلي .
آمنت بأهمية دور المواطن في دعم التوجه الديموقراطي الذي تعكسه انتخابات الغرفة ، وأهمية مساندة هذا الزخم عبر المشاركة بالتصويت . وقمت بشحن ذاتي بقدر من الحماسة للتعامل الإيجابي مع هذه التجربة ، وقمت باستطلاع مصادر المعلومات حول المرشحين وخبراتهم وقدراتهم وبرامجهم لأتمكن من تحديد من سأدعمهم بصوتي المتواضع . ويوم الانتخابات توجهت إلى مقر الغرفة للمشاركة في هذا المحفل الديموقراطي والإدلاء بصوتي في تلك الانتخابات . ولكنني واجهت صدمة كبرى حطمت ما بقي لدي من آمال ، وزرعت في نفسي شعورا بالمهانة وفقدان الكرامة في بلدي . قدمت لمسئول التسجيل في الغرفة أوراقي الثبوتية ، ومنها ترخيص مزاولة المهنة الذي حصلت عليه من إدارة المهن الحرة بوزارة التجارة ، والذي يشكل المستند القانوني لمنشأة مهنية استشارية تمارس عملها في المملكة منذ ما يربو على خمسة عشر عاما ، قامت فيها بالإسهام الفعال في جهود التنمية العمرانية الوطنية . جاء رد ذلك المسئول طعنة في صدر شعور الفخر الذي ملأني وانا أقدم له تلك الأوراق ، لا صوت للمهنيين !!! . كان هذا رد المسئول . استوضحت منه ما يعنيه بهذا الرد ، فأوضح لي بأن المهنيين لا يجوز لهم التصويت في انتخابات الغرف التجارية ، لماذا ؟ لأنهم لا يحملون سجلات تجارية لكياناتهم المهنية . طيب ، وهل هذا ذنب المهنيين ؟ ، هكذا أجبته ، هذا هو النظام ، ظللنا ننادي لفترة طويلة بأهمية أن تعمل الكيانات المهنية على اسس تجارية . الكيانات المهنية ليست محلات حلاقة ولا بقالات ، هي كيانات تتشرف بأداء خدمات مهنية يمثل أصحابها نخبة المجتمع بما يحملونه في رؤوسهم من فكر وعلم ومهارة . كيف يمكن أن لا يكون لهذه النخبة صوت ؟ . أجابني ببساطة وتلقائية ، هذا هو النظام ، يمكنك التشكي لوزارة التجارة ، وقد صدق المسئول ، فهو مجرد موظف يقوم بتنفيذ التعليمات ، ولا يملك حيالها حتى إبداء الرأي .
هنا أجدني أوجه النداء لمعالي وزير التجارة بالنظر في هذا الواقع المرير ، وأوجه النداء إلى كافة منسوبي الوسط المهني للاجتماع على كلمة رجل واحد للمطالبة بأبسط حقوقهم في أن يكون لهم صوت ، نعم مجرد صوت . إن لم يكن للمهنيين حق في التصويت لاختيار ممثليهم في انتخابات الغرف التجارية فأين يكون لهم صوت ؟ . ثم كيف نثق في هؤلاء المهنيين لتقديم خلاصة خبراتهم في دعم التنمية الوطنية ، ولا نثق فيهم في التصويت في انتخابات ممثليهم ؟ . ثم كيف تطالب هذه الكيانات المهنية بدفع رسوم انتسابها للغرف التجارية ، ومن ثم تحرم من أبسط حقوق هذا الانتساب في إبداء الرأي والتصويت ؟ . تناقض مخل وواقع مرير . إن كان المهنيون فئة دنيا في وسط الأعمال فالأحرى بهم أن يخجلو من الانتماء لهذه الفئة ، وأن يسجلو انسحابهم منها . على كل مهندس أو محام أو محاسب أن يؤسس عملا تجاريا ولو كان بقالة أو محل حلاقة ليكون له صوت . إن الوسط المهني يعاني من مشاكل كثيرة جراء هذا الفهم القاصر لطبيعة العمل المهني . وكنت قد تحدثت عن هذه المشاكل في محافل عديدة . فالمهنيون لا يحق لهم توريث كياناتهم لأبنائهم ، ولا يحق لهم مشاركة غير المهنيين من أصحاب الأموال لدعم قدرات كياناتهم . ليس هذا وحسب ، فالضرر على الاقتصاد الوطني غير محدود ، خاصة إذا تذكرنا أن كافة الكيانات المهنية العاملة حاليا ستنتهي إلى الإغلاق في غضون 20 إلى 30 عاما بموت أصحابها . ولكن حرمان المهنيين من أبسط حقوقهم في التصويت لهو في نظري ثالثة الأثافي ، ومصيبة المصائب ، بكل ما فيه من إهدار لكرامة المهنيين واستخفاف بعقولهم وقدراتهم .
المصيبة تكمن في بقية القصة ، إذ أنني لاحظت وأنا في أروقة الغرفة ، وبعد أن صدمني ذلك المسئول بمقولته الشهيرة ، وجود عدد من الأجانب من الجنسية الباكستانية والهندية وبعض الجنسيات العربية ، وهم يملؤون استمارات الانتخاب والتصويت . وعندما سألت المسئول المحترم عن هذه الملاحظة ، أفادني مشكورا بأن هؤلاء من حملة السجلات التجارية بموجب نظام الاستثمار الأجنبي ، وعليه فإن لهم حق التصويت . في النتيجة ، أصبح الأجنبي يملك حق التصويت في بلدي ، وأنا وزملائي من المهنيين ليس لنا صوت . فأين العدل في ذلك يا معالي وزير التجارة ؟؟؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق