بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

من أجل إيقاف نزيف السيولة داخليا وخارجيا ..


تعاني بلادنا من أعراض مشاكل كثيرة ومتنوعة عادة ما يكون شح السيولة سببا رئيسيا في  وقوعها، وإذا علمنا بأننا نعاني من تخمة في السيولة فإن القضية تجعلنا في حيرة لنبحث عن الأسباب التي جعلت هذه السيولة لاتقوم بدورها المتوقع والمطلوب كما ينبغي ، وهو سؤال مشروع يتطلب التشخيص لننطلق في العلاج من أجل استثمار أمثل لتلك السيولة بما ينوع قاعدة الإقتصاد الكلي في بلادنا وبما يعود بالنفع علينا جميعا.

الأستاذ ابراهيم البليهي يقول في أحد مقالاته بأن ثقافة الإنغلاق والجمود والشك والريبة تشكل عائقا كبيرا أمام  إستثمار المال وتوظيفه التوظيف الأمثل بما يحقق الصالح العام ، وأعتقد أنه محق في ذلك ، وأود أن أضيف لما قاله بأن الفكر والسلوك الإقتصادي سبب آخر لايقل أهمية عن السبب الثقافي ، ذلك أن الفكر الإقتصادي والمالي القائم على الحماية والدعم أدى الى سلوكيات سلبية لاتتوافق والتطورات العالمية من حولنا حتى بتنا نعيش مشاكل معقدة تتزايد سنويا في حين تنمو الدول من حولنا شرقا وغربا بشكل مذهل رغم شح المصادر والموارد الطبيعية التي حبانا الله بها .

الكل يعرف بأن أحد الأسباب الرئيسية والظاهرة في مشاكلنا شح آليات التمويل المقرون بضيق القنوات الإستثمارية رغم السيولة الكبيرة . والسؤال هو : أين تذهب تلك السيولة إذا ؟ وكيف لنا أن نعيد توجيهها إذا أمكن ؟ والإجابة بإعتقادي إنها تنزف داخليا وخارجيا ، وكلا النزيفين قاتل . فهي تنزف داخليا من خلال توجهها لقنوات إستثمارية غير ذات قيمة مضافة فهي إما تعمل في سوق الأسهم الثانوية حيث تدور المليارات لتنتقل من أيدي الضعفاء الى أيدي الهوامير لتكون دولة بين الأغنياء ، أو أنها تدور في مضاربات عقارية أدت لارتفاعات غير مبررة في أسعار الأراضي السكنية حيث وصل سعر المتر في بعض المناطق لاكثر من ألفي ريال .

كما أنها تنزف خارجيا حيث تتحول بشكل مباشر الى البنوك العالمية من أجل الإدخار والإستثمار أو بشكل غير مباشر بخروجها من خلال صناديق الإستثمار العاملة في الأسواق العالمية حيث تساهم في توفير التمويل اللازم للتنمية في أمريكا والصين والهند وغيرها ، وكأن مجتمع الأعمال لدينا قد أكتفى من تلك السيولة رغم علمنا العلم اليقين أن القطاع الإسكاني لوحده يحتاج لحوالي 2.5 ترليون ريال لتمويل بناء حوالي 4 ملايين وحدة سكنية في العشرين سنة القادمة ، فما بالنا بالقطاعات الإقتصادية الأخرى .

ومن أجل إيقاف هذا النزيف أظن أنه حان الوقت لإعادة توجيه تلك السيولة أولا ، والدعوة للسيولة الأجنبية لتساهم أيضا في تنمية بلادنا ذات الفرص الواعدة ثانيا ، وهذا ما لايمكن إلا من خلال استكمال البنية التشريعية التحتية المحفز لإستكمال كافة اللاعبين الرئيسين في كل قطاع إقتصادي بالشكل الذي يؤصل لدورات مالية متتالية والذي يعزز مكانة الجادين ويخرج المتلاعبين دون تشديد منفر لمن هو جاد .

وأعتقد أن الوقت قد حان لتلعب الهيئة العامة للإستثمار دورها في مراجعة كافة التشريعات والأنظمة والإجراءات وتطويرها من أجل تخصيب البيئة الإستثمارية بما يجعلها بيئة تغذي كل مشروع أو كيان جديد بضروريات الحياة والنمو المتوازن لتسيل الأموال في قنوات إستثمارية متعددة تثمر منتجات وخدمات عالية الجودة مناسبة الأسعار ترفع من جودة الحياة في المملكة العربية السعودية .
كما أعتقد بأنه حان الوقت لكي تتعاون جميع الجهات الحكومية المنظمة مع الهيئة العامة للإستثمار  ، تعاونا ينطلق من إيمان راسخ بأن ذلك هو السبيل الامثل لتتكامل التنظيمات المعززة للقدرات الإنتاجية والتنافسية للقطاع الخاص ليلعب دوره الحقيقي كشريك إستراتيجي وفعال للقطاع الحكومي في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في البلاد .

وأكاد أجزم بأن الجميع يصبو لذلك ، ولكن السؤال الكبير هو من يعلق الجرس ؟ من يتحمل المسؤولية ويقدم التضحيات في سبيل رفعة وعزة بلادنا وتحقيق الرفاه لأبناء المجتمع السعودي ؟ ومن يستجيب لذلك بالسرعة المطلوبة بنفس طيبة ونية صافية وعزم صادق ؟ كلي ثقة بالقائمين على الهيئة العامة للإستثمار والقائمين على الجهات الحكومية المنظمة وخصوصا تلك المتعلقة بالأنظمة المالية وسهولة انتقالها من أصحاب المدخرات الى مجتمع الأعمال بما يحقق مصلحة الطرفين بأنهم قادرين على تحقيق ذلك من قناعة راسخة بأن الوقت كالسيف وعلينا أن نقطعه قبل أن يقطعنا ، فالتغيرات متسارعة وتحتاج لإيجاد اليات تمكننا من التسارع للتكيف معها بمرونة كبيرة .

ختاما أود أنقل لكم هذه الفقرة التي تقول " وُصفت الدول ذات الحصول السهل على واردات النفط بـ"دول صندوق الائتمان" إذ أن مثل هذه الدول لا تتكبد عناء تحديث مجتمعاتها، وتحديث قوانينها، وبناء اقتصاد السوق. فالأرقام تقول بأنه إذا استثنيا النفط، فإن الصادرات التجارية لكل العالم العربي الذي يبلغ عدد سكانه 290 مليون نسمة تساوي صادرات فنلندا التجارية بسكانها الأحد عشر مليوناً . فهل حان الوقت لكي نغير تلك المعادلات البائسة ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق