عندما أمر خادم الحرمين الشريفين بتأسيس مصرف الإنماء اعترت مواطني المملكة أحاسيس الارتياح والفرح والاستبشار بهذه البادرة التي تحمل تعبيرا عمليا عن حنكة القائد ونظرته التطلعية . كنت حينها أحد أولئك المستبشرين ، الذين رأو في هذا المصرف القادم فرصة حقيقية لتصحيح مسار عمل المؤسسات البنكية في المملكة ، وتقديم نموذج مختلف لمصرف يرفع راية التنمية التي ضمها اسمه . وصرت أتابع أخبار هذا المصرف وأتسقط أخباره ، ملتمسا أن أجد فيها ما يشفي الغليل ويحقق الآمال المعقودة . والآن ، وبعد مرور حوالي السنتين من بدء هذا المصرف أعماله ، وعطفا على ما شهدته وشهده المواطنون من توجهات وطروحات أعلن عنها المصرف في سوق الخدمات المصرفية ، وجدتني أعيش تجربة جديدة من تجارب الإحباط الوطني . وإذ أتحدث في هذا المقال عن ملامح الإحباط في هذه التجربة ، فإنني أرجو أن يجد هذى الحديث شيئا من الصدى لدى القائمين على هذا المصرف ، علهم يأخذون حديثي على محمل النصيحة والرأي والمشورة المخلصة ، من مواطن يعبر بحديثه عن تطلعات المواطنين ، وأجزم أنها أيضا من تطلعات القيادة التي أذنت بنشأة هذا المصرف ودفعت به إلى ميدان العمل لدعم مسيرة التنمية الوطنية .
المصارف والبنوك والمؤسسات المالية السعودية ، وهي تعد على أصابع اليدين ونيف ، كانت دوما محل النقد والتساؤل عن حقيقة دورها في مسيرة التنمية . وهي في مجملها تقوم بتقديم خدمات مصرفية تجارية استهلاكية الطابع ، وتغلب على أعمالها مفاهيم ومباديء التحفظ والجمود ، وهي المفاهيم التي أصبحت تحمد لتلك المؤسسات إبان الأزمة المالية العالمية ، بدعوى أنها حمت البنوك والاقتصاد الوطني من الانهيار والتضعضع ، عطفا على ما شهدته العديد من المؤسسات المالية الدولية والإقليمية . وبالرغم من كون هذه البنوك تعمل في بيئة محافظة بطبعها ، الأمر الذي مكنها من تحصيل عوائد ربحية هائلة من فوائد الودائع والحسابات الجارية التي لا يحصل أصحابها على أية عوائد عنها انطلاقا من قناعة بحرمانية تلك العوائد الربوية الأصل ، إلا أن دور تلك البنوك كان بالعموم غائبا عن لعب دور فاعل في دفع عجلة التنمية ، علاوة على قصور مساهمات تلك المؤسسات في مجالات المسئولية الاجتماعية . واقتصرت منتجاتها التمويلية بالعموم إما على تقديم التمويل لمؤسسات تجارية كبرى ، غلب على كثير منها قصور الضمانات عدا عن الضمانات الشخصية والإسمية لتلك المؤسسات ، أو على المنتجات التمويلية الاستهلاكية للمواطنين ، كتمويل السيارات والقروض الشخصية وبطاقات الإئتمان ، وما أدراك ما بطاقات الإئتمان التي استنزفت جيوب المواطنين ومواردهم . ولا أعتقد أن أحدا يمكن أن ينسى الدور المدمر الذي أحدثته البنوك عند انهيار سوق الأسهم ، جراء قيامها بتسييل محافظ المستثمرين كبارهم وصغارهم ، وهي التي كانت قد أغرتهم بقروض وتسهيلات كبيرة للانخراط في ذلك السوق الذي جر انهياره الكوارث على قطاع عريض من المواطنين . وفي المقابل ، فإن المشاريع الإسكانية والصناعية والمطورين العقاريين وشركات المقاولات والكيانات الهندسية ومجمل المؤسسات التي تقوم على تنفيذ مشاريع التنمية لم يكن لها نصيب بارز من حلول التمويل التي كانت تقدمها تلك المؤسسات المصرفية . هذا الواقع الأليم الذي يعرفه الجميع تفاقم سوءه وتضاعف أثره في ظل الأزمة العالمية ، وأصبحت البنوك أكثر تحفظا وانغلاقا عن ذي قبل ، وصارت شركات المقاولات والعقارات والشركات الهندسية تستجدي التمويل من تلك البنوك دون أن تجد منها عطفا ولا رحمة ، بالرغم من أن معظم المشروعات التي تتطلب التمويل هي مشاريع حكومية تتمتع بمصداقية كبيرة ودرجة عالية من الأمان .
في ظل هذا الواقع ، ومن رحم المعاناة ، جاء تأسيس مصرف الإنماء كالشعلة التي أضاءت جذوة الأمل في نفوس المواطنين ، عسى أن يكون له من اسمه نصيب ، وأن يحقق تطلعات القيادة والشعب في القيام بدور فاعل في مسيرة التنمية ، والخروج عن النمط المألوف في عمل المؤسسات المصرفية التجارية . ولكن الواقع بكل أسف جاء مخيبا للآمال حتى هذه اللحظة ، ولم يأت هذا المصرف بأي جديد ، سوى في المظهر الذي اتسمت به فروعه الفاخرة ، ومنتجاته الاستهلاكية الممعنة في الإغراء . أين مصرف الإنماء بالله عليكم من أزمة الإسكان التي يتحدث عنها الجميع ، ألم ير في هذه الأزمة حتى الآن فرصة حقيقية للعب دور بارز ومميز في معالجة الأزمة وتحقيق عوائد مجزية لمؤسسيه الذيين يمثل منهم المواطنين الأغلبية الساحقة . ثم أين المصرف من تمويل شركات المقاولات والشركات الهندسية التي تعاني الأمرين لتحقيق متطلبات التمويل والضمانات التي تتطلبها المشروعات الحكومية ، وأين المصرف من تبني مبادرات حقيقية لتنمية فرص الأعمال في مختلف المجالات التنموية ، واقتناص الفرص الاستثمارية التي تزخر بها دراسات الاستثمار في الغرف التجارية والشركات الاستثمارية ، وأين المصرف من تخصيص جزء من رأس ماله الضخم للعب دور رأس المال المغامر الذي يدعم الشركات والكيانات الناشئة ، وأين المصرف من برامج دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يعلم الصغير قبل الكبير أنها تمثل عصب الاقتصاد وعموده الفقري ، وأين المصرف من تمويل برامج البحث والتطوير التي يمكن أن تنتج مشاريع صناعية وزراعية وخدمية تدعم اقتصاد الوطني وتخلق الفرص الوظيفية لشباب الوطن . ما الجديد الذي قدمه البنك منذ تأسيسه لدعم الاقتصاد الوطني ومسيرة التنمية ، عدا عن برامج تمويلية استهلاكية تقليدية سبقته إليها البنوك الأخرى ، وبرامج أخرى لتمويل شراء المساكن لم تخرج عن النمط المألوف في بناء الفوائد الكبيرة واقتصارها على الموظفين الحكوميين الذي يستطيعون تحويل رواتبهم إلى البنك لتضخيم محفظة الودائع الجارية لديه ، وعدا عن بطاقات الإئتمان الذكية التي ابتدع المصرف فيها ميزة جديدة ، عبر إصدار بطاقاته في ربع ساعة فقط من تقديم الطلبات ، وهي ميزة حققت للبنك قصب السبق حتى على البنوك العالمية ، التي عميت أعينها عن هذه التقنية الخارقة للعادة .
مجمل القول ، مصرف الإنماء ليس له من اسمه نصيب ، وهو لا يعدو كونه مصرفيا تقليديا كباقي المصارف والبنوك السعودية ، فلا تعولو يا إخوتي عليه الكثير ، ولا تبنو عليه الكثير من الآمال . والظاهر ، أن قضية التنمية ستظل دوما مسئولية الدولة ، حتى وإن دفعت بتأسيس كيانات خاصة تلبس رداء التنمية وتتسمى باسمها ، إلا أنها لا تملك أن تغرس مفهوم التنمية في عقول القائمين عليها . والمشكلة في حالة مصرف الإنماء ليست فقط في عدم قدرته حتى الآن على القيام بدوره المأمول ، بل إنها أيضا في أن هذا المصرف ينتمي في ملكيته العظمى إلى المواطنين ، حيث يملك صغار المساهمين من الأفراد 70% من أسهم المصرف ، دون أن يكون لهم تمثيل نسبي ووزن حقيقي مماثل لهذه النسبة في مجلس إدارة المصرف ، ناهيك عن أن يكون لهم وزن حقيقي في برامج المصرف وخططه التشغيلية . هل يمكن أن يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء هذا القصور ؟ ... ربما .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق